الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

مرة اخري ، إلي الإعلام العزيز

شيرين أحمد

 

 


و هذا يأخذنا لبيت القصيد... و هو رد الفعل الأولى للإعلام بكافة أشكاله (سواء كان عبر الوسائل التقليدية أو شبكات التواصل الاجتماعي) و من ثم باقي الشعب الذي يستقبل طرح الإعلام المضلل لأى حدث بغض النظر عن اهميته او ثقله.

 

عزيزى الإعلام المصري : تانى تانى تانى راجعين أنا و إنت تانى...


خطاب بتاريخ ٥ فبراير٢٠١٢ 

 

 

الأسبوع الماضي انتهت مباراة كرة القدم في بورسعيد نهاية مروعة - حيث توالت أو بالأحرى تداعت الأحداث المؤسفة على الهواء مباشرة امام أعين المشاهدين فى المنازل - و تزايدت الدهشة و الصدمة لحظة تلو الأخرى. أحداث العام الماضى أرهقت " الشخص العادي " و صعبت عليه ان يفرق بين "الحدث الحقيقى" (فى هذه الحالة مذبحة مأساوية) و بين العدد اللا نهائي من الأحداث المفتعلة "حسب الطلب" و التى برعت فى اخراجها كافة الأطياف!

 

و هذا يأخذنا لبيت القصيد... و هو رد الفعل الأولى للإعلام بكافة أشكاله (سواء كان عبر الوسائل التقليدية أو شبكات التواصل الاجتماعي) و من ثم باقي الشعب الذي يستقبل طرح الإعلام المضلل لأى حدث بغض النظر عن اهميته او ثقله. وبالطبع لا يوجد أى حدث يوازى فى ثقله و اهميته وجود مئات من المجرمين بعد أن أطلقوا فى ملعب كرة يذبحون الأبرياء. ان التناول لكارثة بهذا الحجم كان يستوجب عناية فائقة و حرص بالغ – و هذا للأسف الشديد يستحيل على قدرات اعلامنا المحايد الحر.

 

و بدأ كرنفال التوك شو على شاشات التليفزيون، مقدموا البرامج يتناوبون بين وضع أقنعة الموت على وجوه كئيبة، أعداد الضحايا تتضاعف – و الحقائق تزداد غموضا – و مرة أخرى نضل الطريق – و لم تتحقق العدالةوبين الصراخ الهستيري مع "ضيوفهم" في الأستوديو وعبر الهاتف. وتغريدات "التويتر" تُتقاذف، و"الفيسبوك" يكاد ينفجر من كثرة التحليل وتزاحم الآراء. و مباشرة بدأ أصحاب نظرية المؤامرة ينفثون افتراضاتهم، وبلغ تراشق الاتهامات ذروته، وكالعادة مع كل حادث مؤسف منذ ٢٥ يناير ٢٠١١ ، أخذ  " الثوارو مؤيديهم "  مواقعهم الدفاعية و بدأوا بارتباك شديد و بهياج أشد هجوم عنيف على أى صوت - حتى اذا كان هامسا - و أى راى يمكن أن يفسر من قريب أومن بعيد على انه يربط بين الحدث و بين الثورة العصماء... أو يرمى بظلاله على نتائج افعالهم. و يؤكدون بأعلى الأصوات أن علينا جميعًا التضحية بأي شيء وبكل شيء لحماية الثورة، و هذا بالطبع يجلب رد فعل سلبى من الذين سئموا (خلال العام الماضى) من الفوضى العارمة رغم اقتناعهم بحتمية التغيير....ناهيك عن رد فعل البعض الذين يشكون في أنها كانت ثورة في المقام الأول!

 

و على الفور بدأت قذائف الأتهامات, و كانت القذيفة الأولى (وهى الاتهام بالتواطؤ) من نصيب محافظ بورسعيد و مدير الأمن  حيث انه قيل " إنها المرة الأولى في التاريخ التي لم يحضرا مباراة بين الأهلي والمصري" -  وتداولت البرامج الحوارية ذلك الأمر كلقمة سائغة تنهشها الذئاب الجياع – و لم يفكروا لحظة فى التحقيق او التدقيق حيث من الواضح ان امر كهذا كفيل بإثارة كل انواع الفتن.

 

و توالت الأتهامات – و بالطبع كان لقوات الأمن المركزى نصيبها المعتاد منها – حيث انهم لم يتحركوا لحماية اللاعبين والجماهير, او كما قال أحد الضيوف " أنهم لم يدافعوا عن الألتراس الذين هم أبطال وحماة الثورة " ونحن ندرك جميعًا مدى الانضباط وضبط النفس عند الألتراس فضلا عن دماثة خلقهم بشكل عام! 

 

و بطبيعة الحال لم يسلم صاحب اتعس وظيفة فى مصر حاليا – وزير الداخلية – فأخذ هو الأخر نصيبه من الأتهامات حيث انه المسئول عن هذه القوات. و بسرعة البرق وصلنا الى المنطقة الأكثر جدلا و هى ماهية الشرطة فى مصر....هل هى تعمل لحساب النظام القديم...او تتلقى اموالا مشبوهة....او تم اختراقها....هل تستعمل العنف المفرط....أو لا حول لها و لا قوة ؟ و على المشاهد الكريم اختيار ما يناسب ذوقه من هذه الافتراضات أو الافتراءات!

 

ثم – و على الفور – ظهرت الدعوة (أو الدعوات) لإسقاط الحكومة , و هذه الدعوة تبدو بالطبع متناسقة مع الاتجاه الدائم من قبل " الثوار و مؤيديهم "  الذى ينادى باسقاط المجلس العسكرى – و إذا أضفنا الى ذلك العجز الشبه كلى الذى وصلت اليه قوات الشرطة نجد ان ذلك يقودنا الى الحل الأمثل ....و هو ان يتولى الألتراس زمام الأمور فى المرحلة الحالية – و ذلك حتى تتمكن الأحزاب السياسية و " النخبة " من لم الشمل و تجهيز الكوادر اللازمة للمرحلة التالية!

 

و فى مثل هذه الأحوال و بلا تردد تعلوا الدعوة للمظاهرات العارمة فى القاهرة – و من واقع النتائج لمثل هذه المظاهرات خلال العام الماضى دائما ما تأتينا بنتائج رائعة – فضلا عن حالة السرور و البهجة التى تعم البلاد!

 

أعداد الضحايا تتضاعف – و الحقائق تزداد غموضا – و مرة أخرى نضل الطريق – و لم تتحقق العدالة...هل أحد يعرف من هم الأشخاص الموجودون حول وزارة الداخلية ؟ الافتراضات تطرح ثم تنفى – و التصريحات تصدر ثم يصدر بعدها ما ينفيها !! لك الله يا مصر - و شكرًا للثورة، وشكرًا للثوار و" عشاق الميدان"، لا أدري كيف يستقيم الحال بدونكم؟

 

في أثناء مشاهدة البرامج المحرضة علي الفضائيات المختلفة – و هى بلا منازع الهواية المفضلة لأغلبية الشعب المصرى الان – لفت نظرى أو سمعى أو كلاهما النبرة العالية و المتناحرة و التى تنادى بتسمية الضحايا بــ"الشهداء"...بشرى لخزانة الدولة و أبشر يا وزير المالية !  سوف تستقبل طوابير اضافية من المدفوعات المستحقة قريبا !!و نرى أحد المذيعين يقول " أسر الضحايا لا يريدون تعويضا " ثم نسمع أحد نواب البرلمان (الناطق بلسان الشعب) يطالب بزيادة مبلغ التعويض !و عندما أعلنت الجهات المسئولة – بطريقة غير ناجحة – للصحافة انها تنوي صرف التعويضات غضب الشعب و قال " لا نقبل العوض ".إذن عدم التعويض يثير غضب الناس باعتبار أن الحكومة لا تشعر بآلامهم – و يستنكرون فى الوقت ذاته فكرة التعويض.... بغض النظر عن تصرف الحكومة فان الشارع سوف يغضب ولن يرضي! 

 

ثم راودتنى فكرة أخرى – هل يساور " الثوارو مؤيديهم "  (و هم عادة لا يتقبلون  المناقشة الموضوعية ) احتمال ان يكون لله عز و جل قول اخر فيمن يحتسب شهيدا؟ أرجو الا أكون بهذا التساؤل السخيف تطاولت على اى منهم او اكون لا سمح الله دنست نبل افكارهم الثورية. غالبا سوف احسب على "الإخوان" او "السلفيين" بما أن لديهم توكيل حصري فيما يختص بالأمور الدينية فى بر مصر.

 

لقد تعرضت أيضًا لجرعة مُكثَّفة من الابتزاز العاطفي حين تم عرض صورة لوجه طفل دامٍ ومليء بالكدمات.و مما زاد الطين بلة الاعتذار الزائف لمُقدِّم البرنامج الحواري عن المساس بمشاعر الجمهورالمرهفة. هل كان اختيار هذه الصورة من بين غيرها صدفة ؟ خاصة و قد علمنا بعدها ان لا علاقة للصورة بالأحداث فى بورسعيد ! من الواضح ان التنافس من أجل أعلى نسب للمشاهدة أقوى و أهم من تحري الدقة و مراعاة أخلاقيات المهنة!

 

لقد استمعت إلى الأغاني، وشاهدت " فيديو كليبات الثورة " نفسها ألف مرة – ولدينا جميعا مقاطعنا المفضلة – دعنا أي رأي منطقي أو أي سؤال بديهي يُسكَت بأسرع وقت ممكنلا نسى "الكليشيهات" التي تفوقنا على أنفسنا في إبداعها وترديدها بلا ملل- بدايةً من " دولة القانون " وهذا بالطبع فقط عندما يتفق مع أراء الميدان- مروراً بموضوع "الخط الأحمر" الذي نستخدمه كثيراً مثل "دماء المصريين خط أحمر" ومن المؤكد أن الثوار فقط هم الذين يتمتعون بهذا الإمتياز. وأيضاً المقولة "النظام لم يسقط بعد" و"يجب أن نحمي الثورة"- لا أدري كيف يمكن أن يسقط أكثر من ذلك ولا مما نحمي الثورة ولا كيف. ولا ننسى "الشباب الطاهر النبيل"- وهذا طبعاً ينطبق على الكل بما فيهم البلطجية والألتراس وأي شخص صاحب حنجرة جهورية. حتى نصل إلى "إعادة هيكلة الشرطة وتطهيرها" وفي ذالك أتساءل إذا كان الشباب الطاهر النبيل يستطيع أن يقوم بمهمة الشرطة بما لهم من قدرات خارقة في العمل كفريق وقدرتهم على التواصل والإتفاق و حيث أنهم مسلحين بالفايسبوك والتويتر. 

 

الأداء الهزيل للإعلام المتمثل في عرض المعلومات المشوهة المنقوصة بطريقة فجة وغير مهنية يذكرنا بأنه كان عبداً للنظام السابق والأن أصبح عبداً "للثوار ومؤيديهم" هدفه الوحيد هو طمس الحقائق لأسياده الجدد. 

 

وبذلك يكون من الأجدر والأسهل أن يقوم" الثوار ومؤيديهم " بإصدار منشور يومي يوضح لنا من نحب ومن نكره ومن نساند و من نعادي ومن هم الخونة- وبما أن الأمور تتغير سريعاً فهذا المنشور يجب أن يصدر في الصباح الباكر حتى نتلافى أي لبس أو نزاع أو خلافات.   

 

شكرًا لقراءة أفكاري العشوائية المبعثرة، وأرجو مشاهدتي على يوتيوب؛ حيث إني أثق أنه في غضون أيام، بل ربما ساعات، سوف تجدون فيديو (ملفق) لي وأنا اتناول الغداء مع عائلة مبارك في تل أبيب، وأمير قطر على يميني، والعاهل السعودي على يساري، مع حقيبة من المال بجانبي، ملفوفة بالعلم الإيراني، وجواز سفري الأمريكي على الطاولة بجانب طَبَقي. اقرعِ الطبولَ من فضلك.

أقرأ المزيد لـ:  شيرين أحمد

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

تامر سامي

Feb 21 2012 4:27:32:910AM

متفق معكى
متفق مععكى فى كثير من الاراء و ارغب فى معرفة شيء مهم ايضا و هو كيف يمكن ان نسقط النظام اكثر من ما هو ساقط و ما هو المطلوب منا ايضا لحماية الثوار و الثورة و هل هناك شيء مطلوب منا كشعب لحماية الثوار و انا اول المساهمين فى حماية الثوار . شكلى كدا هطلع معاكى فى الفيديو بتاع اليوتيوب .

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم