الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

«الدين بوك» يتقدّم بهدف للا شيء أمام الفيسبوك

جو جونسون

كُتب هذا المقال في مارس ٢٠١١


المجهول الأكبر الآن هو نوع الديمقراطية التي سيقبلها الجيش

 

ثوّار الفيسبوك وتويتر يتلقون الضربات من الإخوان، فقد أشار استفتاء التعديلات الدستورية في ١٩ مارس بعد خمسة أسابيع من سقوط حسني مبارك إلى حقيقة واضحة: أن الانترنت كانت أداة ناجحة في حشد بضع مئات من الآلاف من الشباب في ميدان التحرير لكنها أثبتت أنها غير مؤثرة في الفوز بالانتخابات في المساحات الشاسعة المصرية حيث لا يستطيع ثلاثة أرباع الـ٨٣ مليون مواطن الدخول على الانترنت بالمرة.
 

أمّا الإقبال الهائل الذي حدث في ما قد يوصف بأنه أنزه عملية تصويت شهدتها مصر في تاريخها الحديث والتي شارك فيها قطاع كبير جدا من المواطنين اختار ٧٧% من المواطنين أن ينحاز إلى جانب الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي ظلت «محظورة» حتى وقت قريب، وقالوا «نعم» للترقيع السريع للدستور، وهذه النتيجة معناها إجراء انتخابات مبكرة من المتوقع أن تشهد فوزاً ساحقاً للجماعات السياسية الموجودة مسبقاً على الساحة، وهذه تحديداً هي الإخوان المسلمون وأجزاء الحزب الوطني الديمقراطي المنحل التي أعادت تشكيلها وتنظيمها، والخاسر في هذه الحالة هم نشطاء مواقع التواصل الذين لا يزالون بحاجة إلى تنظيم أنفسهم بحيث يصبحون قوة سياسية متماسكة قادرة على المنافسة الانتخابية.
 

اختار نشطاء فيسبوك، بسوء تقدير منهم، أن يحوّلوا عملية التصويت في الاستفتاء إلى تصويت حول شعبية الإخوان المسلمين فكانت النتيجة أن الاستفتاء أعطى الجماعة شرعية شعبية يصعب على أحد الآن أن ينكرها، فلم يحصد الإخوان فقط نتيجة تعب سنين طويلة ظلوا فيها الجهة المعارضة الوحيدة لنظام مبارك لكنهم أيضاً استطاعوا تنفيذ حملة قوية ومنظمة مؤكدين فيها أن الواجب الديني على كل مسلم هو التصويت بـ«نعم» على التعديلات الدستورية المقترحة.
 

لقد وجدت دعوة الإخوان صدىً قوياً وقبولاً واسعاً بين أبناء المناطق الريفية الفقيرة التي قام فيها الإخوان على مدى عقود بتقديم الخدمات الخيرية والتعليم الديني، وفي المقابل كانت الأحزاب حديثة النشأة الليبرالية العلمانية هي التي تقف في المنافسة في القاهرة بدعم من ثوّار ميدان التحرير، وكانت دعوتهم للشعب أن يرفضوا التعديلات، لكن نداءهم بـ«لا» لم يلقى آذاناً صاغية.
 

المواطن المصري الذي أهلكته البطالة وأسعار الغذاء يريد الاستقرار ولا يريد مشاحنات دستورية طال أمدها ولا غرض منها إلا إعطاء فرصة كافية للأحزاب الناشئة حتى تنظّم نفسها وتستطيع الوقوف أمام الإخوان المسلمين وفلول النظام القديم.
 

تتقدم مصر بسرعة الآن نحو الانتخابات البرلمانية التي لا يزال المقرر ان إجرائها في سبتمبر لتتبعها الرئاسية في أخر نوفمبر( ملاحظة تحريرية: كُتب هذا المقال في مارس ٢٠١١) ، وستشهد الانتخابات مشاركة حزب الحرية والعدالة الذي أسسته جماعة الإخوان المسلمين حديثاً والمتوقع أن يحصل هذا الحزب على نصيب الأسد من مقاعد البرلمان وأن يصبح أقوى كتلة سياسية في البلاد، في حين أن الأحزاب الليبرالية التي تتشكل الآن تشوبها انقسامات مزمنة وقدرتها على التنظيم ضعيفة جداً وهي غائبة عن الريف بشكل مؤسف وكذلك تفتقد القيادات المتميزة.
 

والنتيجة هي أن الديمقراطية الليبرالية لن تحل مكان الاستبداد بالسهولة التي كانت تتمناها واشنطن أو لندن، حيث يتوقع المحللون السياسيون أن الإخوان المسلمين، بشعار «الإسلام هو الحل» وهدف جعل القرآن المبدأ المنظّم لحياة الأسرة المسلمة والفرد والمجتمع والدولة، سيحصلون على ٤٠% من المقاعد ليتأكدوا أن الله والكتاب سيدخلان في قلب الدستور المصري الجديد، ومثل هذا الدور سيجبر الحكومة البريطانية أن تراجع بإمعان قرار رفضها للتعامل مع قيادات الإخوان المسلمين.
 

لقد قامت الجماعة باستخدام العنف في فترات مختلفة من تاريخها وتم حظرها تحت حكم مبارك لمحاولتها إسقاط حكومته شبه العلمانية، لكنها تخلّت عن العنف منذ السبعينيات وسعت إلى المشاركة السياسية، أما نظرة المجتمع الدولي إلى الجماعة فستعتمد على تقييم مدى استغلالها لقوتها البرلمانية في فرض الشريعة الإسلامية وفي إدخال تغييرات أساسية على معاهدة السلام المبنية على اتفاقات كامب ديفيد عام ١٩٧٨ مع إسرائيل.
 

وفي مقر الإخوان المسلمين في مبنى متهالك بوسط القاهرة  كان يحاول عصام العريان المتحدث باسم الجماعة فاشلاً أن يطمئن المراقبين، فيقول: «لن تستعمل مصر الشريعة الإسلامية إلا إذا كانت هذه إرادة الشعب في البرلمان، مصر دولة مدنية الشعب فيها هو مصدر السلطة ولن يرغب الشعب في الشريعة الإسلامية إلا بالتوافق مع الوسائل الديمقراطية، فلنترك المزيد من الأسئلة حول هذا الأمر لوقت لاحق».
 

ويراوغ العريان بنفس الأسلوب عندما تتعلق الأسئلة بموقف الجماعة من معاهدة كامب ديفيد: «موقفنا لم يتغير لكن مجلس الشعب الجديد هو صاحب القرار، إننا نعيش فترة جديدة وكل شيء خاضع لإعادة النظر، مَن الذي صنع إسرائيل ودعم الديكتاتوريات لأجل الاعتناء بإسرائيل؟ إنه الغرب، والآن ذهبت الديكتاتوريات وأصبحنا في لحظة صدق، ماذا ستفعلون مع إسرائيل؟ كيف ستستطيع إسرائيل أن تعيش في منطقة ديمقراطية؟ هذا هو السؤال.» وحتى قبل أن تحصل الجماعة على مقاعد البرلمان قامت الحكومة الانتقالية بالفعل بإتمام اتفاق الصلح بين المتنافسين الفلسطينيين فتح وحماس واتخذت خطوات لاستعادة رحلات الطيران المباشرة بين القاهرة وطهران وفتحت معبر رفح مع غزة بصفة دائمة لأول مرة منذ عام ٢٠٠٧، وكل هذا أطلق زمام التوتر في واشنطن والقدس.
 

مثل هذا الخطاب يخبئ الانقسامات المتزايدة بداخل جماعة الإخوان المسلمين ونشوء مجموعات معتدلة من الإسلاميين مثل حزب الوسط، هذه المجموعات الإصلاحية والعملية تتحدى هيمنة الحرس القديم المحافظ، فعلى سبيل المثال هناك امرأة عمرها ٢٤ عاماً ترتدي الحجاب اسمها سندس عاصم وهي من نماذج هؤلاء الإصلاحيين الساعين إلى إجراء انتخابات داخلية ستأتي بالمزيد من النساء والشباب إلى عضوية الجماعة وإلى هياكلها الإدارية.

 

قالت عاصم: «يجب أن يفهم الناس أننا لسنا متطرفين كما صوّرنا مبارك» وأشارت إلى أن الإخوان لن يقدّموا مرشحاً لانتخابات الرئاسة، ثم أضافت: «الإخوان المسلمون يعلمون أن الناس يحتاجون إلى وقت يتعرّفون فيه علينا كمجموعة سياسية، حتى الآن هناك الكثير من المثقفين الذين يرون أننا جماعة متطرفة تريد فقط أن تحصل على الحكم ثم أن تحوّلنا إلى دولة دينية، وهذا قد يكون صحيحاً بالنسبة للحركات السلفية لكن ليس الإخوان المسلمين، الحقيقةً أن مبارك استخدمنا كفزّاعة».
 

لكن واحداً من نشطاء الانترنت مثل أحمد ماهر الذي يرتدي الجينز والزي الرياضي لأبطال ميدان التحرير غير مقتنع بفكرة أن الإخوان المسلمين سيتحولون إلى جماعة أكثر انفتاحاً وديمقراطيةً وسماحةً، ويقول: «أنا قلق فعلاً من تعطيل الديمقراطية الحقيقية، فالقوى التي تريد تعطيلها – وهي الإخوان المسلمون وفلول الحزب الوطني – أكثر تنظيماً من أنصارها».
 

وهناك أيضاً وائل غنيم، مدير التسويق في جوجل والوجه الأشهر لنشطاء فيسبوك، الذي بدا محبطاً يوم الاستفتاء بعد أن ألقى كلمة في قاعة نصف ممتلئة في حي الزمالك الراقي في القاهرة متحدثاً عن الحاجة إلى إدخال المزيد من الناس إلى الانترنت، لكنه قال أيضاً أن الوقت قد حان للتوقف عن عزل الإخوان المسلمين: «إنهم ليسوا إرهابيين، إنهم جزء منّا ويجب علينا أن نعطيهم الفرصة، لقد وعدوا أنهم لن يسعوا إلى أغلبية في البرلمان وأنا أعتقد أنهم سيتحلّوا بضبط النفس.»
 

الإخوان المسلمون يعلمون أن أية حكومة جديدة ستفقد شعبيتها بسرعة، فقد أظهرت الطائفية الدينية وجهها القبيح في الأسابيع الأخيرة، وهرب السائحون من البلد بأعداد كبيرة تاركين شواطئ شرم الشيخ ونويبع لأجل شواطئ اليونان وأسبانيا وانحدر دخل السياحة ٦٠% خلال شهري فبراير ومارس مقارنةً بالسنة الماضية، وتبددت الاستثمارات في البلاد في ظل سقوط أنصار جمال مبارك ومحاكمة الكثير من المسئولين واحتمالية تطبيق سياسات اقتصادية تهتم بالقاعدة العريضة من الشعب في الأشهر القادمة، وقد استمر إغلاق البورصة المصرية لمدة ثمانية أسابيع أثناء الثورة وعند إعادة فتحها سقطت بنسبة ٨.٩%، وكذلك عاد مليون مواطن إلى مصر عبر الحدود الليبية دافعين بذلك معدل البطالة إلى أعلى مع حرمان الاقتصاد من جزء كبير من التحويلات الخارجية.
 

النتيجة إذاً هي أن النمو يتباطأ إلى درجة التوقف، وموازنة الدولة في حالة سيئة جداً، ورؤوس الأموال تفر خارج البلاد، وميزان المدفوعات دخل في مستوى عجز وصل إلى ٦.١ مليار دولار خلال الربع الأول من ٢٠١١، فليس غريباً إذاً أن ثمة أزمة مالية تلوح في الأفق، وقد خرجت حوالي نصف احتياطات مصر النقدية إلى الخارج في الشهرين الماضيين، وزار صندوق النقد الدولي مصر في أبريل وهم يبحثون الآن بجهد كبير عن طرق لوضع البلد مرة أخرى على طريق يمكن استدامته بدون اللجوء إلى معايير تقشفية يمكن أن يثور بسببها الشعب مما قد يعطّل التحوّل السياسي إلى الديمقراطية.
 

