السبت، ٢١ أكتوبر، ٢٠١٧ 

الحياه

الإنسان والتاريخ

منال فوزى

الذات المصرية الضاربة في عمق التاريخ تركت بصماتها على أبنائها على مدار الأزمان، وجعلتهم نسخة ذات جينات تتسم بالصبر، ولا تقبل الضيم، وتملك أدوات التغيير التي تؤدى إلى إثارة روح الثورة.


عندما ُيستنطق التاريخ نجد أنه قد ظُلم عندما وُسم بأنه يعيد نفسه، وذلك لأن التاريخ ماضٍ لا يمكن استعادته. أما الإنسان فهو الذي يعيد ويُكرر نفسه، وذلك من لَدُن آدم "عليه السلام" وعلى مدى حِقب تاريخية متوالية وإلى أن تقوم الساعة . 


ولعل تداعى الأحداث جعل المقاربة بين أول ثورة مصرية في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد   (على الملك بيبي الثاني، آخر ملوك الأسرة السادسة) وآخر ثورة في القرن الواحد والعشرين الميلادي (على الرئيس المخلوع مبارك،  ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ م) أمر حتمي؛ سواء من حيث الأسباب والأحداث والنتائج، وعليه سيتداخل الطرح وتختلط الكلمات بينهما، لأن الذات المصرية الضاربة في عمق التاريخ تركت بصماتها على أبنائها على مدار الأزمان =، وجعلتهم نسخة ذات جينات تتسم بالصبر، ولا تقبل الضيم، وتملك أدوات التغيير التي تؤدى إلى إثارة روح الثورة.

 

إن كان تاريخ مصر مليئًا بالطفرات التي تفصل بينها إغفاءات، فبعد كل إغفاءة كان الكل يعتقد أن مصر قد انتهت ولن يقوم لها قائمة.لقد طالت فترة حكم الملك "بيبي الثاني" ووصل إلى التسعين من عمره، وكذلك الرئيس المخلوع "حسنى مبارك" الذي اقترب عمره أيضًا من التسعين، حيث نأت بهما شيخوختهما عن فعالية الحكم، فتوحش الأعوان وزاد نفوذهم وتبوأ أصحاب الثروات (حكام الأقاليم/ رجال الأعمال) مراكز صنع القرار، واستفحلت الوراثة في شتى مجالات الدولة في عهدهما، الأمر الذي أدى إلى تقوض البناء الاجتماعي للدولة، وتغيير تركيبته الطبيعية، بالإضافة إلى غياب أسس الكفاءة واستقرار مدعى الولاء ومحبي النفاق واتساع الفجوة بين من يملك ومن لا يملك واستقرار ثروة البلاد نهبًا بين يدي قلة.

 

وكما أسرف بيبي الثاني وحكام الأقاليم في الإنفاق على بناء المقابر وتخصيص الهبات العديدة لها بعثر مبارك ونهب من حوله وذووه، وكرس أبواقًا إعلامية مرئية ومقروءة ومسموعة للإشادة به، وشيد العديد من البناءات والمشروعات وألصق عليها لوحات رخامية تشير إلى عهده، أثبتت الأيام السبب الحقيقي من إقامة معظمها. وهكذا استنزفت دولة بيبي/ مبارك اقتصاديًا حتى كادت أن تعجز عن الإيفاء بمسئوليتها.

 

وهنا وصل المصري عند النقطة الحدية من الإحساس بالظلم والقهر، فأيقن أن التغيير والإزاحة الآن وليس غدًا وأن الحرية (الحق السياسي) والمساواة (الحق الاجتماعي) والعدالة (الحق الاقتصادي) والعزة والكرامة (الحق الإنساني) مطالب طبيعية (كفلتها السماء وعطلها المستبد الغشوم) ولا بد من تحقيقها.

 

وعندما لاحت الشرارة أوضحت نارًا ثورية عاتية في العاصمة منف/ القاهرة، وامتد لهيبها إلى باقي الأقاليم/ المحافظات حتى كادت أن تعم أرجاء مصر انتفض الثوار على بيبي/ مبارك، ولكن نظرًا لافتقاد الثورة القيادة الراشدة فقد قام الغوغاء/ البلطجية (ومن على شاكلتهم ممن افتقدوا الوعي وتبنوا الجهل سبيلاً لهم) باستغلال حالة الفراغ السياسي والأمني فعمت الفوضى والاضطرابات وحطمت ممتلكات الدولة ومظاهر السيادة والسلطة فيها وسرقت محتوياتها، كما سيطرت مشاعر الانتقام وتعطلت كافة أنشطة الحياة وافتقد الناس الأمن والأمان حتى أصبحت مصر على شفى جرف هارٍ.

 

بالعودة إلى الثورة الأولى على "بيبي الثاني" نرى أن الفترة الانتقالية استمرت ما يقرب من قرن من الزمان ولكن معالم طريق النجاح ترسخت ووضحت وعلى الرغم من هذا الجانب السلبي للثورتين الأولى والأخيرة إلا أن رياح التغيير (التي دأب المصريون على إحداثها عند إحساسهم بالظلم وطغيان الحكام وفسادهم) أتت أُكلها وأينعت ثمارها بجوانب إيجابية عديدة، فبعد أن كان الملك/ الرئيس إلهًا ومركزًا للكون الدنيوي، بات هو وأعوانه وذووه (بعد الثورة عليه وتحطم هالة الهيبة والقداسة التي كانت تحيط بمركزه وما استتبع ذلك من إزالة حاجز الخوف والرهبة) مجالاً للنقد والمساءلة من قبَل صاحب السيادة الحقيقي (الشعب) الذي أيقن نتيجة ازدياد وعيه السياسي والإنساني أن من حقه أن يسأل الحاكم وأن يحاسبه عما اقترفت يداه أو أيدي أعوانه وذويه فتوالت سهام النقد عليه وأقضّت مضجعه فأُقصى في الثورة الأولى وأصبح رهين الحبس والتحقيق في الثورة الأخيرة.

 

كما تشابهت الثورتان الأولى والأخيرة في رسم معالم الطريق المفضي إلى سمات جديدة للحاكم كضرورة أن يكون خادمًا مطيعًا للشعب، راعيًا لمصالحه ومصالح الدولة مع أهمية وجود أركان حكومته من الأكفاء العدول وليس من الأذناب أو الأذيال أو الفلول.

 

فبالعودة إلى الثورة الأولى على "بيبي الثاني" نرى أن الفترة الانتقالية استمرت ما يقرب من قرن من الزمان ولكن معالم طريق النجاح ترسخت ووضحت فاقتربت الملكية من الشعب وامتزجت المشاعر بينهما وتفانى ملوك ما بعد الثورة - إلى حين -  في خدمة الشعب الذي بوأهم تلك المكانة وأوكل إليهم مسئولية القيادة وحلت القيم الخلقية العليا محل القيم المادية المحطمة وأصبح الانتساب إلى الشعب شرفاً يدعيه الطامحون إلى تبوء عرش الكنانة.

 

ولعلنا نجد هذا واضحًا في تعالم الملك "خيتي الثالث" لولده (الذي تولى الحكم في الأسرة العاشرة  إبان الفترة الانتقالية) ومفادها "لا تضع ثقتك في عدد السنين لأن الحياة ساعة، وعندما تصل إلى أبواب الموت ستوضع أعمالك بجوارك وكأنها ثروتك الوحيدة فكن عادلاً يظل اسمك خالدًا، ولا تفرق بين ابن النبيل وابن الفقير، وتخير الفرد لكفاءته، واجعل لموظفيك ما يكفيهم لأن العفة والكرامة وطهارة اليد واللسان والقدرة على تنفيذ الأمور لن تكون لرجل جائع يسعى إلى إشباع حاجاته قبل النظر في أحوال الناس".

 

ولعمري فإن الشعب العظيم الذي استطاع تحقيق العدالة والمساواة في حوالي عام ٢٠٠٠ قبل ميلاد المسيح عليه السلام وقبل قرون من مولد موسى عليه السلام هو نفسه الذي يستطيع تحقيقها الآن بإذن الله، لأنه قد بدأ أولى خطواته على الطريق المرسوم والموسوم بالحرية والمساواة والكرامة. وإن كان تاريخ مصر مليئًا بالطفرات التي تفصل بينها إغفاءات، فبعد كل إغفاءة كان الكل يعتقد أن مصر قد انتهت ولن يقوم لها قائمة، لكن سرعان ما يتبدد الظلام وتبدأ صحوة جديدة لتعطى العالم رحيقًا متجددًا.


فما أشبه الليلة بالبارحة.