السبت، ٢١ أكتوبر، ٢٠١٧ 

الحياه

الجوهر العلماني للإسلام

ياسر أبو عوف

ياسر ابو عوف يرى ان فكرة «المجتمع الاسلامي» لا معنى لها لأن لا وجود لكنيسة في الإسلام

 لي صديقة عزيزة جادة في إسلامها و تشترك معي في النزوع بشكل تلقائي إلى الفكر الليبرالي بحكم نشأة تعليمية، كنشأتي، غلب عليها التأثير الغربي. منذ قريب صارحتني هذه الصديقة بأنها تشعر  بقدر من التأزم لا تجد له حلاً سهلاً.  المشكلة التي تواجهها أنها بقدر ما تتمنى معي بجدية أن يسفر المخاض السياسي الحالي في مصر عن نظام ليبرالي علماني، بقدر ما تشعر بعدم إرتياح لفكرة أن تكون مواطنة، أو ربما سياسية مسؤولة، في دولة تنعم فيها أنشطة مثل بيع الخمور أو ممارسة القمار بالحماية القانونية. اكتب هذه السطور من وحي تدبر معضلة هذه الصديقة.


أرى أنه يمكن صياغة هذه المعضلة كحزمة متصلة من الأسئلة فرضت نفسها على المسلم الواعي بشكل متنامي الحدة منذ سقوط آخر خلافة إسلامية في إسطنبول: إلى أي مدى، إن كان صحيحاً على الإطلاق،  يمكن إعتبار أن جزءًا رئيساً من معنى أن تكون مسلماً هو أن تكون مواطناً في «مجتمع إسلامي»؟ و لو كان لهذا الزعم أي قدر من الصحة، فما هو تحديداً «المجتمع الإسلامي»؟ أما إن سلمنا، على العكس، بفساد هذا الزعم ، فهل يعني هذا أننا نزعم في المقابل أن إيمان المواطن المسلم لا يحمل أي إلتزامات سياسية؟


فرضت هذه الحزمة من الأسئلة نفسها على المسلم الواعي كمسألة سياسية جادة - لا مجرد طرح نظري - منذ وقت ليس ببعيد.  فقبل سقوط الإمبراطورية العثمانية في ١٩١٧، عاش معظم من يدينون بالإسلام في وحدات سياسية كان يستمد فيها الحاكم شرعية الحكم من إعلانه الإيمان بالإسلام ديناً ومن تعميده، طوعاً أو كرهاً أو مزيجاً من الإثنين، أميراً للمؤمنين. و بينما احتوت الأراضي الإسلامية الشاسعة، في أغلب الأوقات، على وحدات سياسية متنافسة، فإن هذه الوحدات دائماً ما اشتركت في التسليم بهذا التعريف للشرعية السياسية، و غالباً ما اعترفت بالولاء الشكلي على الأقل لمن يتم تنصيبه أميراً  للمؤمنين في بغداد أو القاهرة أو إسطنبول أو أي عاصمة إمبراطورية أخرى.  بعبارةٍ أخرى، أن تكون مسلماً و أن تكون مواطناً في «مجتمع إسلامي» كانتا دوماً طرحاً واحداً.  و كان «المجتمع الإسلامي» بالتالي هو أي من تلك الأراضي حيث كان يدعى الحاكم - أو يدعو نفسه - أمير المؤمنين و حيث كانت تحظى ممارسة القانون - أي ممارسات القضاة المسلمون - باسم يحبه جميع المسلمين هو  الشريعة (أي قانون الله).


ثم كان المشروع الاستعماري الأوروبي الحديث في أراضي الإسلام، صراعاً أفرز تحولات كثيرة  أخص بالذكر
 بقدر ما تتمنى معي بجدية أن يسفر المخاض السياسي الحالي في مصر عن نظام ليبرالي علماني، بقدر ما تشعر بعدم إرتياح لفكرة أن تكون مواطنة، أو ربما سياسية مسؤولة، في دولة تنعم فيها أنشطة مثل بيع الخمور أو ممارسة القمار بالحماية القانونية منها هنا نتيجتان كان لهما فيما أرى شأناً كبيراً في تعقيد الصورة السابقة.  أولاً: بعدما إنقشع غبار إنهيار الإمبراطورية العثمانية و زوال الإستعمار الأوروبي، أصبحت أراضي الإسلام و قد رسمت إلى وحدات سياسية جديدة يستمد فيها الحاكم بالأساس شرعية الحكم من عضويته في جماعة ذات تعريف ضيق، هي «الأمة القومية»، لا من إعلانه الإنتماء إلى دين.  ثانياً: صار يسعى كثير من المسلمين للهجرة إلى بلاد المستعمر السابق، طلباً لعلم أو وظيفة أو حياة واعدة.  بعبارةٍ أخرى، أنتجت القومية الحديثة وموجات الهجرة الجماعية (إضافة إلى إعتناق غير العرب للإسلام) واقعاً جديداً  لا يجتمع فيه بالضرورة  أن تكون مسلماً مع أن تكون مواطناً في «مجتمع إسلامي» يمكن تعريفه بالسهولة السابقة.  كان لابد إذاً أن يسطع السؤال المحرج في عقول كثير من المسلمين الجادين: كيف ينبغي للمسلم أن يتعامل مع هذا الواقع السياسي الجديد؟  هل يسعى لتحويل دولته القومية الجديدة إلى «مجتمع إسلامي» بتعريف ما؟  بل هل ينبغي عليه أن يسعى لإعادة تأسيس الخلافة كإمبراطورية إسلامية؟  أم يتخلى ببساطة عن فكرة «المجتمع الإسلامي» كفكرة عارضة و غير ذات أهمية إطلاقاً في هويته كمسلم؟  حتماً يبدو بوضوح أن هذه  ليست اسئلة بسيطة، بل تحمل تبعات سياسية جسيمة، لا يدركها فقط المسلم بل يدركها كذلك - بشئ غير قليل من القلق - جيرانه من غير المسلمين في الأراضي العربية و غيرها.  


إلى أي مدى، إن كان صحيحاً على الإطلاق،  يمكن إعتبار أن جزءاً رئيسياً من معنى أن تكون مسلماً هو أن تكون مواطناً في «مجتمع إسلامي»؟


أعرض هنا أن هذا الزعم ليس صحيحاً على الإطلاق.  إذ أعرض أن مفهوم «المجتمع الإسلامي» هو مفهوم بلا أساس، و إن كان هذا لا ينتقص إطلاقاً من حقيقة أن إيمان المسلم قد يفرض عليه إلتزامات سياسية مهمة.  لن أبدأ عرضي هذا بتفسير بارع جديد للقرأن أو بأن أسوق حديثاً بليغاً للرسول؛ هذه البدايات غالباً ما تنزلق إلى مواجهات عقيمة لأنها غالباً ما تحتاج من أطراف النقاش أن يبدأوا بافتراض ما يبتغي الحديث إثباته.  سأبدأ حديثي إذاً بما أعتقد انه طرح لا خلاف يذكر عليه بين أوساط المسلمين، على الأقل بين أوساط مسلمي السنة : أن الإسلام دين بلا كنيسة.  هذه جملة يجدها بعض المسلمين حجة حاضرة في معرض حديث تفاخر عما يميز الإسلام عن الأديان الرسالية الأخرى.  و لكنها جملة ذات شأن عظيم، تستحق إنتباهاً أكثر جدية بكثير من مفاخرات صبيانية.  سيكون حديثي هنا في الواقع عرضاً لما أراه تخريجات و نتائج بالغة الخطورة تتبع بالضرورة من فكرة أن الإسلام دين بلا كنيسة.

الكنيسـة مؤسسة تحــد بتعريفــــــــات دقيقة جماعة لها عضوية وقيادة وقانون، هي جماعة «المجتمع المسيحي».  أعضاء الكنيسة هم كل من يؤمنون بالعقيدة، و يقود الكنيسة رجل هو رب الكنيسة - استلهاماً من مثال سلطة الأب، رب الأسرة، في المجتمع الأبوي - الذي يستمد شرعيته بخلافة مباشرة لها طقوس صارمة، من الله.  رب الكنيسة هو من يعرف العقيدة (الدوجما): أي ما يجب على المؤمن التسليم به لكي يعد مؤمناً.   رب الكنيسة أيضاً هو من يعرف الشرع (القانون الكنسي): أي ما يبتغى الله تحديداً من المؤمنين، أعضاء الكنيسة، أن يفعلوه أو يتركوه.  وهكذا فمن سلطة رب الكنيسة أن يقرر في أي وقت من ينتمي للكنيسة و من تسقط عضويته. ملاحظة جانبية: هذا التوصيف للمؤسسة الكنسية لا يقتضي الزعم أبداً أن الديانة المسيحية لها كنيسة واحدة أو حتى أن كل المسيحيين يؤمنون بالمؤسسة الكنسية.  مثل الإسلام و معظم الأديان، المسيحية ظاهرة إجتماعية بالغة التنوع.  يظل مع هذا  توصيف المؤسسة الكنسية كما سبق.  ملاحظة جانبية ثانية: لم تعرف أوروبا أبداً ذلك الفصل المزعوم بين  الكنيسة و الدولة (و الذي يستخدم في مقارنات غير ناضجة بين التاريخ السياسي للإسلام و المسيحية) لأن الكنيسة و الدولة لم يكونا أبداً في أوروبا مؤسسة واحدة  - إلا ربما في بعض تصورات خيالية للإمبراطورية الرومانية المقدسة.  ما حدث بالفعل في أوروبا، بعد تمخضات تاريخية طويلة و عنيفة، هو إخضاع القانون الكنسي لقانون الدولة : أي لم يعد لدين المواطن وزن يذكر في ميزان حقوقه و واجباته القانونية في الدولة التي يعيش فيها، و إن ظل يتبع «القانون الكنسي» إن أراد كتوجيهات أخلاقية ما لم تخالف قانون البلد.


إذا كانت الكنيسة كذلك إذاً فدين بلا كنيسة هو، بحكم التعريف، جماعة مؤمنين بلا راع رسمي، بلا «أمير مؤمنين»، بلا رب كنيسة.  و بدون رب كنيسة يكون الدين بلا عقيدة رسمية أو قانون رسمي.  بعبارة أخرى أقول أنه إذا امتلكنا شجاعة أن نأخذ بجدية فكرة أن الإسلام دين بلا كنيسة، سيكون لزاماً علينا أن نتخلص أخيراً من فكرة عنيدة سيطرت علينا قروناً طويلة: فكرة أن الإسلام له عقيدة رسمية يلتزم بها المؤمن أمام آخرين و أن له قانون رسمي هو «شرع الله».  ستبدو هذه العبارة ربما لكثيرين نتيجة بالغة التسرع.  ألا يمكن إعتبار الإسلام «كنيسة بلا أب»، أي 
ما الشريعة إذاً، و هل هي ثابت مؤكد من ثوابت التاريخ الإسلامي؟ دين بلا سلطة كهنوتية و لكن له مع هذا تعريف رسمي لمعنى أن تكون مسلماً و له فصيل واضح من القوانين الإلهية هي الشريعة؟  سيتضح العطب في هذا التصور فور أن نتمعن في أي موقف خلافي من أمور العقيدة أو الشرع.  لنذكر مثالاً الحادث المخزي للراحل الدكتور نصر حامد أبو زيد، أحد علماء مصر النابغين في دراسات اللغة العربية.  اتهمه البعض بما أسموه «الخروج عن صحيح الدين» و اصدرت محكمة مصرية حكماً يقرر كفر الرجل و يأمره بتطليق زوجته المسلمة فيما أصر الرجل طوال الوقت في يأس ذاهل على التأكيد إنه مؤمن.  سبب هزلية هذه الواقعة - دع الآن البعد الأخلاقي المأساوي - هو أننا نقف هنا أمام واقعة تحمل كل معالم «الطرد الكنسي» قام بها مسلمون يفاخرون أنه لا كنيسة و لا كهنوت في الإسلام.  إذا صدقنا بجدية أنه لا كهنوت - لا رب كنيسة - في الإسلام، إذاً فلابد أن نصدق بجدية أنه لا أحد، لا شخصٌ على الإطلاق، بيده أن يقرر ما ينبغي أن يقول أو يعتقد الشخص ليعد من المسلمين.  إسلام بلا كنيسة هو إسلام بلا عقيدة رسمية يقررها فلان.  إذا قلت أنك مسلم، فقد حصل البشر على كل ما يحتاجونه من دليل على إسلامك.


نأتي الآن لفكرة الشريعة كشرع إلهي، و هذه قد يبدو تفنيدها للوهلة الأولى أصعب كثيراً.  فكلنا يعرف ايات من القرآن تشجب بقوة سلوكيات معينة - كالسرقة و إكتساب الربا و ممارسة الزنى - و تصف بقدر متفاوت من التفصيل ما تستحقه هذه السلوكيات من عقاب.  إن اردنا التصديق بفكرة «الشرع الإسلامي الإلهي»، فسنقوم بتأويل هذه الأيات على إنها مراسيم قانونية حرفية، تقصد إلى وضع تعريفات محددة لجرائم وعقوبات يكون لها قوة الإلزام القانوني في أي مجتمع، في أي وقت.  قراءة محتملة بالتأكيد ولكن لنرى إن كانت أفضل قراءة.  


الواقع أن القراءة الحرفية القانونية لأيات الشجب و العقاب في القرآن سريعاً ما تضعنا، فيما سأبين، في مآزق عملية وأخلاقية كثيرة.  لننظر للسرقة على سبيل المثال.  تأتي السرقة، كجرم قانوني، في أشكال كثيرة تتفاوت بشدة في اثرها المجتمعي (من التافه للجلل) و قوة دلائل اثباتها على متهم ما (من قرائن إشتباه إلى أدلة إعتراف).  يمكن لأحدهم أن يسرق من أرمل عجوز أو من تاجر غني أو من خزينة الدولة؛ كما يمكن أن يسرق ليأكل أو يسرق ألا يمكن إعتبار الإسلام «كنيسة بلا أب»، أي دين بلا سلطة كهنوتية ولكن له مع هذا تعريف رسمي لمعنى أن تكون مسلماً و له فصيل واضح من القوانين الإلهية هي الشريعة؟ ليشتري فيلا فاخرة؛ و من الممكن أن يسرق قروش ثم يعترف في ندم أو يسرق ملايين و لا نمتلك من إشارة إلى جرمه سوى أثار تحركات رقمية على الكمبيوتر.  و مع هذا، تتركنا أية السرقة في القرأن بلا تعريف دقيق للجرم بينما تلعن السارق بقطع اليد، و هي عقوبة قاسية و لا مجال لعكسها.  إن كانت هذه الآية قانوناً حقاً، فكيف يمكن لنا أن نقنع أبداً في أية قضية بعينها اننا طبقنا شرع الله؟ ففي دين بلا كنيسة، لا يمكن الإهتداء برب كنيسة يرشدنا في كل مرة، مهما اختلفت عن سابقتها، و بغير شبهة شك، إلى نية الله و من ثم صواب الحكم.  أو أنظر إلى الآية التي تنصح الرجل بألا يضرب امرأته التي خرجت عن طوعه حتى يستنفذ طرقاً أخرى للتراضي.  لو قرأنا هذه الآية على أنها نص قانوني، لكان لنا أن نصدق بأن رجال المسلمين يتمتعون بحق يكفله الله أن يضربوا زوجاتهم إن إقتضى الأمر، و هو جرم أخلاقي دنيء بمعايير اليوم.  أو أنظر إلى أوامر القرآن للمسلمين بحسن معاملة العبيد والجواري.  يقودنا التأويل القانوني هنا إلى التسليم بأن القرآن يتقبل وينظم ممارسات الرق، وهي الممارسات التي ترفضها الإنسانية الآن جملةً و تفصيلاً في تطور أخلاقي عظيم. ثم بغض النظر عن الإشكالات التي تشير إليها هذه الأمثلة، فالواقع اننا لو أجملنا كل ايات الشجب و العقاب في القرآن، لما حصلنا على ما يمكن أن يقترب و لو بقدر بسيط من منظومة قانونية شاملة تنظم الشؤون المتغيرة والمتنامية للمجتمعات البشرية عبر الوقت و المكان.  ففي دين بلا كنيسة، لا يوجد رب كنيسة يمكن الركون إليه للإضافة إلى الشرع الإلهي (الذي يفهم كنص قانوني) و مراجعته كيفما اقتضت الظروف.  


نخلص من كل ما سبق إلى أن التمسك بفكرة الشريعة كشرع إلهي يفضي إلى مشاكل منطقية وأخلاقية شديدة الوعورة.


أما إذا تمسكنا بجدية حتي النهاية بفكرة أن الإسلام دين بلا كنيسة، و بالتالي بلا قائم على المؤمنين أو مفسر رسمي لكتاب الإسلام و بلا عقيدة رسمية أو شرع رسمي إلهي، لأمكن لنا أن نصل إلى قراءة أكثر نصوعاً و ارحب روحاً بكثير من القراءة القانونية الحرفية.  سيتضح لنا حينئذ أنه ينبغي أن نقرأ ايات الشجب و العقاب في القرآن بالشكل الذي يجب أن نقرأ به كل ايات القرآن : قراءة باحثة، في رهافة متنامية، عن مبادئ أخلاقية عميقة لا عن نصوص قانونية في حرفية فجة.  فالحقيقة أن مفردات اللغة والصور البلاغية هي منتجات بشرية لا مناص لها من أن تبقى مرتبطة، حتى و إن استخدمت في كتاب مقدس، إرتباطاً عضوياً بثقافة معينة في زمان و مكان.  كلام الله لا يمكن أن«استفت قلبك و لوأفتوك » هي نصيحة الرسول (صلي الله عليه وسلم) للمسلم يكون مقدساً من حيث كونه كلاماً و مفردات و صور (فهذه مخلوقات لمخلوقات) و انما هو حتماً مقدس من حيث كونه معان يستبينها قارئها بقدر ما تيسر له التدبر.  لابد إذاً للمسلم الذي يؤمن بعالمية دينه و تحرر كتابه المقدس من قيود الوقت و المكان أن يؤمن كذلك أن القرآن انما إستخدم مفردات و صور مجتمع البادية العربي كسلم بسيط نرتقي عليه إلى قيم سامية لا كنص حرفي جامد يكرس لقوانين مبهمة و ناقصة. (يحضرني هنا محاولات البعض، من نفس هؤلاء الذين يبحثون في القرآن عن نصوص قانون، أن يبحثوا كذلك عن مبادئ علوم الطبيعة؛ فكأن هؤلاء الحمقى يريدون أن يستزيدوا من قدسية كتاب مقدس بالفعل، فيقيسوه على ما هو أقل منه قدسية).  إذا تدبرنا القرأن إذاً ككتاب قيم، سيكون من السهل والواضح أن نقرأ، مثلاً، آية السرقة كنهي مشدد للمسلم عن أن يأخذ «ما ليس من حقه»، و هو مصطلح ستعرفه مجتمعات مختلفة بأشكال مختلفة.  و بدلاً من قراءة فجة تفهم أن القرآن يبيح للرجل أن يضرب زوجته، يكون من الأقرب للعقل و القلب أن نفهم أن القرآن يأمر الرجل أن يأخذ بكل أسباب التراضي الممكنة إذا دب الجفاء بينه وبين زوجته قبل اللجوء إلى «أقصى إجراء» تبيحه أخلاق المجتمع، و هو ما قد يفهم اليوم على إنه الطلاق.  


أو كمثال آخر، فبدلاً من تفسير ساذج لأية الربا على أنها نهي من الله للمسلمين عن ضرب متواتر و مهم من المعاملات التجارية هو إقراض المال، يكون الأقرب للإستقامة مع المنطق أن نرى أن الله ينهى المسلمين عن التربح «الفاحش» في أى تجارة (الربا في اللغة هي الزيادة) نافياً عن هذا التربح الفاحش صفة البيع الحلال و تاركاً تعريف الفحش في التربح لما يتعارف عليه المجتمع، كأحكام الإحتكار.  هذه بالطبع مجرد استنتاجات قيمية محتملة من بعض ايات القرأن، و نفس هذه الأيات، ككل ايات القرأن، يمكن لها بكل تأكيد أن تحتمل استنتاجات قيمية مختلفة بإختلاف المسلم القارئ؛ و في هذا بالضبط بيت القصيد.  فلو تخلصنا أخيراً من فكرة أن الإسلام دين له شرع رسمي إلهي، ستنعم عقولنا و قلوبنا لا بدين يرهنه نفر من الأوصياء «المتخصصين» لفك أشفار قانونية مزعومة، وانما بدين يضع بين يدي المسلم مادة خصبة للتدبر الأخلاقي الجاد، ويلزم المسلم بالتالي بأن يبتغي فيما يقول و يفعل أكرم ما يتاح لفكره ومجتمعه وزمانه من قيم. «استفت قلبك ولو أفتوك» هي نصيحة الرسول (صلى الله عليه وسلم) للمسلم.  وفي خطبته الأخيرة لخص الرسول رسالته في بلاغة رائعة: «انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».  ليس في الإسلام كنيسة؛ إذاً لا أمير مؤمنين، لا قوامون على المؤمن في إيمانه، لا عقيدة رسمية، ولا شرع قانون إلهي يقوم عليه كهنوت.


ما الشريعة إذاً، و هل هي ثابت مؤكد من ثوابت التاريخ الإسلامي؟  الشريعة، كواقع تاريخي، هي إسم جامع نطلقه على مجموعة متباينة من الممارسات وأنماط الكلام والاستدلال والحكم التي قام بها القضاة المسلمون على الإمتداد المكاني والتاريخي الواسع للأراضي التي دان حاكموها بالإسلام.  تمثل هذه الممارسات زخماً من التراثات القانونية التي تخبرنا الشيء الكثير عن الثقافات والتقاليد والعادات الفكرية - وكذلك الأهواء والتحاملات وعلاقات المصالح و السلطة - في المجتمعات التي ازدهرت فيها تلك التراثات.  هذه التراثات القانونية، التي تمثل في مجملها تراث الشريعة، هي إذاً بالتأكيد جزء خطير من تاريخ مجتمعاتنا، ولكنها عارية من القداسة.  بل هي كتراث قانوني، في تقديري الشخصي، بعد إنقطاع طويل عن الممارسات الحديثة للمجتمعات المعاصرة، أصبحت تراثاً بالياً عفا الزمن على تعريفاته و أحكام استدلالاته  وقواعده الإجرائية، ولكن هذا التقدير ليس مهماً في السياق.  المهم فعلاً هو ان ندرك بوضوح اننا نقع في فساد منطقي فادح إذا ما انطلقنا من حقيقة أن ممارسة القانون في أراضي الإسلام كان يشار إليها حتى وقت قريب بإسم «الشرع» أو «الشريعة» إلى نتيجة أن هذه الإشارة تقيم دليلاً على إلهية هذا القانون.


  هذا إستدلال فاسد لأنه يعود على نفسه لا على ما يريد إثباته : فهو إستدلال يزعم أن قضاة المسلمين يجب أن يطبقوا «الشرع الإلهي» ثم يعود فيعرف «الشرع الإلهي» على إنه ما يفعله قضاة المسلمين.   نقع كذلك في فساد منطقي فادح إذا اعتقدنا أنه بما إن المسلمين عاشوا عبر تاريخهم في اراض تمارس القانون وفق تراث معين، فإذاً لابد أن يظل المسلم تحت أحكام هذا التراث لكي يكتمل إسلامه.  وهو نفس الفساد المنطقي الذي يقع فيه من يزعم أنه بما إن المسلمين عاشوا عبر تاريخهم تحت دكتاتوريات عسكرية، فإذاً لابد أن يظل المسلم محكوماً كذلك لكي يكتمل إسلامه.  لقد أحدث سقوط الدولة العثمانية تداعيات كثيرة متباينة السلب والإيجاب كيفما اتفقت أهواء الناظرين، و لكنه بكل تأكيد أطلق الخيال السياسي الإسلامي من عقال عادات فكرية أورثتها قرون.  فبسبب أن عشنا قروناً في «مجتمعات إسلامية» لها تعاريف سهلة، لم نر بوضوح أن مفهوم «المجتمع الإسلامي»، في دين بلا كنيسة و لا أمير مؤمنين (رب كنيسة) ولا عقيدة رسمية أو شرع إلهي رسمي، هو مفهوم يمكن أن يعني أي شيء، وبالتالي لا شيء.


بدون كنيسة و كهنوت، فالإسلام دين علماني بامتياز.  هو دين يطلب من مؤمنيه أن يحتكموا في سلوكهم إلى عقولهم و قلوبهم و يذكر المؤمنين بشكل لا لبس فيه أنهم سيحاسبوا فرادى على ما اكتسبت أفعالهم.  ما يستتبع من هذا هو أن 
مسألة النظام السياسي للمسلم (كمسلم، ناهيك عن هوياته لااخرى) هي مسألة القدر الذي يمكن للمسلم أن يعيش به في البلد وفق القيمه الأخلاقية التي إهتدى إليها بتفكيره من إيمانه. وهي كذلك مسألة قدرة المسلم على أن يروج لأفكاره ويعبر عنها بحرية و أمان في المجال العام. مسألة النظام السياسي للمسلم ليست بالمرة مسألة القدر الذي تتفق به قوانين البلد مع «الشرع الإلهي» لأنه لا شيء كهذا في إسلام بلا كنيسة.  مسألة النظام السياسي للمسلم (كمسلم، ناهيك عن هوياته الاخرى) هي مسألة القدر الذي يمكن للمسلم أن يعيش به في البلد وفق قيمه الأخلاقية التي إهتدى إليها بتفكيره من إيمانه.  وهي كذلك مسألة قدرة المسلم على أن يروج لأفكاره ويعبر عنها بحرية و أمان في المجال العام.  هذه إذاً هي إلتزامات المسلم السياسية : أن يعيش بقيمه وأن يتحدث بما يحدثه به عقله و قلبه؛ لا أن يجري في سعار وراء حلم فاسد ليوتوبيا الهية مزعومة.  و حيث أن هذه الإلتزامات (بل هي حقوق) تعود على كل مسلم بنفس القدر، بل على كل شخص بنفس القدر، يتضح إذاً أن النظام السياسي المثالي للمسلم هو نظام يكون الكل فيه سواء أمام القانون و يتمتعون بحد أدنى من حقوق العيش الكريم والتعبير.  بعبارة أخرى، إذا صدقنا بالجوهر العلماني لإسلام بلا كنيسة، يكون واضحاً أن النظام السياسي المثالي للمسلم هو نظام ليبرالي (نظام حقوقي إن اردنا ترجمة الكلمة إلى نظير عربي). النظام الليبرالي لن يضمن للمسلم أن يعيش في مجتمع يتبني فيه الجميع بالضرورة أفكاره وأذواقه، فهذا مستحيل. ما سيضمنه النظام الليبرالي هو الإمكانية الدائمة للحوار.  وبالنسبة لمسلم لا يعتقد في كنيسة أو كهنوت، ضمانة الحوار هي الضمان الوحيد لإيمان متجدد. أرجو أن يريح هذا الخاطر صديقتي.