وهنا يلعب الغرب دوراً في الـتأكد من عدم حدوث هذا وليس ذلك فقط من خلال التعجيل برد الأموال المجمدة الخاصة بالنظام القديم، فالغرب إن كان جاداً في دعم التحوّل الديمقراطي وإدخال بعض الموضوعية إلى الخطاب التقدّمي الذي نرجوه لأنفسنا في هذه المرحلة الجديدة من تاريخ المنطقة يصبح عليه أن يساعد مصر اقتصادياً، ومعنى هذا هو النظر في الديون التي أثقلت ظهر مصر بسبب الديكتاتورية السابقة والتعامل معها، وإن لم يكن التعامل بالإعفاء ففي صورة تعهدات سيادية بقروض مصرية حتى تنخفض تكلفة الاقتراض لدى المصريين، وبالطبع تعتبر المعونة التي تم الإعلان عنها في مؤتمر الثمانية لمصر وتونس بقيمة ٤٠ مليار دولار بداية واعدة.

 

ومعنى هذا أيضاً مساعدة مصر في الوصول إلى آلية تسعير أكثر استدامة لصادراتها الصناعية التي تذهب ٣٠% منها إلى دول الاتحاد الأوروبي الـ٢٧، والخطوة الأولى الجيدة في هذا قد تكون إعادة كتابة الكثير من العقود التي أبرمها نظام مبارك مع دول البحر الأبيض المتوسط التي كانت قريبة من الرئيس السابق، فصفقات توريد الغاز وحدها التي أبرمت مع شركات إيطالية وأسبانية وفرنسية قد تصل الخسارة التي تتسبب فيها لمصر إلى سبعة مليار دولار كل العام، وهناك غيرها من الصفقات أيضاً التي حان وقت إعادة التفاوض عليها.
 

المجهول الأكبر الآن هو نوع الديمقراطية التي سيقبلها الجيش، فقد لعب الجيش حتى الآن دوراً إيجابياً في التحول السياسي من حيث أنه لم يقاوم التغيير، لكن طبيعة الجيش ليست ثورية من قريب أو بعيد، بل إن الاستقرار هو الهدف المتحكم في أسلوبه، ويمكن التفكير في أن نظام يسيطر عليه الإخوان المسلمون وفلول الحزب الوطني الديمقراطي الرأسماليين قد يعطي قيادات الجيش نوعاً من الديمقراطية الخفيفة التي يستطيعون السيطرة عليها والتحكم فيها.
 

الجيش بدفعه للانتخابات السريعة بأسلوب يرجّح كفة القوى الأكثر تنظيماً في المجتمع، وهي الإخوان المسلمين والحزب الوطني المنحل، فهو يغذّي نظريات المؤامرة في أنحاء القاهرة، والمثال الممتاز على ذلك هو التشكك الكبير التي قوبلت به أنباء عن أزمة قلبية للرئيس المخلوع، ولم يكن الجيش صديقاً ممكناً لنشطاء الانترنت أبداً الذين يقيمون المظاهرات سريعة التنفيذ عبر فيسبوك، فلعل ما يناسب الجيش أكثر هو نوع من الديمقراطية المحدودة التي تنكمش فيها الرقابة على ميزانية القوات المسلحة وعلى دورها المهم في الاقتصاد المصري، على غرار النموذج التركي الشهير، ومع ذلك فقد حصل الجيش على جرعة مطلوبة من المصداقية لدى الشباب المصري المتشكك بسبب سرعة محاكم مبارك ليس فقط بتهم فساد ولكن أيضاً بتهمة قتل العمد للمتظاهرين وهي تهمة تحتمل حكم الإعدام.
 

لكن شيئاً واحداً يظهر بوضوح: أن طريق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية الليبرالية في مصر محفوف بالمخاطر شأنه شأن أي مكان آخر في المنطقة، ويجب على الغرب أن يقاوم الرغبة في اختيار الفائزين بين القوى السياسية المختلفة بل عليه أن يلعب دوراً قيماً في الحد من الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي يمكن أن تتسبب في تعطيل نشوء نظام حكم أكثر ديمقراطية، وإن كان الغرب جاداً في اتباع نهج تقدّمي في سياساته الخاصة بالشرق الأوسط فيجب أن يبدأ العمل الآن على الاقتصاد المصري قبل فوات الأوان.


ظهرت نسخة سابقة من هذا المقال في مجلة «ذا سبيكتيتور» البريطانية بتاريخ ٢٢ مارس ٢٠١١.
 

جوجونسون هو عضو للبرلمان في المملكة المتحدة قام بالعمل في صحيفة فايننشال تايمز بين ١٩٩٧-٢٠١٠  في ادوار متعددة

أقرأ المزيد لـ:  جو جونسون

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم