الثلاثاء، ٢٥ يونيو، ٢٠١٩ 

السياسه

ديمقراطية إلى الخلف در

نجوى عماد

وتنظر في طول البلاد وعرضها لتبحث عن أثر هذا المكسب فيرتد بصرك وهو حسير. فحال العامل المصري و الفلاح المصري لا يسر عدواً ولا حبيباً

تضمن الإعلان الدستوري  الذي صدر عن المجلس العسكري الأعلى  بنداً ينص على أن نصف مجلس الشعب القادم على الأقل سيكونون من العمال والفلاحين، وقيل في تبرير ذلك إن نسبة الخمسين في المائة (على الأقل – خلي بالك) هي من المكتسبات التي حققتها ثورة ٢٣ يوليو للعمال والفلاحين. 


وتنظر في طول البلاد وعرضها لتبحث عن أثر هذا المكسب فيرتد بصرك وهو حسير. فحال العامل المصري و الفلاح المصري لا يسر عدواً ولا حبيباً.


وليس سراً أن الذين ابتدعوا هذه النسبة في زمن "الإتحاد الإشتراكي" ، وفي عهد تصنيف الشعب إلى فئات مهنية، وإلى وطنيين وعملاء وغير ذلك من التصنيفات، كانوا يقتدون بالأيديولوجيات التي تؤمن بسيادة البروليتاريا.


ونظراً لأن الفلاح استفاد من الإصلاح الزراعي واستفاد أبناؤه من فرص التعليم  المجاني، وأن حركة التصنيع
وأحد الآمال الكبرى لمن قاموا بثورة 25 يناير أن يكون لدينا برلمان حقيقي يقوم بدوره التشريعي والرقابي لمصلحة الشعب كله دون تمييز، ويكون قادراً على مساءلة الحاكم النشطة في عهد عبد الناصر أدت إلى تزايد عدد عمال المصانع وشركات القطاع العام، كان من الطبيعي أن يُنظر إلى هذين القطاعين بوصفهما حليفين مخلصين للثورة في مواجهة الطبقة الوسطى و المثقفين اللذين كانا دائماً موضع شك من السلطة الحاكمة خلال الستين عاما الأخيرة. وكان وجود هذه النسبة ضماناً مؤكداً لتمكن السلطة من تمرير كل ما تريده من قرارات و قوانين في سهولة ويسر وبغير معارضة.


وإذا كانت الفكرة من التمسك بهذه النسبة هي أن الفلاحين والعمال هم خير من يمثلون مصالحهم، وإذا قبلنا أن الفلاحين يقومون بمهنة واحدة تقريباً، فماذا عن العمال؟ لماذا لا تكون هناك نسبة محددة للحانوتية، وأخرى للحدادين، وثالثة للجزارين ورابعة لعمال المجاري، وخامسة لعمال البناء، وسادسة للنجارين وسابعة للخياطين، وثامنة للميكانيكية وهكذا؟ فكل مهنة من هذه المهن لها ظروفها ومشكلاتها الخاصة، وهم - بهذا المنطق السخيف نفسه -  أفضل من يمثلون مصالحهم.


ألم يخطر ببال من أصروا على التمسك بهذا البند المشبوه، سيئ السمعة، أن ديمقراطيات العالم شمالاً و جنوباً وشرقاً وغرباً لا يوجد فيها أي سخف مشابه؟ ترى عدد فلاحينا وعمالنا أكبر من عدد فلاحي الهند و عمالها؟ ترانا أحرص على التمثيل الديمقراطي من بريطانيا أم الديمقراطيات، أم أننا نحب التقدم إلى الخلف فحسب؟


ولو أننا سألنا أنفسنا ما هي مصالح الفلاح لوجدنا أنها تنقسم إلى شقين: مصالح حياتية تتعلق بالمأكل و المسكن و الصحة و التعليم والأمن والضرائب شأنه في ذلك شأن أي مصري آخر. ومصالح مهنية تتعلق بتوفر التقاوي و الأسمدة و المبيدات والمعدات وأسعارها، وبالقروض وسعر بيع المحاصيل، وقوانين إيجار الأراضي وغير ذلك من الأمور المتصلة بالنشاط الزراعي. ولكن المتأمل لهذه المصالح المهنية سيجد أنها تتوقف على عوامل كثيرة لا يستطيع الإلمام بها و تنظيمها إلا أجهزة متخصصة وبعضها خاضع لعوامل السوق. 


والدول الديمقراطية فيها تنظيمات نقابية  واتحادات حرة  لا تتدخل  الحكومة في انتخابها أو في عملها، وهذه النقابات
لماذا لا تكون هناك نسبة محددة للحانوتية، وأخرى للحدادين، وثالثة للجزارين ورابعة لعمال المجاري، وخامسة لعمال البناء، وسادسة للنجارين وسابعة للخياطين، وثامنة للميكانيكية وهكذا؟ فكل مهنة من هذه المهن لها ظروفها ومشكلاتها الخاصة، وهم - بهذا المنطق السخيف نفسه -  أفضل من يمثلون مصالحهم. والاتحادات تدافع عن مصالح المهن التي تمثلها و تتبنى قضاياها ومنها ما يعمل كجماعات ضغط سياسي ، ولكن هناك دائماً من التوازنات ما يقف حائلاً دون طغيان قطاع معين على بقية القطاعات، ولعل من يدرس تطور علاقة حزب العمال البريطاني بالنقابات العمالية منذ عام ١٩٧٩ يتعلم درساً أو درسين عما يحدث عندما تستفحل قوة قطاع معين في المجتمع.    


والنائب البرلماني ينوب عن أبناء دائرته أياً كانت مهنهم وأياً كانت مصالحهم، وإذا لم يستمع إلى ناخبيه ويتفهم مشكلاتهم فلاحين كانو أوعمالاً، رجالاً أو نساءاً، شيوخاً أو شباباً فلن يكون جديراً بالنيابة عنهم.


وأحد الآمال الكبرى لمن قاموا بثورة ٢٥ يناير أن يكون لدينا برلمان حقيقي يقوم بدوره التشريعي والرقابي لمصلحة الشعب كله دون تمييز، ويكون قادراً على مساءلة الحاكم، لا وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة أو أداة طيعة يستغلها الحاكم ويستخدمها كيف يشاء للبصم على قراراته بالموافقة، ولن يتحقق ذلك إذا بدأنا بتحديد نسبة لهذه الفئة و "كوتة" لتلك.


وإذا تصادف أن كان معظم الناخبين في دائرة ما من الفلاحين وقرروا أن يختاروا فلاحاً ليعبر عنهم ويمثل مصالحهم باعتباره الأنسب و الأقدر على ذلك، فهذا حقهم. وإذا أسفرت الانتخابات الحرة عن فوز العمال والفلاحين  بتسعين في المائة من مقاعد المجلس وليس خمسين فقط فلا بأس ما دام هذا هو اختيار الشعب الحر. أما أن يفرض أحد من البداية نسبة خمسين في المائة على الشعب فرضاً فهذا أمر فيه وصاية مذمومة وتقييد صارخ لحرية الشعب في اختيار ممثليه، بل ويثير شكوكاً قوية في نوايا من فرضوه.


عندما أراد حزب العمال البريطاني أن يزيد من عدد برلمانييه من النساء في انتخابات عام ١٩٩٧ زاد من عدد المرشحات، واختار هؤلاء المرشحات من أفضل العناصر، ولكن القرار في النهاية  كان للناخبين وليس لحفنة من الناس من هنا أو هناك وهذه هي الديمقراطية الحقة لا ديمقراطية إلى الخلف دُر.