الإثنين، ٢٣ أكتوبر، ٢٠١٧ 

العالم

تأسيس الديمقراطيات والحفاظ عليها يحتاج إلى شجاعة وصدق وحقيقة

اوتز كلاسن

ويمكن للشجاعة والصدق والحقيقة أن تصبح الآن هي الأساس لديمقراطية مستقرة ومتماسكة كالأهرامات لكنها في نفس الوقت مرنة ولطيفة وتستطيع التأقلم مع التغيير.


منذ بعض الوقت والعالم ينظر إلى مصر وإلى مجهود شعبها العظيم في الصراع من أجل الديمقراطية والوصول إليها وتأسيسها.


إذا نظرنا إلى التعبير السابق – «بعض الوقت» - من منطلق العصر الحالي وما فيه من انتقال يسير وسريع للمعلومات وما فيه من عولمة وحرية تحرك تكاد تكون بلا حدود لوجدنا أنه يعني بعض الأسابيع والأشهر، وإذا نظرنا إليه في سياق التاريخ والتطور وعلم الوجود لوجدناه لا يتعدى مساحة شعرة في رأس الزمان، وأما في سياق التاريخ العظيم والفريد لذلك البلد الشهير الواقع على ضفاف النيل فإن الأسابيع والأشهر الأخيرة ليست إلا فترة زمنية قصيرة جداً بلا شك لكنها تعكس تغيرات لها أهمية فورية ويمكن لآثارها أن تصل إلى أبعد من مصر وشعبها، إنها ستؤثر بكل تأكيد على المنطقة وأغلب الظن أنها ستؤثر على العالم بأكمله.


منذ آلاف السنين وأهل هذا الكوكب معجبون ومعتزون بإنجازات مصر القديمة الرائعة وحضارتها التي ازدهرت قبل أن تسيطر أي من الامبراطوريات الفارسية أو الرومانية على العالم.


والأهرام المصرية تمثل في أذهان مئات أجيال ليس مجرد صورة ومعنى الثقافة والتقدم والحضارة ولكن أيضاً الإستمرارية والاستقرار والتماسك والاستمرار والأمد، والآن وفجأة يجد مركز الإشعاع نفسه في قلب عملية تطور سريعة وثورة ناعمة ومرحلة تحول، إنه التحول إلى الديمقراطية.


لقد أظهر الشعب المصري شجاعة هائلة وإصرار عظيم وصبر مبهر وفي نفس الوقت أظهر زخماً واستعداداًوطغى الاهتمام بإعادة الانتخاب في بعض الأحيان على الاهتمام بالمصلحة العامة، ويبدو أن الكثيرين يفضلون الطريق الأسهل على الطريق الأصعب حتى وإن كان الأخير هو المباشر، والبعض يرى أن التخبط في الصعوبات واغتنام الفرص التي تتيحها الظروف أكثر نفعاً من الالتزام بالمبادئ والقيم والأخلاق للتغيير، وبهذا أثبت المصريون أنه حتى في الواقع السياسي والاجتماعي اليومي لا يوجد تناقد بالضرورة بين الثبات والتغيير وبين الاستقرار والانتقال وبين تراث الماضي وتطلعات المستقبل، ولكن على العكس، لم يكن لعملية التحول الدائرة الآن في مصر أن تبدأ لولا الموقف الثابت للقوى الدافعة للديمقراطية عبر الأسابيع والأشهر الأخيرة، لقد تمكن حدوث التحول إلى الديمقراطية بفضل الشجاعة والثبات، وبهذا يبدأ فصل جديد في تاريخ مصر وهو فصل يستحق أن يفخر به المصريون، وبالمناسبة: كل المصريون. 


لكن الشجاعة ستظل لها ذات الأهمية العظمى، إن الوصول إلى الديمقراطية وتأسيسها وتنفيذها – كما يعلم المصريون الآن وكما شاهد العالم بانبهار – أمر فيه من الصعوبة ما يكفي، ومع ذلك فالخطوات القادمة من تنمية الديمقراطية وصيانتها وإنعاشها باستمرار ستنطوي على صعوبة مماثلة تبدأ فور الانتهاء من تحديد هياكل الديمقراطية وتأسيسها وتنفيذها، واستدامة الديمقراطية تحتاج إلى شجاعة مثلما احتاجتها في البداية، إنها تحتاج إلى شجاعة الصدق وشجاعة الحقيقة.


وفي كثير من الدول الغربية المتقدمة ذات الديمقراطيات القديمة تآكل هذا النوع من الشجاعة تدريجياً و بدون أن يلحظها أحد تقريباً واختفى جزئياً في العقود الأخيرة، وطغى الاهتمام بإعادة الانتخاب في بعض الأحيان على الاهتمام بالمصلحة العامة، ويبدو أن الكثيرين يفضلون الطريق الأسهل على الطريق الأصعب حتى وإن كان الأخير هو المباشر، والبعض يرى أن التخبط في الصعوبات واغتنام الفرص التي تتيحها الظروف أكثر نفعاً من الالتزام بالمبادئ والقيم والأخلاق.


إنه هذا الوجه من أوجه الشجاعة هو الذي أتمنى للشعب المصري أن يحافظ عليه، لقد أدت الشجاعة والصدق والحقيقة إلى الديمقراطية في القاهرة والأسكندرية والأقصر وكل أنحاء مصر، ويمكن للشجاعة والصدق والحقيقة أن تصبح الآن هي الأساس لديمقراطية مستقرة ومتماسكة كالأهرامات لكنها في نفس الوقت مرنة ولطيفة وتستطيع التأقلم مع التغيير.


لكن الشجاعة في إخبار الناخب بالصدق دائماً ليست أمراً مسلّماً به كما نرى كل يوم في مختلف بلاد العالم، والواقع أنه قد يؤدي على المدى القصير إلى خسارة الأصوات وحتى الانتخابات، لكن على المدى البعيد ستضمن مثل هذه الشجاعة أن مفهوم الديمقراطية بعد أربعة آلاف عام من الآن سيظل حياً طبيعياً كما هو وضع الأهرامات اليوم.

اوتز كلاسن من المانيا هو مدير و مبادر اجتماعي و مستشار و عالم و كاتب قام بقيادة تنفيذ العديد من الشراكات الكبيرة و هو استاذ فخري و سفير لايبنتز جامعة هانوفر ، ألمانيا

أقرأ المزيد لـ:  اوتز كلاسن

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم