الإثنين، ٢٣ أكتوبر، ٢٠١٧ 

الإقتصاد

إلى أين سيذهب الإخوان المسلمون باقتصاد مصر؟

محمد الدهشان

 

وللمرة الأولى في تاريخ مصر  الحديث تخضع مصر لحكم حزب إسلامي. ولذا فإن سياساتها الاقتصادية قد تمثل أعمق التغييرات التي سوف تشهدها البلاد، التي ستكون أعمق من مواقفها الثقافية.

 

 

من الضروري قراءة السياسة الاقتصادية التي ستضعها جماعة الإخوان المسلمين لمعالجة الاقتصاد المتردي من جراء سنوات طوال من سوء الإدارة الحاد من جانب القوى العسكرية الحاكمة ومن جراء حكوماتها الانتقالية المتتالية.فاز الذراع السياسي للجماعة ألا وهو حزب الحرية والعدالة بنسبة ٤٧ بالمائة من المقاعد بالبرلمان المصري في يناير ٢٠١٢،  وتتركز هواجس صعود الجماعة إلى السلطة بالأساس في بعض القضايا الثانوية المتمثلة في بعض القيود على بعض القطاعات وحظر تداول الكحوليات والفصل بين الجنسين على الشواطئ، وهو ما يدع مساحة ضيقة لمناقشة قضايا سياسية جادة.

 

 وفي بعض الأحيان أثيرت مخاوف تتعلق برؤية الجماعة لاتفاق السلام المبرم بين مصر وإسرائيل. وللمرة الأولى في تاريخها الحديث تخضع مصر لحكم حزب إسلامي. ولذا فإن سياساتها الاقتصادية قد تمثل أعمق التغييرات التي سوف تشهدها البلاد، التي ستكون أعمق من مواقفها الثقافية.كانت جماعة الإخوان المسلمين على مدار ٨٥ سنة من وجودها جماعة معارضة محظورة.

 

قد تمثل سياسة الإخوان الاقتصادية تغييرًا طفيفًا مقارنة بالعقدين الماضيين

ولذلك فإنها لم تضع سياسة اقتصادية متزنة.  أما السياسة الاقتصادية لحزب الحرية والعدالة اليوم فهي عبارة عن سلسلة من الأفكار المرتبكة التي تخاطب في الأساس القطاع المحافظ.  ولافتقارها إلى خطة اقتصادية فإن حزب الحرية والعدالة يعمل من خلال مجموعة من القصاصات هنا وهناك. وعند محاولة استنباط نمط من خلال هذه القصاصات نندهش من قيام أيديولوجيتين متنافستين تتصارعان على مجال صناعة السياسات الاقتصادية: الأولى عبارة عن الميل إلى التدخل مما يعكس التركيبة الهرمية التقليدية للجماعة. فعلى سبيل المثال ينتقد عبد الحافظ الصاوي الذي يرأس المجلس الاقتصادي بالحزب "اقتصاد مصر الريعي وغير المنتج"، مع تأكيده على ضرورة تشجيع الإنتاج من خلال انتقاء قطاعات "أولية".

 

 أما المجموعة الثانية فهي مجموعة من قادة الصناعة والتجارة الإسلامية ويأتي على رأسها خيرت الشاطر رجل الأعمال المليونير الذي زُج به بالسجن في ظل نظام مبارك مع مصادرة أملاكه مرتين. ويضع الشاطر حاليًا إستراتيجيات الحزب كما أنه من القيادات العليا بجماعة الإخوان والمسلمين.  ويؤيد الشاطر وغيره من أمثال شريكه حسن مالك أو صفوان ثابت مالك الشركة الشهيرة "جهينة" اقتصاد السوق الحر مع إتاحة مناخ مؤيد لمزاولة الأعمال.  وبالفعل أوكلت إلى الشاطر مهمة ريادة "مشروع النهضة" الهائل وصياغته لحزب الحرية العدالة وهو عبارة عن خطة طويلة الأجل رامية إلى إصلاح الاقتصاد والإدارة العامة والصحة والتعليم. ويشغل المشروع الذي رُصدت له ميزانية سخية قلب إستراتيجية حزب الحرية والعدالة.

 

وبجانب هذه الخطوط العامة المحمودة المعنية باسترداد الثقة في الاقتصاد والكفاية الذاتية في السلع الإستراتيجية يدعو حزب الحرية والعدالة إلى سلة بها توليفة من السياسات التي تشمل سياسة التصنيع لإاستبدال الواردات بالتعاون مع القطاع الخاص والسيطرة على عجز الموازنة والدين العام مع ترشيد الإنفاق العام ورفع الحد الأدنى للأجور وذلك بناء على الطلب الأساسي من جانب المتظاهرين بميدان التحرير وتعزيز المنافسة ووضع تشريعات منع الاحتكار وطرح ضريبة تصاعدية على الدخل ورفع سقف الإعفاءات الضريبية الأخرى. وتبرر الميول المعنية بالتدخل ولتحقيق سوق حر عدم شعور البنوك التجارية وسوق المال بأن أنشطتها التجارية مهددة.  وعلى الرغم من الإعلان عن "الانتقال إلى اقتصاد إسلامي" حيث يستعاض عن الأعمال المصرفية التجارية التقليدية باستخدام تمويل إسلامي بدون فوائد، وهو الرأي المتضمن في برنامج الحزب، فإن الجماعة ورجال أعمالها يعرفون تمامًا أن البنوك الإسلامية لا تمثل إلا أقل من ٤ بالمائة من الصناعة المصرفية المحلية التي تساوي ١٩٣ مليار دولار أمريكي. وهم غير راغبون في إفزاع المودعين ولا المقترضين.

 

 لذا من المتوقع أن تشجع الحكومة المصارف على تقديم منتجات مالية إسلامية إلى عملائها. ولكن أبرز سمات نهج الحزب المعني بالإصلاح من أعلى في بلد يعيش ٢٥٫٢ بالمائة من سكانه تحت خط الفقر هي تصور الحد من الفقر على اعتباره صورة من صور العمل الخيري وليس نتيجة ضرورية للنمو الاقتصادي.  هذا التصور إنما هو من بقايا ماضي الجماعة من العمل الخيري المنظم واسع الانتشار.  فإن مصدر الدعم الذي حصلوا عليه على مستوى القواعد الشعبية لهو هذا التصور التاريخي لأسلوب "تنفيذ" التنمية، الذي يتمثل وفقًا للبرنامج الانتخابي في "التمويل الدائم والمستمر" من خلال العمل الخيري. ومن الأمور الدالة على هذا التوجه إدراج الجزء الخاص بالحد من الفقر في البرنامج الانتخابي تحت قسم "العدالة الاجتماعية" لا "التنمية الاقتصادية".

 

كيف ستمول الحكومة الأعمال الخيرية مع تحقيق التوازن بميزانية الدولة؟  وهنا يتخبط حزب الحرية والعدالة ولا يقدم سوى القليل عن السياسات المالية في برنامجه الانتخابي.  وفيما يبدو يخطط الحزب للتفتيش في جميع جيوب الدولة. ومن بين الجيوب الأعمق التي تحتوي على عدد من المليارات "الصناديق المتخصصة" وهي الصناديق الغامضة التي لا تخضع لإشراف الحكومة ولا تدخل في ميزانية الدولة.

 

أما التوجه الآخر فسيكون نحو تقليص الدعم على الطاقة المستخدمة في الصناعة، وهو التقليص الذي تبلغ قيمته ٣٫٣ مليار دولار أمريكي، وكلتاهما فكرتان من الحكومة الانتقالية السابقة. ويقدر حزب الحرية والعدالة أن "مراجعة جميع اتفاقيات تصدير النفط والغاز" سوف يوفر ١٨ مليار دولار أخرى تصب في خزائن الدولة – وهو من التقديرات التي تمت بشكل عفوي في افتراضه لأنه يفترض أن الشريك التجاري الذي هو ليس أقل من إسرائيل سوف يوافق على تغيير شروط الاتفاق. واقترح بعض قادة الإخوان فكرة استعادة الأراضي التي كانت مملوكة للدولة من أصحابها الذين حصلوا عليها بالفساد، وهو المطلب المشروع ولكنه معقد في الوقت ذاته أخذًا في الاعتبار رد فعل المستثمرين تجاه استعادة الأراضي بشكل محدود من جانب الحكومة الانتقالية سنة ٢٠١١.

 

السياسة الاقتصادية لحزب الحرية والعدالة اليوم هي عبارة عن سلسلة من الأفكار المرتبكة التي تخاطب في الأساس القطاع المحافظ. ولافتقارها إلى خطة اقتصادية فإن حزب الحرية والعدالة يعمل من خلال مجموعة من القصاصات هنا وهناك

ومن بين مصادر الدخل غير المعقولة التي أشار إليها الحزب ضمنًا أداء الزكاة بشكل إجباري وليس طوعي (وهي الأموال التي يتعين على المسلمين دفعها سنويًا لمساعدة الأقل حظًا ومقدارها ٢٫٥ بالمائة من الثروة).  ومن المستبعد أن تقترب جماعة الإخوان المسلمين التي تتعامل مع الجيش بشكل يتسم بالحيطة الملحوظة من الجيب العميق الخاص بميزانية المؤسسة العسكرية على المدى القريب.  فبمساعدة سخاء الولايات المتحدة من خلال المعونة البالغة ١٫٣ مليار دولار سنويًا فإن مصالح المؤسسة العسكرية الاقتصادية المهولة تمتد من إنتاج البوتاجازات والمياه المعدنية وحتى تأجير الشاليهات على السواحل – وهي المعونة التي يستبعد خفضها عمليًا.

 

هذه التفاصيل غير علنية ولكن تقدر مصالح الجيش الاقتصادية بما لا يقل عن ٣٠ بالمائة من إجمالي الناتج القومي. ومن عجائب الأقدار أن القطاع الذي يدر الدخل والذي بدا أنه يواجه التهديد الأكبر من صعود الإخوان المسلمين ألا وهو السياحة قد ينفد دون المساس به. فقد ذكر المسؤولون بالحزب "يجب ألا يشعر أي مواطن يكسب لقمة عيشه من [السياحة] بالخوف أو القلق" وذلك في محاولة لطمأنة هواجس قرابة ١ من بين كل ٩ مصريين الذين يعتمدون في كسب أرزاقهم على هذه الصناعة.

 

 يخشى العديد دفع الأحزاب السياسية في البرلمان نحو حظر استهلاك الكحوليات وارتداء ملابس البحر.  ويعزز المتشددون وأغلبهم من الجناح السلفي من هذه المخاوف من خلال إصدار بيانات تقارن بين التماثيل الفرعونية بالأصنام المعبودة في عصر الجاهلية. يعد حزب الحرية والعدالة بحماية المقاصد السياحية وفتح أسواق جديدة وتحسين البنية التحتية للسياحة.

 

أبرز سمات نهج حزب الحرية و العدالة المعني بالإصلاح من أعلى إلي أسفل هي تصور أن الحد من الفقر صورة من صور العمل الخيري

 وعلى الرغم من أن القيود على بعض الأنشطة مثل استهلاك الكحوليات قد تطبق على المصريين، فليس من المتوقع أن يلحظ السائحون تغييرات هائلة. سوف يعتمد شكل ميزانية الإخوان المسلمين إلى تكتل التحالفات البرلمانية.  وسوف تتغير التوترات القائمة بين الأحزاب الإسلامية والليبرالية بالمصالح المشتركة إذ سيجد الإخوان حلفاء جيدون لهم على مستوى السياسات الاقتصادية داخل الأحزاب الأصغر المؤيدة للسوق. ولكي تكتسي الجماعة بصبغة الاعتدال فسوف تسعى إلى إقامة مسافة بينها وبين المجموعات السلفية المتشددة. ولكن من المتوقع المواظبة على إقامة تحالفات مع المجموعات السلفية وخصوصًا فيما يتعلق بالقضايا التي تعتبر دينية.

 

 وقد أعرب السلفيون عن دعمهم لجباية الزكاة بشكل إجباري على سبيل المثال. وسوف تكون المحصلة النهائية سياسة براجماتية داعمة لاقتصاد السوق متخبطة تتسم بالتعلم خطوة بخطوة، مع احتوائها على مكون قوي معني بالرعاية الاجتماعية.  وسوف يتسم التحرر من القيود بالبطء.

 

 أما العلاقات مع الجهات المانحة الأجنبية فلن تتغير.  وفي نهاية المطاف قد تمثل سياسة الإخوان الاقتصادية تغييرًا طفيفًا مقارنة بالعقدين الماضيين، حيث كانت السياسة الاقتصادية المصرية تحافظ على الدعم الهائل مع ممارسة الإصلاحات الداعمة لمزاولة الأعمال أو على الأقل الوعد بها. يظل المستثمرون في الداخل والخارج يشعرون بالقلق.  لذا فالتحدي الرئيسي الذي تواجهه حكومة يقودها حزب الحرية والعدالة هو طمأنة المستثمرين ومنظمي المشروعات بالتزامها باقتصاد قائم على السوق مع وفائها بالالتزام بالحد من الفقر من خلال الأعمال الخيرية والبرامج الاجتماعية مع القضاء على الفساد الذي أفسد الاقتصاد المصري وجعله كريها في عيون المواطنين المصريين. 

 

أعيد نشر هذا المقال بتصريح من جريدة ييل غلوبال أونلاين 
http://www.yaleglobal.yale.edu

محمد دهشان صحفي و كاتب حائز على جوائز في الكتابة. وهو حاليا مستشار في مجال التنمية الدولية، يعمل مع العديد من المنظمات الدولية والوطنية، ومراكز البحوث و بنوك الأفكار.

أقرأ المزيد لـ:  محمد الدهشان

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

Howdy

Apr 22 2017 6:10:11:377AM

zQEgAiDTtteuFpHGyl
Thank you so much for this areltic, it saved me time!

Howdy

Apr 22 2017 6:11:35:783AM

zQEgAiDTtteuFpHGyl
Thank you so much for this areltic, it saved me time!

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم