الجمعة، ٢٥ سبتمبر، ٢٠٢٠ 

الحياه

المؤامرة ضد مصر

اسكندر العمراني

هؤلاء يؤمنون بقوة أن مصر «أم الدنيا» أي أنها قلب الأحداث العالمية الذي يترتب عليه مصير الكون بأكمله، ولابد أن هذا هو سبب وجود الكثير من المتآمرين على ما يبدو لتنفيذ المؤامرة ضد مصر (أو المؤامرات، أو المؤامرة العظمى التي تتحكم في سائر المؤامرات). إنها القصة نفسها كما نعلمها

 

 

منذ فترة ونحن نسمع المعلّقين في الصحف والتليفزيون يتحدثون بنبرات التهديد المعهودة عن المكائد المختلفة التي تسعى إلى إحباط الثورة وإذلال مصر، هؤلاء يؤمنون بقوة بأن مصر «أم الدنيا» أي أنها قلب الأحداث العالمية الذي يترتب عليه مصير الكون بأكمله، ولابد أن هذا هو سبب وجود الكثير من المتآمرين على ما يبدو لتنفيذ المؤامرة ضد مصر (أو المؤامرات، أو المؤامرة العظمى التي تتحكم في سائر المؤامرات).

 

إنها القصة نفسها كما نعلمها، إنها الخطة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية لتقسيم البلد إلى سيناء بدوية، وشمال مصري مسلم، وصعيد مصري قبطي، ونوبة جديدة في أقصى الجنوب. والفلول يخرجون علينا من مخابئهم ليثيروا الفتنة الطائفية في حين أن السعودية وقطر تمولان الجماعت السلفية حتى لاتعود أيام جمال عبد الناصر السعيدة وتعود رؤيته لدور مصري إقليمي قوي. 

 

وبالنسبة لقيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة فإما أنهم يقاتلون بشرف في حروب الظلام هذه أو أنهم مخترقون، ولا أحد يعلم تحديداً، ولكن لا نستطيع أن نلمح هذه التلميحات إلا بإشارات غامضة على استحياء خوفاً من أنهم يسمعون.

 

لن ينفع بشيء أن نلقي اللوم على قوى غامضة غير محددة، فهذا نوع من الهروب، والطائفية ليست مسئولية السلفيين أو فلول النظام وإنما هي مشكلة اجتماعية قائمة منذ فترة طويلةوالاستبداد السابق قد يكون قد وجد القبول والتشجيع من قوى أجنبية فضّلت دولة مصرية موثوق في نوع قراراتها عن دولة مصرية ديمقراطية لكن دعم وقبول الاستبداد جاء أولاً وأخيراً من الداخل وليس من الخارج

أفكار العلمانيين عن الدولة المدنية تقلل من شأن الدين، وانتقادهم للإسلاميين يجعلهم كفّاراً على أي حال كما أشار مؤخراً أحد كبار أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وبالطبع جعل هذا العلمانيين يفكرون في إمكانية هزيمة تحالف الإسلاميين والجيش، الذي يظهر في كل مكان من خلال مبادرة الجيش، بصفقة أفضل. 

 

ولا ننسَ موضوع الاقتصاد، فقد قام البنك الدولي وصندوق النقد بتقديم المال (بناء على طلب الحكومة) للمساعدة في المرحلة الانتقالية ثم انهالت عليهم الاتهامات بأنهم ينفذون خطة ليبرالية جديدة لاستعباد مصر اقتصادياً، كما كان يحدث في عهد مبارك، بالمناسبة لمن لم يلاحظ التشابه. 

 

أستطيع أن أستمر في عرض الأمثلة، لكن عليكم أنتم أن تختاروا السمّ المناسب، فالكل في هذه الأيام عنده نظرية عن محاولة الآخرين في اللعب بمصير الوطن، كما قال لي أحد رجال الجيش قريباً وهو يميل نحوي بأسلوب يوحي بالسرية والمؤامرة ويداعب أنفه بإصبعه هامساً: «هناك شيء مريب يحدث». لم يستطع إخباري ما المريب أو من المريبون أو حتى ما المكيدة التي يخشاها، لكن شيء ما غير طبيعي يحدث، هذا أكيد.

 

لا أستبعد فكرة أن الكثيرين يخططون لمصالحهم في هذه الفترة الانتقالية، التي هي في الأغلب أكثر لحظة تاريخية حماسية ومجهولة المصير مرّت بها مصر عبر نصف قرن، فهناك الكثير الذي يترتب على نتيجة هذه الفترة، من ذكرى ضحايا النظام السابق إلى الأمل في ديمقراطية حقيقية تنشأ من جسد الدولة المتهالك، وقد ضاع وقت كثير بالفعل وفرص كثيرة كذلك ولا تزال العقبات الكثيرة تقف في طريق النجاح، لكن الأمل لا يزال موجوداً بلا مجال للشك.

 

بالطبع تسعى دول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية وقطر والبلاد الأوروبية إلى التأثير في مسار الأحداث فيما بعد الثورة، فهكذا تفعل الدول إن كان لها مصالح كبيرة تترتب على نتائج المرحلة. وبالطبع يتنافس الإسلاميون والعلمانيون والليبراليون والاشتراكيون لأجل مصالحهم، ومن حين لآخر سيلجأون إلى أساليب ملتوية وإلى تشويه صورة خصومهم، فهكذا يفعل السياسيون. 

 

لكن الأهم هو ما يفعله المواطنون، بإمكانهم الجلوس أمام التليفزيون والقلق بشأن ما يقوله الخبراء وأن يستسلموا لعالم فيه الأعداء الكثيرون مع قناعة أنه ليس باستطاعتهم فعل شيء أمام هذا الخطر، أو بإمكانهم النزول إلى الشارع للتأكد من نجاح الثورة وأنها لن تضيع هباءً وأن ينضموا إلى حزب ما أو إلى حركة ما تسعى للتغيير. 

وبالطبع الحكومة والمجلس العسكري لا يعرضان كل الحقيقة على الشعب بشأن ما يحدث في مصر سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً واجتماعياً وإدارياً، فهكذا يفعل أصحاب السلطة.

 

لكن الأهم هو ما يفعله المواطنون، بإمكانهم الجلوس أمام التليفزيون والقلق بشأن ما يقوله الخبراء وأن يستسلموا لعالم فيه الأعداء الكثيرون مع قناعة أنه ليس باستطاعتهم فعل شيء أمام هذا الخطر، أو بإمكانهم النزول إلى الشارع للتأكد من نجاح الثورة وأنها لن تضيع هباءً وأن ينضموا إلى حزب ما أو إلى حركة ما تسعى للتغيير. 

 

يستطيع المواطنون الاعتراف بأن إدارة المرحلة الانتقالية كانت سيئة وأن المجلس العسكري أساء الحكم ولم يكن يكشف عن نواياه بالقدر الكافي، ويستطيعون استنتاج أن جنرالات يحكمون دولة منذ عام ١٩٥٢ لن يتنازلوا عن حكمهم بسهولة، أو يستطيعون فعل ما بدأه الكثيرون وهو المطالبة بالمحاسبة والشفافية والتعبير عن الغضب عندما يتم استدعاء الصحفيين والمدونين عن طريق النائب العام العسكري لأنهم لمّحوا أن مؤسسة تحصل على تمويلها من ضرائب الشعب يجب أن تخضع لمراقبة ومحاسبة الشعب (وهو ما فعله الناشط السياسي حسام الحملاوي حديثاً في برنامج محمود سعد على قناة التحرير مما جعل الأستاذ سعد يغلق عليه الخط)، ويستطيعون المشاركة في النقاش حول أيّهم يأتي أولاً، مجلس الشعب أو الرئيس أو الدستور، وما هي الصيغة المناسبة لكل منهم.

 

لن ينفع بشيء أن نلقي اللوم على قوى غامضة غير محددة، فهذا نوع من الهروب، والطائفية ليست مسئولية السلفيين أو فلول النظام وإنما هي مشكلة اجتماعية قائمة منذ فترة طويلة، والاستبداد السابق قد يكون قد وجد القبول والتشجيع من قوى أجنبية فضّلت دولة مصرية موثوقاً في نوع قراراتها عن دولة مصرية ديمقراطية، لكن قبول الاستبداد ودعمه جاء - أولاً وأخيراً - من الداخل وليس من الخارج. وإن كانت الحالة الاقتصادية فوضوية فالسبب ليس برنامج صندوق النقد الدولي للتعديل الهيكلي وإنما هي نتيجة الفساد وعقود من سوء الإدارة تعود إلى ما قبل التعديل الهيكلي، وعدم الرغبة في تحمل ما تعنيه موازنة عامة موزونة من تكلفة اجتماعية وسياسية. 

 

وإن كانت هناك مؤامرة ضد مصر، فالمتآمرون هم من يتخاذلون عن التحرك بدلاً من أن يشمّروا عن سواعدهم.