الأحد، ٢٢ أكتوبر، ٢٠١٧ 

الإقتصاد

شركات ثورية: إعادة النظر في ريادة الأعمال في الشرق الأوسط

مهرونيزا قيوم

‎العقبة الحقيقية أمام المشاركة الاقتصادية هي وجود مناخ لا يوفر الحماية لرجال الأعمال في هذا القطاع.

 

 

 أطلقت الانتفاضات العربية العنان لروح ريادية جديدة في المنطقة، ولاسيما وسط روّاد الأعمال الشباب الذين يتحلَّون بالشجاعة لتأسيس شركات جديدة صغيرة ومتوسّطة الحجم. ولطالما دعم مجتمع المانحين الدولي هذا النوع من الشركات لأنها تساهم في خلق فرص عمل، وزيادة الدخل المحلي (لاسيما لدى المجموعات ذات الدخل المنخفض)، وتعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي في الأسواق الناشئة. بيد أن نشاطات المانحين كانت تأتي مضللة أحيانا- ولو كانت تنطلق من حسن نية- فيما توفر الأجواء الراهنة فرصة لإعادة تقويم الطرق الفضلى لتشجيع ريادة الأعمال. 

عدد كبير من البرامج متعددة الأطراف والمنظمات الدولية غير الحكومية في المنطقة يركز بصورة غير متكافئة على مشاركة النساء في الشركات الصغيرة والمتوسطة. فعلى سبيل المثال، خصصت لجنة المساعدة على التنمية، التابعة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ما يزيد عن 4,6 مليارات دولار أمريكي للقطاعات الاقتصادية والإنتاجية الخاصة بالنساء بين عام 2007 وعام 2008.

 

أولاً القوانين التي تنظّم الإفلاس تجعل ثمن الفشل باهظا جدا، وتروّج بالتالي ثقافة تقوم على تجنب المجازفة. المشكلة الأخرى تكمن في غياب المعلومات والشفافية في ما يختص بتشريعات الأعمال. العقبة الثالثة أمام ريادة الأعمال هي غياب الشبكات الرسمية.

ومما لا شك فيه أن انخراط النساء في الشركات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة محدود؛ فعدد النساء المالكات والعاملات في هذا القطاع منخفض؛ في تناقض واضح مع مشاركة النساء في القطاع غير النظامي. تشكل الشركات الصغيرة والمتوسطة، في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الجزء الأكبر من الاقتصاد؛ حيث تمثل 12 مليون شركة صغيرة ومتوسطة، أي ما يقارب 95% من القطاع الخاص. وعلى الرغم من ذلك، 300000 فقط من هذه الشركات هي "نظامية" وتعود ملكيتها لنساء. وفي مصر، تستخدم هذه الشركات حوالي 75% من إجمالي اليد العاملة، وتولّد 80 % من إجمالي الناتج المحلي، بيد أن النساء يملكن أقل من 2% منها. وعلى الرغم من هذا التفاوت، لابد من الإشارة إلى أن هذه النزعة لا تقتصر على الشرق الأوسط؛ فعلى الصعيد العالمي، لا تملك النساء أكثر من ثلث الشركات الصغيرة والمتوسطة في اقتصادات الأسواق الناشئة (بين ثمانية وعشرة ملايين شركة).

 

لمعالجة هذا التفاوت، تحاول برامج كثيرة تحسين حظوظ النساء كي تتساوى فرصهن مع الرجال، وذلك عبر منحهن قروضًا صغيرة. وفي حين ينطلق التركيز على عدم المساواة في الإفادة من القروض من نوايا حسنة، إلا أنه يغفل عن الصعوبات الحقيقية للقيام بالأعمال في الشرق الأوسط. فغالبًا ما تشدد الناشطات في مجال حقوق المرأة في المنطقة على هذه النقطة، ويعتبرن أن العائق الأساسي أمام القيام بالأعمال في الشرق الأوسط هو فشل الحكومات في وضع تنظيمات تسهل الولوج إلى الرساميل والمعارف المؤسساتية وتحفّز ريادة الأعمال للجميع بغض النظر عن الجندر أو النوع.

 

تعتبر القيود التشريعية من العوائق الأساسية التي تحول دون تنامي ثقافة ريادة الأعمال في عدد كبير من البلدان العربية. فمعدّل المنطقة في تصنيف "سهولة القيام بالأعمال"، الذي وضعه البنك الدولي عام 2012، هو 93 بين 183 بلدًا؛ تحتل مصر فيها المرتبة 110، والأردن المرتبة 96. صحيح أن مصر احتلت المرتبة 21 في "تأسيس عمل جديد" ويشمل أمورًا مثل التسجيل لدى الحكومة وفي مصلحة الضرائب، إلا أنها احتلت مراتب متدنية جدًا في الاحتياجات الأساسية التي يقتضيها القيام بالأعمال: فقد حلت في المرتبة 101 في تأمين الكهرباء، والمرتبة 147 في تنفيذ العقود، والمرتبة 154 في إدارة تراخيص البناء. أما الأردن فجاء في المرتبة 96 في التصنيف الإجمالي، والمرتبة 95 في "سهولة تأسيس عمل جديد".

 

واقع الحال أن الحكومتين المصرية والأردنية طبقتا إصلاحات إيجابية في الأعوام الأخيرة؛ فقد خفّض الأردن رأس المال الأدنى المطلوب لتأسيس عمل جديد من ألف دينار إلى دينار أردني واحد، فيما ألغته مصر بالكامل عام 2008. وقد أجاز الأردن ملء استمارات الضرائب على المبيعات والمداخيل عبر الإنترنت، بينما خفّضت مصر الرسوم المفروضة على تصاريح وتراخيص البناء. وفي حين أنشأ كل من البلدين مركزا واحدا تُنجَز فيه كل المعاملات المطلوبة لتسجيل الأعمال (مما يخفّض إلى حد كبير الوقت الضروري لذلك)، لا تزال هناك خطوات كثيرة يجب القيام بها.

 

فالقوانين التي تنظّم الإفلاس تجعل ثمن الفشل باهظا جدا، وتروّج بالتالي ثقافة تقوم على تجنب المجازفة، مما يشكّل مانعا أساسيا أمام تأسيس أعمال جديدة. في الواقع، قوانين الإفلاس المطبقة حاليا في مصر غير مواتية إلى حد كبير للشركات الصغيرة والمتوسطة: فإجراءات إشهار الإفلاس، ليست بطيئة ومكلفة للغاية وحسب، بل إن الإفلاس يُعتبَر جرما يؤدي بصاحبه إلى السجن. وفي مثل هذه الأجواء، لا يعتبر توسيع نطاق الأعمال خيارًا عمليًا، ناهيك عن الاستثمار في التكنولوجيا أو الصناعات التي تتطلّب رأس مال مرتفع. فضلاً عن ذلك، لا يستعيد المفلس جميع الحقوق التي سقطت عنه إلا بعد ثلاث سنوات من تاريخ انتهاء التفليسة، ما يحرم روّاد الأعمال من فرصة إجراء إعادة هيكلة أو إطلاق مشاريع جديدة؛ وليس أداء الأردن أفضل بكثير. فمن بين 183 بلدًا، احتل المرتبة 150 في "سهولة الحصول على قروض"، إذ إن روّاد الأعمال يملكون حقوقًا قانونية أضعف لناحية إعادة التسديد للدائنين.

 

فيما يستمر المانحون في مراجعة تطوّر الشركات الصغيرة والمتوسّطة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عليهم أن يذهبوا أبعد من مسألة الإفادة من القروض ويستنبطوا طرقا لإشراك روّاد الأعمال وجعلهم يتواصلون في ما بينهم، مع الدفع في الوقت نفسه باتجاه إقرار تشريعات أفضل وتعزيز الشفافية الحكومية.

المشكلة الأخرى تكمن في غياب المعلومات والشفافية في ما يختص بتشريعات الأعمال. وبحسب إيمان بيبرس (رئيسة مجلس إدارة جمعية نهوض وتنمية المرأة)، "نحو 80% من المصريين غير مطّلعين على إجراءات الإقراض"، فضلاً عن البرامج الحكومية المتعلقة بتأسيس عمل جديد. كما أن عددا كبيرا من المصريين لا يدرك أن الإصلاحات الجديدة، مثل إنشاء الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، تتيح التسجيل والحصول على الترخيص في مكان واحد. لذا من شأن نشر الإجراءات على الإنترنت أن يقطع شوطا كبيرا نحو تعزيز الاطّلاع والشفافية.

 

العقبة الثالثة أمام ريادة الأعمال هي غياب الشبكات الرسمية، فالنجاح في الأعمال يقتضي الولوج إلى معارف مؤسساتية لرفع التحدّيات التي تواجهها المجموعة. وعلى هذا الصعيد، نرى أهم التغييرات إيجابية، حيث أنشأ عدد كبير من المبادرات الخاصة شبكات إلكترونية في مجموعة متنوّعة من الصناعات. فعلى سبيل المثال، تهدف "جمعية رواد الأعمال الشباب" غير الربحية في الأردن إلى أن تكون مركزًا لتعليم روّاد الأعمال وتدريبهم وكذلك تشجيع العمل التعاوني. وقد أسّس أفراد على غرار لارا أيوب (التي أطلقت أول موقع إخباري إلكتروني يومي مستقل في الأردن "الغد")، شبكات لتبادل النصائح وتلقين الأجيال الجديدة مهارات لا يؤمّنها التعليم النظامي. وفي مصر أيضًا، توفر شبكة Egypreneur منظومة دعم للشركات الجديدة وتحدّد مواضيع لتبادل المعارف المؤسساتية حولها.

 

وفيما يستمر المانحون في مراجعة تطوّر الشركات الصغيرة والمتوسّطة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عليهم أن يذهبوا أبعد من مسألة الإفادة من القروض ويستنبطوا طرقا لإشراك روّاد الأعمال وجعلهم يتواصلون في ما بينهم، مع الدفع في الوقت نفسه باتجاه إقرار تشريعات أفضل وتعزيز الشفافية الحكومية. العقبة الحقيقية أمام المشاركة الاقتصادية هي وجود مناخ لا يوفر الحماية لرجال الأعمال في هذا القطاع.

 

 

مهرونيزا قيوم: مستشارة في التنمية الدولية متخصصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. مؤسسة "بيتا بوليسي" للخدمات الاستشارية والتدوين الإلكتروني. يستند هذا المقال إلى مقابلات أجرتها مع رائدات أعمال في مصر والأردن.

أقرأ المزيد لـ:  مهرونيزا قيوم

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

سمر

Jul 12 2012 2:47:11:703AM


مقال رائع من حيث المضمون والأسلوب

ロレックス レディース ホワイト zsdaw1

Oct 12 2016 9:40:15:027PM

ロレックス レディース ホワイト zsdaw1
ルイヴィトン トートバッグ 偽物のカタログです。 ルイヴィトントートバッグコピーは軽量で丈夫~ルイヴトンの数あるバッグの中で圧倒的な支持を誇る物だ! 必要な荷物が余裕を持って収納できます。 A4サイズの書類なども収納できる軽量で肩かけが可能なアイテムです! 収納力抜群なので通勤、通学、ママバッグなど幅広くお使いいただけます。 どうぞごゆっくり選んでください。 [url=http://www.ooobag.com/watch/rolex/index_10.html]ロレックス レディース ホワイト zsdaw1[/url]

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم