الإثنين، ٢٢ يناير، ٢٠١٨ 

الإقتصاد

هل وصلت الثورة لقلب شركتك؟

نجوى عماد

 

 

الشركات والمؤسسات التي تتأخر في فهم ماهية الثورة أو تمتنع عن إحداث التغييرات الداخلية في بنية المؤسسة وثقافتها، فهي شركات محكوم عليها بالفشل إن عاجلاً أو آجلاً.

 

 

تقع على الشركات مسئولية المشاركة المجتمعية كما لها حقوق الانتفاع بهذه المواطنة.

مثل أي شيء آخر، لابد أن تتواءم كل المؤسسات والشركات في المجتمع مع هذه الروح الجديدة حتى تستطيع أن تستمر وتنمو، أمَّا الشركات والمؤسسات التي تتأخر في فهم ماهية الثورة أو تمتنع عن إحداث التغييرات الداخلية في بنية المؤسسة وثقافتها، فهي شركات محكوم عليها بالفشل إن عاجلاً أو آجلاً، مثلها مثل الديناصورات التي انقرضت عندما لم تستطع التكيف مع تغيرات البيئة.

 

ولعل من أهم مبادئ الثورة التي هتف بها الشباب، كانت فكرة العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. ورغم أن هذه الفكرة لها أبعاد كثيرة وعديدة، داخل الشركة وخارجها، إلا أنني أود اليوم أن أتحدث عن المسئولية الاجتماعية للشركات في تحقيق أحد أهم مبادئ الثورة.

 

فأهمية المسئولية الاجتماعية ليس فقط للشركات ولكن أيـضاً للماركات، التي عليها أن تبني روابط الصداقة مع المجتمع من منظور مواطنة الشركات، وكذلك من منظور تسويقي نفعي براجماتي. فمن منظور المواطنة، الشركة والماركات التي تمثلها هي جزء من المجتمع، لا يمكن أن تزدهر إلا مع ازدهار المجتمع، وبالتالي تقع عليها مسئولية المشاركة كما لها حقوق الانتفاع بهذه المواطنة، وهكذا تكون المواطنة: حقوق تقابلها واجبات، ومنافع تقابلها مسئوليات. ماذا يحدث عندما تكتفي الشركة فقط باحترام القانون وتسديد الضرائب وغيرها من الالتزامات الإجبارية؟ تصبح مثلها مثل شخص يعيش في الحي، يحترم القانون، ولكنه لا يشارك أهل الحي مشاعر التضامن أو المجاملة أو العطاء أو التواصل أو المودة. يعيش هذا الشخص وحيداً، وفي يوم من الأيام يقع في مشكلة يحتاج معها مساعدة من جيرانه، أهل الحي، لكن أحداً لا يعرفه، لم يره أحد يشارك في مناسبة سعيدة أو حزينة، لم يتضامن مع الآخرين وقت الشدائد، لم يكتسب أي مشاعر إيجابية، بل على العكس، مع الوقت اكتسب مشاعر توجس وريبة. جيرانه قد يفكرون: «من هذا الشخص الذي يعيش هنا ولا يجامل أحداً؟»

 

لذلك يتعين على كل شركة أن تفكر هل تريد أن تكون جاراً فظاً، أم تود أن تبني علاقات الود والتضامن والمجاملة بينها وبين جيرانها؟

وعلى العكس من هذا الشخص المنطوي، أو غير الاجتماعي، عندما تنخرط الشركات في العمل الاجتماعي التطوعي، وتظهر ماركات تلك الشركة في مجال التنمية الاجتماعية، تبدأ تلك الشركات في اكتساب سمعة طيبة، تعلو على مجرد جودة المنتجات أو تنافسية الأسعار، تكتسب تلك الشركات والعلامات «شخصية»، وتلتصق هذه الشخصية بالمنتجات التي تحملها، وتصبح جزءاً من الذاكرة العاطفية لأفراد المجتمع بما فيه من مستهلكين وعملاء وموردين ومستثمرين وموظفين محتملين ومسئولين حكوميين، وتظهر القيم الحقيقية لهذه «الشخصية» على أرض الواقع، في المحكات والمواقف التي تهم المجتمع، فتتوطد أواصر «الصداقة» بين الشركة والمجتمع ككل.

 

لذلك يتعين على كل شركة أن تفكر هل تريد أن تكون جاراً فظاً، أم تود أن تبني علاقات الود والتضامن والمجاملة بينها وبين جيرانها؟ هل تريد أن تصبح «مواطناً» فعالاً ومحبوباً في الجيرة التي اختارتها، أم تريد ألا يسمع عنها الناس إلا عندما تطلب منهم أن يشتروا منتجاتها، أو عندما يتناولها الإعلام في إطار أحد المشاكل التي قد تقع فيها بحسن نية، فتتشوه صورتها التي استثمرت فيها الملايين أو البلايين في إعلانات تفقد قيمتها بسرعة في ظل عدم وجود «رصيد عاطفي» لتلك الشركات لدى المجتمع والرأي العام، هذا الرصيد بالتأكيد ينمو باطراد مع تنامي المسئولية الاجتماعية لتلك الشركات، ومشاركتها في مشروعات التنمية المتكاملة التي تتجسد من خلالها الشخصية التي تحدثنا عنها منذ قليل. واليوم، وبعد قيام ثورة غيرت وجه مصر، لابد أن تتغير القيم الحاكمة لثقافة الشركات والماركات لتتوافق مع القيم التي ولدت من رحم الثورة، القيم التي تمثل ثقافة «جمهورية ميدان التحرير».

 

في هذا السياق لابد أن نشير إلى أن الشركات ما هي إلا مجموعات من البشر ذوي المشاعر، وفي نفس الوقت، تعمل الشركات في المجتمعات وتتعامل مع مجموعات أخرى من البشر. في الماضي، كان المسوقون يخططون على أساس أن قرارات الشراء في الغالب عقلانية ومنطقية، بمعنى أنها تعتمد على تقييم العوامل الموضوعية والكمية مثل الأداء والمميزات والحجم والسعر، ولكن أثبتت أبحاث التسويق المتقدمة، أن الأحاسيس والمشاعر تتحكم في أكثر من ٥٠٪ من قرار الشراء في معظم أنواع السلع، وأن الفص الأيمن من المخ – النصف العاطفي – هو الذي يتحكم بصورة أكبر في معظم القرارات. بمعنى آخر، من الأرجح أن المستهلك سوف يفضل منتجاً أو علامة تجارية أو «براند» معيناً مدفوعاً بارتباط عاطفي تجاه هذا المنتج أو الماركة أو الشركة التي تمثله.

 

أنه لم يعد من باب الترف أن نسأل مثل هذا السؤال، بل أصبح لزاماً عملياً على أي شركة تبتغي النجاح والاستمرار أن تبحث عن مبادئ الثورة في ثقافتها الداخلية.

واليوم، نقترح أنه لم يعد من باب الترف أن نسأل مثل هذا السؤال، بل أصبح لزاماً عملياً على أي شركة تبتغي النجاح والاستمرار أن تبحث عن مبادئ الثورة في ثقافتها الداخلية، في قلب الشركة وعقلها، في قلوب العاملين وأصحاب القرار، وخاصة مبادئ العدالة الاجتماعية، وتضع هذه المبادئ في موقع متقدم من أولويات الشركة يدفعها لتبني سياسات واضحة وفعالة في مجال المسئولية الاجتماعية. 

 

وعندما نجد الحوار الوطني يتحدث عن عقد اجتماعي جديد، بين المواطن والحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لابد أن نذكر مركز العقد الاجتماعي وهو مشروع مشترك بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار IDSC التابع لمجلس الوزراء، وقد طور مجموعة من الآليات التي تمكِّن شركات القطاع الخاص من المشاركة بصورة تعظم من العائد الاجتماعي على جهود المسئولية الاجتماعية. وعلى سبيل المثال، تتيح خريطة المسئولية الاجتماعية معرفة المشروعات والخدمات التي تحتاجها قرى مصر وتحتاج لاستثمارات في البنية الأساسية وفرص لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة وإيجاد فرص العمل.

 

هذه الآليات تضمن أن تتكامل جهود التنمية وتجتمع لتصنع صورة لمصر الجديدة التي نتمناها ونحلم بها، صورة تظهر ملامحها تدريجياً مع كل جهد وإضافة من أطراف هذا العقد الاجتماعي الجديد الذي ننشده.

 

واليوم أوجه سؤالاً جديداً للشركات: هل وصلت الثورة لقلب شركتك؟ هل تغيرت القيم الأساسية التي تكون شخصية الشركة لتعكس الروح الجديدة لمصر ما بعد الثورة؟ كيف ستنعكس هذه الروح الجديدة على سياسة المسئولية الاجتماعية لشركتك خلال الفترة القادمة؟

 

 

 نجوى عماد مؤسسة Media Waves للاعلام و العلاقات العامة ، وهي خبير اتصالات لديها أكثر من ٢٥ عاما من الخبرة المهنية في مصر ودول الخليج وبريطانيا

أقرأ المزيد لـ:  نجوى عماد

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم