الخميس، ١٦ أغسطس، ٢٠١٨ 

السياسه

عودة الفراعنة؟

فيتالينو كاناس   و  مايكل ماير -ريسندي

 وبموجب مسوّدة الدستور المصري، يرأس الرئيس المنتخَب مباشرةً من الشعب، السلطة التنفيذية والدولة، ويكون القائد الأعلى للقوّات المسلّحة، ويُعيِّن المسؤولين الكبار. كذلك، يملك صلاحيّة دعوة البرلمان إلى الانعقاد، وفرض الفيتو على التشريعات، واقتراح القوانين، وحلّ مجلس الشعب، وتعيين خُمس أعضاء مجلس الشيوخ، أي الغرفة العليا في البرلمان التي تملك صلاحيات تشريعية مساوية لصلاحيات مجلس الشعب. فضلاً عن ذلك، يتولّى الرئيس تعيين رئيس الوزراء ويترأّس جلسات مجلس الوزراء. ويُعيِّن أيضاً رؤساء المؤسّسات المستقلّة، ويرأس مجلس الدفاع الوطني الذي يراجع الموازنة العسكرية من دون الخضوع إلى إشراف فعلي من البرلمان

 
أصدرت الجمعية التأسيسية في مصر، بعد عملية متعرِّجة ومعقّدة، عن أول مسوّدة كاملة للدستور الجديد 


في ١٤ تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وقد لفتت المواد المتعلّقة بنظام الحكم انتباه المحلّلين الذين أبدوا اهتماماً شديداً بتقييم مستوى السلطة التي سيحتفظ به الرئيس. يبدو للوهلة الأولى أن المسوّدة تنصّ على نظام وصفه أعضاء الجمعية التأسيسية والباحثون القانونيون بأنه نصف رئاسي؛ لكنه توصيف منقوص. فالنظام نصف الرئاسي يمكن أن يُنتِج رئيساً يتمتّع بنفوذ كبير جداً إذا كان دور رئيس الوزراء ضعيفاً أو غير محدَّد كما يجب، وإذا أُعطي الرئيس صلاحيات واسعة. وهذا هو الحال في مسوّدة الدستور المصري.

الثغرة الأكثر وضوحاً في النظام السياسي المنصوص عليه في مسوّدة الدستور المصري الجديد هي الدور الملتبس المنوط برئيس الوزراء. ففي فرنسا، تساهم المادّة التي تفرض تذييل القرارات الموقَّعة من الرئيس بتوقيعِ رئيس الوزراء كي تُعتبَر سارية المفعول، في لجم النفوذ الرئاسي. إلا أنه لاوجود لمثل هذا الشرط في مسوّدة الدستور المصري. تشير المعلومات والتقارير إلى أن دور رئيس الوزراء الخاضع إلى المساءلة أمام الرئيس والبرلمان، هو موضع نقاش حاد في الجمعية التأسيسية
وبموجب المسوّدة، يرأس الرئيس المنتخَب مباشرةً من الشعب، السلطة التنفيذية والدولة، ويكون القائد الأعلى للقوّات المسلّحة، ويُعيِّن المسؤولين الكبار. كذلك، يملك صلاحيّة دعوة البرلمان إلى الانعقاد، وفرض الفيتو على التشريعات، واقتراح القوانين، وحلّ مجلس الشعب، وتعيين خُمس أعضاء مجلس الشيوخ، أي الغرفة العليا في البرلمان التي تملك صلاحيات تشريعية مساوية لصلاحيات مجلس الشعب. فضلاً عن ذلك، يتولّى الرئيس تعيين رئيس الوزراء ويترأّس جلسات مجلس الوزراء. ويُعيِّن أيضاً رؤساء المؤسّسات المستقلّة، ويرأس مجلس الدفاع الوطني الذي يراجع الموازنة العسكرية من دون الخضوع إلى إشراف فعلي من البرلمان.


وتمنح مسوّدة الدستور أيضاً الرئيس صلاحيات واسعة في علاقته مع جميع الأفرقاء الآخرين: لايتمتّع البرلمان باستقلال ذاتي لأن الرئيس هو الذي يدعوه إلى الانعقاد ويقترح مشاريع القوانين. كما أن تعيين الرئيس عدداً معيّناً من أعضاء مجلس الشيوخ يُضعِف قدرة الناخبين على مساءلة البرلمان. وبإمكان الرئيس أيضاً أن يدعو إلى استفتاءات مُلزِمة حول مسائل تتعلّق بـ"المصالح العليا للدولة" من دون أي قيود على سلطته هذه. إضافة إلى ذلك، المسوّدة مبهمة حول ما إذا كان بالإمكان تعديل الدستور من خلال هذه الاستفتاءات، مايمنح الرئيس سلاحاً محتملاً لتغيير قواعد اللعبة.


بناءً عليه، يبدو أن مسوّدة الدستور المصري تستند إلى النموذج الفرنسي حيث يُعَدّ الرئيس واحداً من أكثر الرؤساء تمتّعاً بالصلاحيات في العالم الديمقراطي، لكنها تمنح المزيد من السلطات للرئيس المصري. الثغرة الأكثر وضوحاً في النظام السياسي المنصوص عليه في مسوّدة الدستور المصري الجديد هي الدور الملتبس المنوط برئيس الوزراء. ففي فرنسا، تساهم المادّة التي تفرض تذييل القرارات الموقَّعة من الرئيس بتوقيعِ رئيس الوزراء كي تُعتبَر سارية المفعول، في لجم النفوذ الرئاسي. إلا أنه لاوجود لمثل هذا الشرط في مسوّدة الدستور المصري. تشير المعلومات والتقارير إلى أن دور رئيس الوزراء الخاضع إلى المساءلة أمام الرئيس والبرلمان، هو موضع نقاش حاد في الجمعية التأسيسية.

ومن شأن الدستور المصري أن يؤدّي، عبر الجمع بين سمات النظام الرئاسي وخصائص دور الحكَم نصف الرئاسي، إلى تركّز السلطة القانونية والفعلية في منصب الرئاسة، ولاسيما إذا كان الرئيس ينتمي إلى حزب الأكثرية في البرلمان. 
في السابق، اختار الرؤساء السلطويون في المنطقة انتقائياً عناصر من النظامَين الرئاسي ونصف الرئاسي مكّنتهم من ترسيخ سلطتهم. وكان عدد كبير من هذه العناصر موجوداً في هذا النظام الديمقراطي أو ذاك، لكنها تُولِّد مجتمعةً حكماً شبه ديكتاتوري. ومسوّدة الدستور المصري تتبع هذا المنطق، ويبدو أنها مستلهَمة أيضاً من الدستور المصري للعام ١٩٧١. لكن في هذا الإطار، لابدّ من الإشارة، إنصافاً للجمعية التأسيسية التي عملت تحت تهديد حلّها بقرار من المحكمة، إلى أنها استعجلت إنجاز عملها، ولذلك يتيح استخدام السوابق التاريخية اختصار النقاش والوقت اللازم لإعداد المسوّدة.


ومن شأن الدستور المصري أن يؤدّي، عبر الجمع بين سمات النظام الرئاسي وخصائص دور الحكَم نصف الرئاسي، إلى تركّز السلطة القانونية والفعلية في منصب الرئاسة، ولاسيما إذا كان الرئيس ينتمي إلى حزب الأكثرية في البرلمان. لكن المفارقة، إذا صح التعبير، هي أن هذا النظام يمكن أن يتحوّل من تركّز السلطة إلى جمود سياسي إذا واجه الرئيس أكثرية برلمانية من القوى السياسية المعارِضة له. في هذه الحالة، من شأن التباس النص أن يولّد معارك سياسية وقضائية لاتنتهي حول مسائل مثل دور رئيس الوزراء والحكومة ومحاسبتهما، وطريقة انتخاب البرلمان، والحق في تعيين مواعيد الجلسات البرلمانية، ومراجعة الموازنة العسكرية، والاستفتاءات الرئاسية.

لإرساء توازن قوى مستقرّ، تستلزم من الجمعية التأسيسية إعادة تعريف دور الرئيس كمسؤول فعلي عن السلطة التنفيذية أو حكَم بين المؤسّسات السياسية، وتوضيح دور رئيس الوزراء من أجل فرض المساءلة الانتخابية ومنح البرلمان استقلالاً ذاتياً.
واقع الحال هو أن نظام الحكم الذي يكون عرضةً إلى المراوحة بين تركّز السلطة التنفيذية من جهة، وبين الجمود الحكومي الداخلي من جهة أخرى، يفتقر إلى التوازن الضروري لبناء ديمقراطية مستدامة. إنه خيار سيّئ لأي بلد كان، ولاسيما لمصر التي تشهد تركّزاً للسلطة التنفيذية منذ أيام عبد الناصر، حيث تخوض مؤسّسات الحكم فيها معركة شاملة في مابينها منذ سقوط مبارك. إن إعادة ضبط هذا النظام لإرساء توازن قوى مستقرّ، تستلزم من الجمعية التأسيسية إعادة تعريف دور الرئيس كمسؤول فعلي عن السلطة التنفيذية أو حكَم بين المؤسّسات السياسية، وتوضيح دور رئيس الوزراء من أجل فرض المساءلة الانتخابية ومنح البرلمان استقلالاً ذاتياً. لم يفت الأوان بعد لمعالجة هذه المسائل نظراً إلى أن النص لايزال قابلاً للتغيير والمفاوضات مستمرّة في الجمعية التأسيسية.

 

فيتالينو كاناس محاضر في كلية المحاماة في جامعة لشبونة وخبير في أنظمة الحكم. يستند هذا التحليل إلى مسوّدة الدستور المصري كما نُشِرَت في ١٤ تشرين الأول/أكتوبر، والتغييرات التي أُدخِلت إليها ونُشِرَت في ٢٢ تشرين الأول/أكتوبر.

مايكل ماير-ريسندي هو المدير التنفيذي للمنظمة غير الحكومية Democracy Reporting International التي تتّخذ من برلين مقراً لها. 

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم