الأحد، ١٩ نوفمبر، ٢٠١٧ 

الحياه

آن الأوان لرفض لغة تصوير الأقباط كضحايا

بول سيدرا

فاستخدام اللغة التي تصورهم كضحايا، والتي تهيمن على كثير من التغطيات الإعلامية للأقباط ومأزقهم في مصر، أمر غير ملائم على الإطلاق لوصف هذا المأزق. وتجدر الإشارة إلى أن هذه اللغة لا تتسم بعدم الدقة فحسب، كما حاولت أن أبين في هذه المقالة، ولكنها أيضا خطيرة للغاية.


من الصعب أن يلوم أحد المراقب غير المتعمق للسياسة المصرية إذا اعتقد أن أقباط مصر يواجهون أسوأ أزمة فيلا يوجد مجتمع قبطي واحد غير متمايز. ففي الواقع، هناك تنوع واسع في الجماعات القبطية بمصر، التي تتدرج على السلم الاجتماعي-الاقتصادي من زبالي المقطم صعوداً إلى عائلة ساويرس. تاريخهم الحديث. فأول رئيس للجمهورية الثانية في مصر ينتمي إلى التيار الإسلامي، وعلى الرغم من استقالته من جماعة الإخوان المسلمين وتبنيه خطاباً داعماً لاندماج جميع فئات المجتمع، فإنه لا يزال يدين بالفضل إلى جماعة الإخوان. ورئيس مجلس وزرائه، هشام قنديل، لم يعين في مجلسه سوى قبطي واحد هو وزيرة البحث العلمي، نادية زخاري، على الرغم من التزام الرئيس الذي أعلنه في وقت سابق بأن حكومته ستضم عدداً أكبر من الأقباط. وبصرف النظر عن جماعة الإخوان المسلمين، فإن أكثر القوى ديناميكية ونجاحاً في المشهد السياسي المصري هي السلفيون، الذين ترفض أعداد كبيرة منهم فكرة أن الأقباط مواطنون متساوون في ظل القانون المصري.


وتجدر الإشارة إلى أن كثيراً من مرتكبي أحداث العنف الطائفي، مثل تلك التي اجتاحت قرية دهشور بالجيزة في أغسطس ٢٠١٢ ، لم يُعاقب معظمهم. وحينما احتج الأقباط على هذا الأمر، واجهوا غضب قوات الأمن التابعة للدولة الذي تجسد على نحو مشين في أحداث ماسبيرو التي وقعت في أكتوبر الماضي، عندما قتل ثمانية وعشرون شخصاً وأصيب مائتان واثنا عشر آخرين على أيدي الشرطة العسكرية. وعلى الرغم من عدم وجود أرقام موثوق بها حول الهجرة، يقال إن الأقباط الآن يغادرون مصر بالآلاف. وفي غضون ذلك، جرى كل هذا في غياب قيادة جماعية قوية بعدما فقدت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية البابا شنودة الثالث في مارس الماضي.

كانت ثورة مصر الأخيرة بالنسبة إلى الأقباط، شأنها شأن ثورة 1952، مصدراً مشابهاُ للقلق، إن لم تكن مصدراً أكبر. فقد جاءت ثورة 1952 بالضباط الأحرار إلى الحكم ولم يكن بينهم قبطي واحد.
وعلى الرغم من أن الثورة المصرية الأخيرة قد تشكل نوعاً من العزاء في مواجهة هذه التطورات المزعجة، فقد مثلت بالنسبة إلى الأقباط، شأنها شأن ثورة ١٩٥٢، مصدراً مشابهاُ للقلق، إن لم تكن مصدراً أكبر. فقد جاءت ثورة ١٩٥٢ بالضباط الأحرار إلى الحكم ولم يكن بينهم قبطي واحد. وعلى الرغم من أن اختيار الضباط الأحرار لمحمد نجيب رئيساً شكلياً للدولة مثل لفتة رمزية مهمة نحو الوفاق مع الأقباط، فإن معظم الضباط الأحرار كانت تربطهم صلات أقوى بكثير مع الإخوان المسلمين.


وكان ضمن الأولويات الملحة في النظام الذي استحدثه الضباط الأحرار التخلص من النظام البرلماني المصري المرتبط "بالحقبة الليبرالية"، ذلك النظام الذي ازدهرت فيه مشاركة الإقطاعيين والمحترفين الأقباط في الحياة السياسية. وبإبعاد الإقطاعيين والمحترفين الأقباط إلى هامش الحياة السياسية – خاصة بعد سياسة الإصلاح الزراعي التي طبقها الضباط – لم يستطع الأقباط أن يتطلعوا إلى الكنيسة من أجل القيادة، بسبب فساد وعدم فعالية البطريرك القائم في ذلك الحين، يوساب الثاني، الذي وقع في أوقات كثيرة في أُثناء أداء مهام منصبه في فخ النزاع مع المجلس الملي، في ضوء سوء إدارته المزعوم لأموال الكنيسة.


وفي اعتقادي، هناك نقطتان مهمتان يمكن استخلاصهما من المقارنة بين عام ١٩٥٢ واللحظة السياسية الراهنة. النقطة الأولى هي أنه لا يوجد مجتمع قبطي واحد غير متمايز. ففي الواقع، هناك تنوع واسع في الجماعات القبطية ولا شك في أن هناك أجزاء من المجتمع تخشى من الغموض المصاحب للثورة، ولكن هناك أيضاً أجزاء من المجتمع استوعبت هذا الغموض لتفتح الطريق أمام التغيير. بمصر، التي تتدرج على السلم الاجتماعي-الاقتصادي من زبالي المقطم صعوداً إلى عائلة ساويرس. وفي حالة ثورة ١٩٥٢، لا شك في أن الأقباط من أصحاب الدخول المنخفضة قد استفادوا من سياسات الإصلاح الزراعي والتعليم التي وضعها نظام الضباط الأحرار، مما جعلهم يحشدون الدعم لهذا النظام بصرف النظر عن شكوك إخوانهم في الدين من أصحاب الدخول المرتفعة. وفي اللحظة السياسية الراهنة، ثمة تحالفات قبطية مهمة تحسن الاستفادة من عدم الاستقرار السائد لتتحدى دور الكنيسة المهيمن بوصفها ممثلة للمجتمع القبطي على الساحة العامة. ويكفي أن يشير المرء إلى نموذج "رابطة الأقباط ٣٨"، التي تسعى إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية البطريركي المعمول به حالياً بين الأقباط، وإفساح المجال للطلاق عند وجود اختلافات لا يمكن التوفيق بينها.


والنقطة الثانية هي أنه على الرغم من أن اللحظة السياسية الراهنة لا يبدو أنها  تدعو إلى كثير من التفاؤل، فإن الأزمات والتراجع لا يشكلان نتيجة حتمية بالنسبة إلى الأقباط، وعلى هذه الجبهة، سيتوقف الكثير من الأشياء على الإجراءات السياسية التي يتخذها الأقباط أنفسهم. فثورة ١٩٥٢ لم تكن بداية موت المجتمع القبطي كما توقعت النخبة القبطية في تلك الحقبة. ففي ظل قيادة البابا كيرلس السادس، ومن بعده البابا شنودة الثالث، ازدهرت الكنيسة كما لم تزدهر من قبل خلال الفترة الحديثة. ومن الأمور المشجعة بالنسبة إليّ في الوقت الحاضر هو أن الأقباط لم يتوانوا عن مواجهة الهجمات الموجهة ضد حقوق المواطنة الخاصة بهم، بل على العكس، حشدت منظمات مثل اتحاد شباب ماسبيرو، وما زالت تحشد، الجهود ضد تهميش دور الأقباط في الحياة المصرية العامة.

الأقباط لم يتوانوا عن مواجهة الهجمات الموجهة ضد حقوق المواطنة الخاصة بهم، بل على العكس، حشدت منظمات مثل اتحاد شباب ماسبيرو، وما زالت تحشد، الجهود ضد تهميش دور الأقباط في الحياة المصرية العامة.
وهنا يكمن درس مهم بالنسبة إلى وسائل الإعلام المصرية والدولية على حد سواء: الأقباط ليسوا ضحايا لأنهم أقلية. فاستخدام اللغة التي تصورهم كضحايا، والتي تهيمن على كثير من التغطيات الإعلامية للأقباط ومأزقهم في مصر، أمر غير ملائم على الإطلاق لوصف هذا المأزق. إذ تفترض هذه اللغة وجود جماعة سلبية مستسلمة لقدرها الذي يتضاءل وقد ينتهي بالطرد، وتحتاج إلى الخلاص على يد قوة خارجية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه اللغة لا تتسم بعدم الدقة فحسب، كما حاولت أن أبين في هذه المقالة، ولكنها أيضا خطيرة للغاية.


ولا يسعنى هنا سوى أن أستحضر النقاش الذي دار حول الولاء السياسي للأقباط في أعقاب الانتخابات الرئاسية. فقد وُجهت إلى الأقباط اتهامات لا تقل عن دعم الثورة المضادة، واستند جزء كبير من النقاش إلى صورة خاطئة للمجتمع القبطي ليس فقط بوصفه مجتمعاً من الموحِّدين، بل أيضاً بوصفه مجتمعاً محافظاً في الأساس، ومحايداً من الناحية السياسية، وخاضعاً للوضع الراهن. ولا شك في أن هناك أجزاء من المجتمع تخشى من الغموض المصاحب للثورة، ولكن هناك أيضاً أجزاء من المجتمع استوعبت هذا الغموض لتفتح الطريق أمام التغيير. وتتجاهل لغة تصوير الأقباط كضحايا هذه الفئة من المجتمع القبطي، ولهذا السبب وحده، آن الأوان لرفض هذه اللغة.

نشرت هذه المقالة في الأصل بجريدة إيجيبت إنديبندنت.