الإثنين، ١٨ ديسمبر، ٢٠١٧ 

السياسه

عودة تدريجية إلى السياسة الطبيعية في مصر

مارينا أوتاواي

 

لايبدو أن المنظمات العلمانية على استعداد لمواجهة التحدّي المتمثّل في السياسة الطبيعية، ويعود ذلك إلى سببين رئيسَين: الظروف الهيكلية، حيث تسيطر على الأحزاب العلمانية نخبة ذات علاقات ضعيفة مع عامة الناس؛ والخيارات السياسية، حيث لم تبذل هذه الأحزاب جهوداً كبيرة منذ سقوط مبارك لتأسيس تنظيمات سياسية تحتاجها كي تنافس في الانتخابات، بل ركّزت بدلاً من ذلك على التأثير على المحاكم والمجلس العسكري للحدّ من صعود الإسلاميين.


بعد مضيّ ثمانية عشر شهراً على الانتفاضة التي أطاحت الرئيس حسني مبارك، واستهلّت صراعاً طويلاً على السلطة بين النخبة العلمانية السابقة والإسلاميين الصاعدين، لايزال المصريون يكافحون لتقبّل فكرة أن المنافسة السياسية الديمقراطية هي التي يجب أن تحدّد مستقبل مصر، وليس الشارع والمحاكم المُسيَّسة والجيش. فالبديل عن السياسة الطبيعية هو استمرار حالة انعدام الأمن. إن الفوضى التي جرى احتواؤها بصعوبة أبقت البلاد على حافة الهاوية، وحالت دون التقدّم نحو إقرار نظام سياسي جديد، وساهمت في حدوث تدهور اقتصادي مقلق، حيث تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي من ٣٦ مليار دولار في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٠ إلى ١٥ مليار دولار في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٢.

خلال زيارتي الأخيرة إلى البلاد، اتّضح لي أن مصر تقترب أكثر فأكثر من السياسة الطبيعية، وأن العلمانيين سيضطرّون إلى التنافس مباشرة مع الإسلاميين لكسب الدعم الشعبي كي يصلوا إلى السلطة أو يصبحوا معارضة سياسية قادرة على البقاء. غير أن مقاومتهم للسياسة الطبيعية لاتزال شديدة، إذ أنهم يجدون صعوبة في تطوير رسالة تتسّم بالجاذبية الواسعة وفي تنظيمهم أنفسهم، وجمع مختلف أطياف المعارضة العلمانية التي يبدو أنها تتألف إلى حدّ كبير من القادة من دون وجود هيكل يدعمهم.


 

مقاومة العلمانين للسياسة الطبيعية لاتزال شديدة،إذ أنهم يجدون صعوبة في تطوير رسالة تتسّم بالجاذبية الواسعة وفي تنظيمهم أنفسهم، وجمع مختلف أطياف المعارضة العلمانية التي يبدو أنها تتألف إلى حدّ كبير من القادة من دون وجود هيكل يدعمهم.

منذ إطاحة نظام مبارك حاول العلمانيون، وبشكل ناجح إلى حدّ ما في البدء، أن يستفيدوا من دور الجيش والمحاكم، ولاسيّما المحكمة الدستورية العليا، وذلك لاحتواء الأفضلية السياسية التي يتمتّع بها الإسلاميون الأكثر تنظيماً وربما شعبيةً. لقد حقّق الإسلاميون فوزاً حاسماً في الانتخابات البرلمانية، وبشكل منصف، برأي المراقبين. غير أن المحكمة الدستورية العليا قضت، في قرار بدا أنه يضرب بجذوره في السياسة كما في الفقه القانوني، بأن قانون الانتخابات غير دستوري وحلّت البرلمان. احتفظ الجيش بالسلطة بحزم، إلى أن انسحب فجأة، على الأقلّ ظاهرياً، في ١٢ آب/أغسطس. ولجأ العلمانيون أيضاً مراراً إلى الشارع للدفاع عن قضيتهم، لكن الإسلاميين فعلوا الشيء نفسه، ولم يكسب أي من الجانبين أي أفضلية واضحة.


إن اليوم الذي ستضطر فيه الأحزاب العلمانية لمواجهة الإسلاميين في عملية سياسية عادية يقترب بسرعة. فقد انسحب الجيش الآن من المعركة السياسية المفتوحة، مع أنه لايزال غير واضح مامدى السلطة التي لايزال يمارسها خلف الكواليس أو ماهي الظروف التي يعيد فيها التأكيد على وجود دور سياسي علني له. كما أصبحت المحاكم أكثر تردّداً في إصدار القرارات المثيرة للجدل. فقد أجّلت إحدى المحاكم الإدارية مراراً حكماً بشأن شرعيّة الجمعية التأسيسية قبل أن تحيل القرار إلى المحكمة الدستورية العليا في ٢٣ تشرين الأول/أكتوبر، وهو مايضمن أن تكون مسوّدة الدستور جاهزة، وقد يوافَق عليها في استفتاء، قبل أن تصدر المحكمة حكمها. ومع أن العلمانيين والإسلاميين لايزالون يلجأون إلى الشارع للضغط من أجل تحقيق مطالبهم، أصبح تنظيم الاحتجاجات أكثر صعوبة وخطورة، حيث يتكرّر العنف على نحو متزايد بين العلمانيين والإسلاميين، ويخسر الجانبان نتيجة لذلك.


لا الإسلاميون ولا الأحزاب العلمانية يقبلون تماماً أولوية العملية السياسية حتى الآن. لكن ليس من المستغرب أن تكون جماعة الإخوان المسلمين أقرب إلى قبول السياسة الطبيعية من الأحزاب العلمانية. وهذا ليس مردّه الحكمة المتفوّقة أو الالتزام بالديمقراطية من جانب الإخوان، بل لأن العملية السياسية رجّحت كفّتهم حتى الآن. فقد فاز الإسلاميون في انتخابات الرئاسة ومجلس الشعب المنحلّ الآن. أما الأحزاب العلمانية فتسخر من هذه الانتصارات وتتجاهلها باعتبار أنها نتيجة لمكائد من جانب "أقلّية منظّمة" وليست مؤشّراً على دعم شعبي حقيقي. ومامن شكّ في أن مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي لم يحصل سوى على حوالى ٢٥ في المئة من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وبالكاد حصل على أغلبية في الجولة الثانية. غير أن حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان وحزب النور السلفي فازا بنسبة ٧٠ في المئة من المقاعد في الانتخابات البرلمانية، مايؤكّد على أهمية التنظيم، ويكذّب فكرة أن الإسلاميين مجرّد أقلّية.


لاتزال المعركة على السلطة بين العلمانيين (أو الليبراليين كما يفضّلون أن يسمّوا) والإسلاميين مستمرّة منذ عقود في مصر، وكان الإسلاميون هم الطرف الخاسر على الدوام. بيد أن القوى السياسية العلمانية لم تَفُز في الماضي من خلال السياسة الطبيعية، بل كانت تتمتّع بحماية الأنظمة الاستبدادية التي قمعت الإسلاميين لكنها وجدت توافقاً من نوع ما مع القوى العلمانية طالما كانت ملتزمة بقواعد اللعبة، ولم تنتقد النظام أكثر من اللازم، كما فعلت الأحزاب اليسارية في بعض الأحيان. خسر العلمانيون حماية نظام مبارك وهم يخسرون دعم المجلس الأعلى للقوات المسلحة والمحاكم. والسؤال هو ما إذا كان بمقدور العلمانيين الثبات على مواقفهم من الناحية السياسية في غياب هذه الحماية.

لاتزال المعركة على السلطة بين العلمانيين (أو الليبراليين كما يفضّلون أن يسمّوا) والإسلاميين مستمرّة منذ عقود في مصر، وكان الإسلاميون هم الطرف الخاسر على الدوام. بيد أن القوى السياسية العلمانية لم تَفُز في الماضي من خلال السياسة الطبيعية، بل كانت تتمتّع بحماية الأنظمة الاستبدادية التي قمعت الإسلاميين لكنها وجدت توافقاً من نوع ما مع القوى العلمانية طالما كانت ملتزمة بقواعد اللعبة، ولم تنتقد النظام أكثر من اللازم، كما فعلت الأحزاب اليسارية في بعض الأحيان. خسر العلمانيون حماية نظام مبارك وهم يخسرون دعم المجلس الأعلى للقوات المسلحة والمحاكم. والسؤال هو ما إذا كان بمقدور العلمانيين الثبات على مواقفهم من الناحية السياسية في غياب هذه الحماية..
التهرّب من السياسة الطبيعية

بدأت المواجهة بين الإسلاميين والعلمانيين علانية بعد سقوط مبارك في آذار/مارس ٢٠١١، عندما دعا المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى إجراء استفتاء على مجموعة من المواد المعدّلة من دستور العام ١٩٧١. فحثّ الإسلاميون أتباعهم على الموافقة على التعديلات، في حين عارضها العلمانيون لأن الموافقة عليها من شأنها أن تمهّد الطريق أمام إجراء انتخابات مبكّرة تكون الأفضلية فيها للإسلاميين الأفضل تنظيماً.

هذا الخلاف حول الاستفتاء على الدستور ضبط إيقاع المعركة حتى اليوم. فقد فضّل الإسلاميون العملية الديمقراطية وسعى العلمانيون إلى إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية من خلال المحاكم، ووصل بهم الأمر أحياناً إلى توجيه نداءات إلى الجيش لترشيح رئيس انتقالي من صفوفهم وتأجيل الانتخابات.


المجلس العسكري والمحاكم

رحّب المصريون في البداية باستيلاء المجلس العسكري على مهام الإدارة كإجراء مؤقت بين انهيار النظام السابق وبين عودة عملية سياسية اعتيادية يُؤمَل أن تكون أكثر ديمقراطية. ولكن عندما امتدّت العملية الانتقالية لأشهر عدة، وهدّد تدخّل المحاكم بتمديدها إلى أَجَل غير محدّد، برزت الأسئلة حول ما إذا كان الجيش يدرك حقاً أن دوره مؤقّت، أم إذا كانت مصر قد استبدلت ببساطة نظاماً استبدادياً بواجهة مدنية بنظام عسكري استبدادي مثله.

بعد الكثير من التشكيك بشأن العملية الانتقالية، بدا أن مصر تحرز تقدّماً واضحاً في أوائل العام ٢٠١٢. ومع نهاية شباط/فبراير، افتُتِح مجلسا الشعب والشورى، وفي آذار/مارس انتخب المجلسان جمعية تأسيسية من ١٠٠ عضو، وفق مايقتضي الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس العسكري في العام ٢٠١١. لكن الإسلاميين كانوا يسيطرون على البرلمان، ولذا ليس من المستغرب أن تكون غالبية أعضاء الجمعية التأسيسية أيضاً من الإسلاميين. لجأ العلمانيون المذعورون إلى المحاكم، فألغت هذه الأخيرة نتيجة الانتخابات في مجموعة واسعة من القرارات التي شُبِّهَت بالانقلاب القضائي. وقد أدّى ذلك إلى عكس التقدّم نحو السياسة الطبيعية، ماحدا بالمجلس العسكري إلى استعادة السيطرة وجعل العديد من المصريين يخشون من أن الجيش يريد البقاء في السلطة.




في نيسان/أبريل، قضى قرار أولي صادر عن محكمة إدارية من مستوى أدنى بأن الجمعية التأسيسية غير شرعية بسبب تكوينها، بما في ذلك وجود أعضاء في البرلمان فيها. وقد أدّى هذا إلى تأجيل صياغة الدستور. فشُكِّلَت جمعية تأسيسية جديدة في ٨ حزيران/يونيو بعد مفاوضات كثيرة بين القوى السياسية، لكن جرى التشكيك مرة أخرى في شرعيتها لأن البرلمان كان قد انتخب بعض أعضائه لعضوية الجمعية. سياسياً، أُضعِفَت مكانة الجمعية التأسيسية الجديدة أيضاً بقرار من المحكمة العليا الدستورية، التي أعلنت في ١٤ حزيران/يونيو أن قانون الانتخابات البرلمانية غير دستوري، الأمر الذي أدّى إلى حلّ مجلس النواب في ١٦ حزيران/يونيو (يواصل مجلس الشورى عقد اجتماعاته حيث تُحسَم بعد القضايا المعروضة أمام المحاكم والتي تعترض على شرعيته). لم تُحَلّ الجمعية التأسيسية الثانية بسبب حكم المحكمة الدستورية، لكنّ الأمر تُرِك في طيّ النسيان حيث إن عشرات القضايا المعروضة على المحاكم التي تطلب حلّها لاتزال معلّقة أمام المحاكم الإدارية.




في البداية، بدا أن المحاكم حقّقت للعلمانيين والمجلس العسكري انتصاراً كبيراً. وبالفعل، تحرّك المجلس العسكري بسرعة لتأكيد موقفه في مايتعلق بالتساؤلات حول التزامه المعلن بتسليم السلطة التنفيذية إلى الرئيس بمجرّد انتخابه. وبما أن جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية كانت مقرّرة في ١٦ و١٧ حزيران/يونيو، أصدر المجلس العسكري في ١٧ حزيران/يونيو إعلاناً تكميلياً للإعلان الدستوري الذي أصدره في العام ٢٠١١. عزّز هذا الإعلان عملياً سلطة المجلس مقابل الرئيس الذي سيُنتَخَب قريباً، ولاسيّما في مايتعلق بجميع الأمور العسكرية، وأكّد أن المجلس سيواصل ممارسة السلطة التشريعية إلى حين انتخاب برلمان جديد. وبدا أن المجلس العسكري يريد التأكّد من أنه إذا فاز محمد مرسي في جولة الإعادة على أحمد شفيق، وهو شخصية قوية من النظام السابق، فسيجري كبح سلطة الرئيس.



 

الجيش عاد إلى ثكناته، الأمر الذي قرّب الأحزاب العلمانية خطوة أخرى من الحاجة إلى الوقوف في وجه الإسلاميين من تلقاء نفسها وبالوسائل السياسية فقط.

في موازاة انسحاب الجيش من الحياة السياسية، ازداد إحجام المحاكم عن اتّخاذ قرارات ذات مضامين سياسية كبيرة.
ثم حدث ما لم يكن متوقّعاً: فاز مرسي في الانتخابات بفارق بسيط وقَبِل المجلس العسكري انتصاره في أعقاب الكثير من التكهّنات بأنه سيعلن أن شفيق هو الفائز. وفي ٣٠ حزيران/يونيو، نُصِّب مرسي رئيساً، الأمر الذي أثار الذعر لدى كثير من المصريين.

وبعد شهر فقط في ١٢ آب/أغسطس، حصل أمر آخر لم يكن متوقَّعاً وهو الانتهاء من نقل السلطة من المجلس العسكري إلى الرئيس المنتخب. أعلن الرئيس مرسي، بداية، إحالة رئيس المجلس العسكري وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي إلى التقاعد، وحلّ محلّه ضابط آخر محترف هو اللواء عبد الفتاح سعيد السيسي، في مناورة بدا واضحاً أنه جرى الاتفاق بشأنها مع الجيش مسبقاً لأنها لم تُثِر أي شكاوى. وفي اليوم نفسه، ألغى مرسي الإعلان التكميلي للإعلان الدستوري الصادر عن المجلس العسكري في ١٧ حزيران/يونيو، فاستعاد كامل الصلاحيات الرئاسية. كما تولّى السلطة التشريعية إلى حين انتخاب البرلمان الجديد، وكذلك سلطة تعيين جمعية تأسيسية جديدة إذا فشلت الجمعية الحالية في عملها. وقد وافق المجلس العسكري على التعيينات الجديدة وعلى فقدان السيطرة الحصرية على جميع الأمور العسكرية.

منذ ذلك الحين، لم يُبدِ المجلس العسكري والجيش رأياً في القضايا السياسية. ويتمثّل الموقف الرسمي للجيش في أن انسحابه من السياسة كامل ودائم، لأنه تدخّل فقط لإنقاذ البلاد من الفوضى في الفترة الانتقالية. وليس ثمّة شك في أن اهتمام الجيش يتركّز في الوقت الحاضر على المهمة الصعبة المتمثّلة في إعادة إرساء الأمن في شبه جزيرة سيناء. ومن المستحيل القول في هذه المرحلة ما الذي يمكن أن يدفع الجيش إلى استعراض عضلاته السياسية مرة أخرى. لكن الجيش عاد إلى ثكناته، الأمر الذي قرّب الأحزاب العلمانية خطوة أخرى من الحاجة إلى الوقوف في وجه الإسلاميين من تلقاء نفسها وبالوسائل السياسية فقط.




في موازاة انسحاب الجيش من الحياة السياسية، ازداد إحجام المحاكم عن اتّخاذ قرارات ذات مضامين سياسية كبيرة. فقد قضت المحكمة الإدارية في ٢٣ تشرين الأول/أكتوبر، بعد تأجيل اتّخاذ قرار بشأن مصير الجمعية التأسيسية مرات عدة، بأن القضية ليست من اختصاصها، لأن تشكيل الجمعية تقرّر بموجب قانون صوّت عليه البرلمان قبل أن يجري حلّه، ووقّعه الرئيس مرسي فيما بعد. كان هذا يعني أن المحكمة الدستورية العليا وحدها هي التي يمكنها الفصل في دستورية قانون إنشاء الجمعية التأسيسية، مع أن جوانب أخرى من القضية قد تعود إلى المحكمة الإدارية بعد ذلك. وبما أن الحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية العليا يستغرق وقتاً طويلاً، وأن الجمعية التأسيسية أعلنت أنها على وشك الانتهاء من وضع مسوّدة الدستور، ثمّة احتمال واضح في أن يُعرَض الدستور على الاستفتاء قبل صدور قرار بذلك. وهذا سيجعل من الصعب على المحكمة أن تتراجع وتلغي الحكم.

لم تكتمل عملية انسحاب السلطة القضائية من دائرة الخلافات السياسية بعد، مع أنه يبدو أن المحاكم أكثر تردّداً الآن في الفصل في القضايا ذات الآثار السياسية بعيدة المدى مما كانت في أوائل الصيف. ففي اليوم نفسه الذي قرّرت المحكمة الإدارية أنه لايمكنها إصدار حكم بشأن الجمعية التأسيسية، دعا النائب العام إلى إجراء تحقيق في انتخاب الرئيس مرسي للاشتباه في وجود احتيال. ومع ذلك، أصبح المستقبل محدّداً سلفاً حيث إن الجيش والمحاكم لم يعودا راغبين أو قادرين على وقف العودة إلى السياسة الطبيعية إلى أَجَل غير مسمّى.


تحالفات الجميع ضد الجميع

لايبدو أن المنظمات العلمانية على استعداد لمواجهة التحدّي المتمثّل في السياسة الطبيعية، ويعود ذلك إلى سببين رئيسَين: الظروف الهيكلية، حيث تسيطر على الأحزاب العلمانية نخبة ذات علاقات ضعيفة مع عامة الناس؛ والخيارات السياسية، حيث لم تبذل هذه الأحزاب جهوداً كبيرة منذ سقوط مبارك لتأسيس تنظيمات سياسية تحتاجها كي تنافس في الانتخابات، بل ركّزت بدلاً من ذلك على التأثير على المحاكم والمجلس العسكري للحدّ من صعود الإسلاميين. ويصعب التصدّي للأسباب الهيكلية نظراً إلى أنها تضرب بجذورها في طبيعة المجتمع المصري. أما نقاط الضعف السياسية فهي ذاتيّة إلى حدّ كبير، ويمكن تصحيحها بسهولة نسبية، وإن كان من غير المرجّح أن يحدث هذا الأمر.



في الوقت الحاضر فشلت الأحزاب العلمانية في تطوير لغة جديدة للتواصل مع جمهور واسع من الأنصار. فضلاً عن ذلك، يتجاهل بعض القادة العلمانيين، لسبب غير مفهوم، علناً المصريين من أبناء الطبقة الدنيا بوصفهم جهلة على نحو ميؤوس منه، وهو مايعدّ تكتيكاً ضعيفاً بالنسبة إلى أحزاب تحتاج إلى كسب الأصوات.


من الناحية الهيكلية، تعتبر مصر مجتمعاً طبقياً للغاية، فيه طبقة عليا صغيرة متعلّمة وغربية الطباع إلى حدّ ما، وعدد كبير من السكان الفقراء الذين تتفشّى فيهم الأمية. تميل الطبقة العليا إلى العلمانية، مع أنها لاترغب في أن تعرَّف على هذا النحو، في حين أن أغلبية السكان محافظون ومتديّنون. كما أن المسافة الاجتماعية التي تفصل بين النخبة وبين بقيّة السكان كبيرة، ويبدو أن الحراك الاجتماعي يثير الامتعاض. أعضاء النخبة، على سبيل المثال، يزدرون الرئيس مرسي لأنه ينحدر من عائلة غير متعلّمة وزوجته ترتدي ملابس تقليدية بدلاً من التعبير عن التقدير لحقيقة أنه استطاع أن يرتقي من أصول متواضعة للحصول على الدكتوراه من جامعة أميركية، وليمارس بعد ذلك التدريس في الولايات المتحدة، ويصعد في نهاية المطاف إلى رئاسة مصر.




ويستغل أعضاء النخبة باستمرار موضوع جهل الغالبية لتفسير نجاح جماعة الإخوان المسلمين. وبالمثل، ثمّة ميل إلى شطب أعضاء، وحتى قادة، جماعة الإخوان على أنهم جهلة بحكم التعريف. فقد قال لي أحد النقاد إن الإسلاميين ملأوا الجمعية التأسيسية بسائقي التوك توك، في إشارة إلى الدراجات النارية ذات العجلات الثلاث التي تستخدم كسيارات أجرة وتوفر وسيلة نقل رخيصة في الأحياء الفقيرة.




مرّت فترات في تاريخ مصر الحديث تواصلت فيها النخبة العلمانية بنجاح مع كل الطبقات الاجتماعية من خلال اجتذاب المصالح المشتركة. كان قادة حزب الوفد من أعضاء النخبة، إلا أنهم تمكّنوا من التواصل مع شريحة أكبر من السكان عن طريق تعبئة المشاعر الوطنية ضد البريطانيين. وفي الخمسينيات والستينيات، أمكن لخليط جمال عبد الناصر من القومية والاشتراكية أيضاً تعبئة الناس من الطبقات كافة. 


وفي الوقت الحاضر فشلت الأحزاب العلمانية في تطوير لغة جديدة للتواصل مع جمهور واسع من الأنصار. فضلاً عن ذلك، يتجاهل بعض القادة العلمانيين، لسبب غير مفهوم، علناً المصريين من أبناء الطبقة الدنيا بوصفهم جهلة على نحو ميؤوس منه، وهو مايعدّ تكتيكاً ضعيفاً بالنسبة إلى أحزاب تحتاج إلى كسب الأصوات.



اتّجهت بعض التنظيمات أخيراً، إلى الإرث الناصري في محاولة لاكتساب جاذبية أوسع. أن هذا الأمر يمثّل أفضل فرصة للأحزاب العلمانية لكسر احتكار الإسلاميين للأفكار التي كانت تاريخياً في قلب الأحزاب السياسية الجماهيرية في معظم البلدان: إدانة انعدام المساواة الاجتماعية والظلم.


كانت الأحزاب اليسارية، التي تميل فكرياً إلى التواصل مع المصريين من أبناء الطبقة الدنيا، هي الاستثناء لجهة الافتقار لوجود رسالة شعبية في الماضي، لكنها فشلت حتى الآن في اكتساب أتباع حقيقيين. واتّجهت بعض التنظيمات أخيراً، وخاصة منذ الانتخابات الرئاسية، إلى الإرث الناصري في محاولة لاكتساب جاذبية أوسع. وفي حين يبدو من المبكر جداً معرفة مدى النجاح الذي ستحقّقه، فإن هذا يعدّ تطوّراً يستحقّ المراقبة. الواقع أن هذا الأمر يمثّل أفضل فرصة للأحزاب العلمانية لكسر احتكار الإسلاميين للأفكار التي كانت تاريخياً في قلب الأحزاب السياسية الجماهيرية في معظم البلدان: إدانة انعدام المساواة الاجتماعية والظلم.



اتّضحت هذه الصحوة الناصرية الممكنة خلال الانتخابات الرئاسية. فقد برز حمدين صباحي، مؤسّس حزب الكرامة والزعيم السابق لأحد الأحزاب الناصرية، وبشكل غير متوقّع، كأحد أبرز الفائزين بأصوات الناخبين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. وقد جدّد نجاح حمدين بسبب جاذبيته الشخصية وموقفه الإيديولوجي وجذوره العميقة في منطقة الدلتا، على مايبدو، الاهتمام بالأفكار الناصرية وأظهر قدرتها على جذب الناخبين. وفي تطور لافت جرى في الأسابيع الأخيرة، ظهرت صورة ناصر بتواتر متزايد في التظاهرات السياسية التي نظمتها الأحزاب العلمانية.




وسواء تمكّنت بعض التنظيمات العلمانية من استغلال إرث عبد الناصر وتحويله إلى رسالة ذات جاذبية شعبية واسعة اليوم أم لم تتمكّن، يبدو واضحاً أنها لاتحرز تقدّماً كبيراً في عملية التنظيم. وتدرك التنظيمات العلمانية من الناحية النظرية بأن عليها أن تتوحّد وتنظّم صفوفها إذا ما أرادت منافسة الإسلاميين، ولكنها لاتقوم بأي من ذلك حتى الآن. لن يذعن القادة العلمانيون إلى بعضهم بعضاً ولايجلب أي منهم تنظيماً حقيقياً إلى طاولة المفاوضات. في الواقع، قد يتجاهل العديد منهم أهمية التنظيم بعد أن حصلوا على ملايين الأصوات في الانتخابات الرئاسية على أساس أسمائهم وحدها.




بالإضافة إلى مرسي، أبلى أربعة مرشّحين للرئاسة بلاءً حسناً في الجولة الأولى من الانتخابات: أحمد شفيق وحمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح وعمرو موسى. هذا النجاح الذي حقّقوه شجّعهم، ولذلك لايزال لدى جميعهم طموحات سياسية. وباستثناء عبد المنعم أبو الفتوح الذي يعي، بوصفه عضواً سابقاً في جماعة الإخوان، أهمية بناء الهيلكلية، فإن أياً من المرشحين السابقين لايملك قاعدة أنصار شعبية قوية في هذه المرحلة، الأمر الذي يشكّل عائقاً حقيقياً في الانتخابات البرلمانية حيث يمكن للجاذبيّة (الكاريزما) الشخصية لرجل واحد أن توصل حزباً بكامله إلى الانتصار.


سيصبح بالإمكان إجراء الانتخابات البرلمانية مطلع العام المقبل. لكن الأحزاب العلمانية لاتزال بعيدة جداً عن الاستعداد لخوض الانتخابات. من الممكن تماماً أن يفقد الإسلاميون بعض الدعم في الانتخابات المقبلة نتيجة لقلّة خبرتهم وغطرستهم واستعصاء المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في مصر. ومع ذلك، ربما يحول ضعف الأحزاب العلمانية بينها وبين الاستفادة من هذه الفرصة.
ومع ذلك، شكّل كل منهم تنظيمات سياسية خاصة بهم، وقد فعل محمد البرادعي الشيء نفسه، هو الذي لم يترشّح للرئاسة معتقداً أن النظام ليس ديمقراطياً بما فيه الكفاية. من الناحية النظرية، تحاول الأحزاب والشخصيات العلمانية تشكيل تحالفات واسعة. والمشكلة هي أن الأحزاب والشخصيات نفسها منضوية مبدئياً في ائتلافات عدة، مايخلق مشهداً محيّراً حقاً، ولذا من المستحيل عملياً أن نعرف بالتأكيد مَن يتحالف مع مَن وفي أي يوم.

انضم حزب الوفد إلى التحالف الوطني المصري مع عمرو موسى، لكن موسى له أيضاً حزبه الخاص (حزب المؤتمر المصري) الذي تواصل مع العديد من التنظيمات والشخصيات الليبرالية التي يغازلها أيضاً حزب البرادعي، "الدستور". وفي هذه الأثناء، يرغب حزب الوفد في الانضمام إلى الآخرين، لكنه لايريد السماح بإدراج اسمه في أي تنظيم آخر، لأنه يعتبر اسمه التاريخي رصيداً كبيراً له. وليس من الواضح ما إذا كان صباحي يركّز على حزبه "التيار الشعبي المصري" أم أنه يريد تشكيل حزب ناصري جديد يجمع كل التنظيمات الناصرية والعروبية تحت قيادته. ولعلّ الأحزاب اليسارية هي الأكثر تماسكاً لأنها لاتخضع إلى سيطرة شخصيات ذات أسماء كبيرة، وهي إلى ذلك أقل ميلاً للانتقال من تحالف إلى آخر للمقارنة بينها. ومع ذلك، لم يظهر التحالف الديمقراطي الثوري الذي شكّلته الأحزاب اليسارية أي علامات على استمرارية تتجاوز تدشينه والترويج له.

بشكل عام، لاتكاد الأحزاب العلمانية تحرز تقدّماً يذكر في مجال توحيد صفوفها وتنظيم نفسها. وكما أوضح لي أحد زعماء حزب الوفد ممَّن تحرّروا من الوهم، يجب أن تجتاز الأحزاب العلمانية ثلاث خطوات كي تصبح فعّالة: الاتفاق على برنامج ورسالة مشتركة، وتشكيل تحالف انتخابي، وأخيراً الاندماج في حزب واحد. 


غير أن تلك الأحزاب بدأت بالكاد تتعاطى مع الخطوة الأولى. وبدلاً من ذلك، هي لاتزال تمارس لعبة الجميع ضد الجميع في لعبة التحالفات.
لكن الوقت يمرّ في غضون ذلك. وإذا ما استكملت الجمعية التأسيسية أعمالها قريباً، كما هو متوقّع راهناً، فسيصبح بالإمكان إجراء الانتخابات البرلمانية مطلع العام المقبل. لكن الأحزاب العلمانية لاتزال بعيدة جداً عن الاستعداد لخوض الانتخابات. من الممكن تماماً أن يفقد الإسلاميون بعض الدعم في الانتخابات المقبلة نتيجة لقلّة خبرتهم وغطرستهم واستعصاء المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في مصر. ومع ذلك، ربما يحول ضعف الأحزاب العلمانية بينها وبين الاستفادة من هذه الفرصة. وسيكون ذلك أمراً سيئاً ليس بالنسبة إليها فحسب، بل أيضاً بالنسبة إلى مستقبل الديمقراطية المصرية، التي لايمكن أن تزدهر في ظل غياب قوّتين سياسيتين متنافستين على الأقلّ.

 

تعمل مارينا أوتاواي على قضايا التحول السياسي في الشرق الأوسط وأمن الخليج. 

أقرأ المزيد لـ:  مارينا أوتاواي

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم