الإثنين، ٢٨ سبتمبر، ٢٠٢٠ 

العالم

الشرق الأوسط وأوبامــا

بيتر جولدمارك

أنظر إلى صفحات تاريخنا مع شاه إيران، وآل دوفالييه الأب والأبناء، وصدام حسين قبل أن نتخلى عنه، وكذلك  موبوتو سيسيسيكو، وأوجستو بينوشيه، وسوهارتو، والعشرات غيرهم وأتسأل: في عالم السياسة الواقعية ما هو المكسب الواضح وعلى المدي الطويل الذى عاد على بلدنا نتيجة دعمها لهؤلاء الحكام المستبدين؟


فعل باراك أوباما ما لم يفعله رئيس أخر غيره حسب ذاكرتي. فقد تخلى عن النظام الدكتاتوري الذي لطالما دعمته الولايات المتحدة الأمريكية لمدة ثلاثين عامًا. 


ففي فترة سادتها الإضطرابات والصعوبات لبلدٍ نُسميها "حليف وثيق"، قال الرئيس أننا نقف جنبًا إلى جنب مع المصريين في الشوارع، وليس مع الديكتاتور في القصر.  


لقد كان الأمر بمثابة طلاق صعب وحرج، بل ومتعثر في بعض الأحيان –  جاء متأخرًا بالنسبة للبعض، وحذرًا للغاية بالنسبة للبعض الأخر الذين أرادوا غلق الباب بلا رجعه.


ولكنه فعلها، فمنذ عهد دوايت ديفيد أيزنهاور، والذي تبدأ ذاكرتي بفترة رئاسته، مرورًا بالرئيسين جون إف. كينيدي وليندون جونسون، وحتى فترات ولاية الرئيسين جورج بوش وكذلك بيل كلينتون، لا أستطيع أن أتذكر أي رئيس أمريكي قام بمثل هذا الأمر.    


كان هذا هو الشئ الصحيح الذي ينبغي فعله. فأمريكا لا تقف بجانب الدكتاتور وإنما بجانب أولئك الذين يجوبون الشوارع مطالبين بالتغيير، وحريتهم، وحقوقهم. لقد تلقيت رسالة بريد إليكترونية من رائدة أعمال ذات خبرة في المجال الإجتماعي في القاهرة والتى عاشت في ظل قمع حكم مبارك. وحرصًا على سلامتها، لن أذكر أسمها.        


وقد كتبت: " استمر الإذلال والتدمير الذي تعرضت لهما الشخصية المصرية وروح الشعب المصري بشكل محسوب ومُنظم لمدة ٣٠ عامًا بطريقة شريرة للغاية لا هوادة فيها. وأضافت "توقف المصريون عن الإبتسام أو الضحك من قلوبهم، يمكنك أن تستشعر هذا الإحساس بالعجز واليأس بين كبار السن والشباب. كما انتشرت ظواهر مثل التحرش الجنسي والنهب وهيمنة البلطجية بسبب دعم الجهات الأمنية لها والتي أرادت عن عمد وقصد كسر كبرياء المصريين جميعًا واحترامهم لذاتهم. لم تكن جرائم القتل لأجساد الأشخاص فحسب، بل لنفوسهم وأرواحهم."


أنا أفهم أن بعض المحللين الخبراء المخضرمين في مجال السياسة الخارجية يقولون أن تخلي أوباما عن مبارك أمرًا خطير للغاية. 


وردًا على ذلك، أقول : لطالما كان التقدم للأمام محفوفًا بالمخاطر  . 

يشير بعض المراقبون إلى أن المتطرفين قد يحاولون السيطرة على ما يُعد الآن حركة شعبية . وأقول أن هذا صحيح  -وأن هذا فى حد ذاته يعتبر دعمًا للنظم الديكتاتورية القاسية التى تُؤجج التطرف وتجعل رد الفعل تجاه التيار الجهادي أمرًا أكثر احتمالًا وقبولًا.


كما تقول بعض الأقلام ذات الخبرة والحنكة أن مدرسة الواقعية السياسية تُعلمنا أنه غالبًا ما يكون من الأفضل المماطلة والتسويف مع  قائد محلي غير منتخب ولكنه مخلص وذكي بدلًا من دعم قوات جاهلة وغير مُنضبطة ترغب في الإطاحة به.


أنظر إلى صفحات تاريخنا مع شاه إيران، وآل دوفالييه الأب والأبناء، وصدام حسين قبل أن نتخلى عنه، وكذلك  موبوتو سيسيسيكو، وأوجستو بينوشيه، وسوهارتو، والعشرات غيرهم وأتسأل: في عالم السياسة الواقعية ما هو المكسب الواضح وعلى المدي الطويل الذى عاد على بلدنا نتيجة دعمها لهؤلاء الحكام المستبدين؟ وما هي الأهداف التى تحققت؟  


في النشرة الإخبارية ذاتها التي أدلى فيها أوباما ببياناته الحذرة، ظهر مراسل تليفزيوني في القاهرة وهو يحمل اسطوانة غاز مسيل للدموع أطلقتها قوات الشرطة المصرية على المتظاهرين المصريين، ومكتوب عليها بأحرف واضحة عبارة: صُنع في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد كان ذلك بمثابة تذكرة حية للأميركيين لما عرفه المصريون منذ أمد بعيد: أن العتاد العسكري، والمال، والمشورة الأمريكية لطالما دعمت نظام مبارك الدكتاتوري لفترة طويلة.


أحد أجدادي كان جنرالًا مع الأميركيين الذين أتوا من مختلف المناحي للثورة ضد البريطانيين. كما أيد أقاربي المجريين الطلاب والمتظاهرين الذين قاتلوا ضد الدبابات السوفياتية في شوارع بودابست في عام ١٩٥٦.  جميعهم كانوا يحبون أمريكا، وجميعهم سيستشيطون غضبًا عند رؤية هذه الأسطوانة المصنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية.


لقد فهمت هذا الأمر على النحو الصحيح بحق يا أوباما، وأعتقد أن الكثيرين منا يساندونك ومعك في هذا الأمر- ليس لأنك ولا لأنني ولا لأن الخبراء أذكياء بما فيه الكفاية لنعرف ما يحمله الغد لنا، وإنما لأنه الأمر الصائب.