الأحد، ٢٣ سبتمبر، ٢٠١٨ 

الحياه

هل ينتصر النقاء الثورى على أخطبوط الفساد؟

نوال السعداوي

أصبحت الصحافة والاعلام المرئى والمسموع من أهم الاسلحة لاجهاض الثورات فى العصر الحديث وما بعد الحديث.

 

تتميز الثورات الشعبية فى التاريخ بالنقاء الأخلاقى والتمسك بالمبادىء الانسانية الرفيعة، الكرامة،الحرية، العدالة، الصدق، ألم تكن هذه المبادىء هى الشعارات التى رفعتها الثورة المصرية ٢٥ يناير ٢٠١١ ؟

 

تنفجر الثورات الشعبية ضد فساد الحكومات وكذب السلطات المطلقة بكافة أشكالها، فالسلطة المطلقة لا تقوم ولا تستمر فى الدولة و العائلة الا على الاستبداد والخديعة والتحكم فى ملايين البشر بالقوة العسكرية و الاقتصادية والسياسية و الثقافية والفكرية والدينية، أصبحت الصحافة والاعلام المرئى والمسموع من أهم الاسلحة لاجهاض الثورات فى العصر الحديث وما بعد الحديث، يقوم الاعلام الحكومى الدولى والعربى والمصرى بحماية الحكومات الفاسدة،  تتعاون القوى الدولية الاستعمارية مع الحكومات المحلية التابعة لها فى التربص بأى انتفاضة شعبية لتحويلها عن أهدافها الثورية العميقة من أجل التغيير الجذرى الشامل لتصبح حركة اصلاحية سطحية، تقوم بعمليات شكلية تجميلية للنظام السابق الفاسد دون اقتلاع لأسس الفساد ذاته.
 

يكفى أن نتابع ما ينشر اليوم فى الصحف الحكومية المصرية (ما يسمونها الصحف القومية الكبرى)لنكتشف كيف تسعى فلول النظام السابق الساقط بقوة الثورة المصرية الى اجهاض أهداف الثورة تحت اسم الثورة العظيمة ذاتها، نقرأ فى الصفحة الأولى مانشتاً كبيراً يؤكد ضرورة محاكمة الرئيس السابق وتجميد أرصدتهوأسرته وأعوانه فى البنوك واعادتها للشعب المصرى، ثم نقلب الصفحة لنقرأ مانشتاً عريضاً يناقض المانشيت السابق، يؤكد أن رجل مبارك العظيم يلقى خطاباً فى ميدان مصطفى محمود، نرى صور بعض الموظفين حاملين لافتات تأييد لمبارك   بطل النصر، وترشيح ساعده الأيمن فى الانتخابات المقبلة، وفى صفحة أخرى نرى وزير الدفاع الأمريكى السابق روبرت جيتس فى زيارته للقاهرة مع المجلس العسكرى الأعلى ورئيسه المشير، ثم نقرأ مقالاً لرئيس التحرير الذى كان أحد أبواق مبارك وأحد فلاسفة الفساد وتبريره،  يكتب مقالاً ضخماً لا نفهم منه شيئاً، يدعى الأستاذية واعطاء دروس للشباب، يمدح ثورتهم العظيمة بنبرة خطابية انشائية تفتقد الصدق ثم يقول:  هل الثورة تعنى الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار وايقاف عجلة الانتاج وقتل السياحة؟  ثم يشكك الشباب فى ثورتهم ويقول: من السهل ان يحشد الشباب مظاهرات مليونية لكن من الصعب عليهم أن يقوموا بعمل ايجابى يساعد الوطن على الخروج من الأزمة الراهنة، كان منذ لحظات يقول عنها الثورة العظيمة، تحولت الثورات الدينية أقل خطراً على الاستعمار (والحكومات المحلية التابعة له) من الثورات المدنية  السياسية والاقتصادية، يفضل الاستعمار الثورة الدينية عن الثورة المدنية الاشتراكية بسرعة فى نظره الى الأزمة الراهنة، يعلن عن خوفه من غياب الأمن، مع أن غياب الأمن لم يحدث من الشباب الثائر بل من بوليس النظام السابق، يحذر من الفتنة الطائفية وحرق الكنائس، يعرف أن الشباب الثائر لم يحرق كنيسة واحدة ولم يتحرش بفتاة واحدة، تم حرق الكنائس والتحرش بالنساء بواسطة بوليس النظام السابق وأعوانهم فى أمريكا واسرائيل، يحذر من تدهور الوضع الاقتصادي، يطلب من الشباب العودة الى بيوتهم، ينصحهم بالعمل على زبادة الانتاج و تنشيط السياحة بدلاً من تنظيم مظاهرات مليونية، تناسى أو نسى الكاتب الكبير أنه لولا هذه المظاهرات المليونية ما سقط رأس النظام وما استمع أحد لمطالب الشباب، وما تم خلع عدد من وزراء النظام والكشف عن سرقاتهم البلونية، ويمضى السيد رئيس التحرير فى مقاله الكبير يضرب الثورة بكلمات مراوغة معسولة، يدس السم فى العسل، يقلده فى ذلك كافة رجال ونساء الصحافة والاعلام السائد.
 

كنا نتوقع سقوط رؤوس الصحافة والاعلام الذين ساندوا الفساد وبرروه أوعلى الأقل تستروا عليه ولم يكشفوه، لكنهم لا زالوا جميعاً فى مواقعهم يخدمون النظام السابق، و يعملون معه فى الخفاء والعلن على حد سواء، أصواتهم عالية مسموعة كما كانوا و أرباحهم مستمرة كما كانت، أصبحوا يلقنون الشباب (الذى صنع الثورة العظيمة) الدروس والنصائح لا يخجلون و لا يتذكرون انهم عجزوا عن الثورة بل خانوها مع ذلك يتشدقون بالوطنية والثورية أكثر من الشباب الثائر، من يحميهم؟  من يبقيهم فى مناصبهم، أهو المجلس العسكرى الأعلى؟  أم الحكومة الجديدة الظاهرة أم الحكومة الخفية الكامنة فى الظل؟. 

 

عرفنا من التاريخ أن كل ثورة لها أعداء، يتربصون بها لاجهاضها و لاستعادة ما فقدوه أو ما يمكن أن يفقدوه لو نجحت الثورة وحققت كل أهدافها ومنها عزلهم عن مواقعهم لهذا يمارسون نفاقهم الذى أصبح بحكم العادة جزءاً من شخصيتهم، وطريقهم الأمثل للتربح من كل من يملك السلطة.  لكنى أثق فى قدرة الشباب والشابات الذين صنعوا الثورة وأسقطوا رأس النظام أن يسقطوا جسده وأذرعته وأصابعه وأذياله، لن تقف فى وجه الثورة أى قوة داخلية أو خارجية، وان حشدت أمريكا و اسرئيل جيوشها وان جاء الوزير الأمريكى روبرت جيتس الى ميدان التحرير، وان خطط لضرب الثورة من تحت الحزام، وان تم حرق كنيسة فى مصر لاحداث فتنة بين المسلمين والأقباط الذين اتحدوا وتآخوا فى ظل الثورة،  وان تم ارسال بالطائرة رجل دين مدرب على فلسفة الاستعمار "فرق تسد"، جاء بالطائرة فجأة بعد نجاح الثورة يخطب فى الملايين، ما هى القوى الخارجية التى أرسلته؟ جاء ليتسلق الثورة، يحاول قيادتها دون أن يكون له أى دور فيها، يحاول اجهاضها لتكون دينية رغم أنها سياسية اقتصادية اجتماعية ترفع شعارات العدالة والحرية والكرامة وتغيير الدستور ليكون مدنياً خالياً من البنود الدينية والأبوية التى تفرق بين المسلمين والأقباط وبين الرجال والنساء.    

 

سألنى صحفى أمريكى: هل يمكن للإخوان المسلمين أن يُجهضوا الثورة ويحولوها الى ثورة دينية كما حدث فى ايران بعد ثورة ٧٩؟  قلت لن تتحول الثورة المصرية الى ثورة دينية، لأن الشباب والشابات  الذين صنعوا الثورة المصرية على وعى كامل بضرورة أن تصبح مصر دولة مدنية تفصل بين الدين والدولة، أن يتساوى فيها الجميع أمام الدستور والقانون، حتى الأجيال الجديدة من الاخوان المسلمين يؤمنون بالدولة المدنية وليس الدينية، تعلم الشباب المصرى من تجربة ايران وكيف أجهضت ثورتها السياسية الاقتصادية الاجتماعية الثقافية لتصبح ثورة دينية دموية مدمرة لايران، أدركوا كيف تعاون الاستعمار الفرنسى مع الأمريكى والبريطانى لارسال الخمينى بالطائرة الى طهران لاجهاض الثورة، هذه القوى الاستعمارية تدرك خطورة الثورة المدنية الساعية للقضاء على النظام الطبقى الأبوى، وعلى الاستعمار الخارجى وأعوانه فى الداخل، يفضل الاستعمار الثورة الدينية عن الثورة المدنية الاشتراكية، بل تخدم الثورات الدينية المصالح الطبقية الأبوية فى الداخل والخارج، يستخدم الاستعمار الخارجى والداخلى الأديان لتبرير الظلم والقهر تحت اسم الله، يخدع الملايين ويتاجر بالله فى حلبة السياسية والنهب والقتل، تلعب الدول الدينية (على رأسها الدولة اليهودية فى اسرائيل) دوراً فى استخدام النصوص فى كتب الله لاحتلال البلاد ونهبها وابادة أهلها، لهذا تصبح الثورات الدينية أقل خطراً على الاستعمار (والحكومات المحلية التابعة له) من الثورات المدنية السياسية والاقتصادية، لكن الثورة المصرية لن تنخدع ولن تتحول الى ثورة اسلامية كما تخطط لها القوى المعادية لها فى الخارج والداخل، كما أن الثورة المصرية لن تستسلم للحكم العسكرى من خلال المجلس الأعلى للجيش الذى يتولى السلطة مؤقتا فى مصر، ولن تستطيع أمريكا أو اسرائيل أو أى قوة استعمارية خارجية أن تجهض الثورة المصرية لصالحها، لقد أعادت الثورة توحيد الشعب المصرى وأذابت فى ميدان التحرير كل الخلافات الدينية والسياسية والجنسية والطبقية الأبوية، لهذا لن تُجهض الثورة وسوف تستمر وتحقق كل أهدافها للتغيير الجذرى وليس الشكلى فقط، المعركة مستمرة والثورة مستمرة، وسوف ينتصر النقاء الثورى على خدع المتآمرين داخليا وخارجيا

نوال السعداوي هي رائدة نسائية مصرية و كاتبة وناشطة، وطبيبة نفسيه. انها واحدة من أكثر الكتاب المصريين  المعاصرين التي تترجم اعمالهم على نطاق واسع، فالكثير من اعمالها متاحة في اكثر من ٣٠ لغة.

أقرأ المزيد لـ:  نوال السعداوي

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

シャネル時計 ベルト交換 費用

Sep 24 2016 3:58:26:287AM

シャネル時計 ベルト交換 費用
ルイヴィトン 財布スーパーコピー ようこそ ルイヴィトン スーパーコピー販売商店へいらっしゃいませ! 真心込めて最高 レベルのスーパーコピールイヴィトン偽物ブランド品をお届けしています。 安全税関対策+ 素早い配送+随時の在庫補給+丁寧な対応+スーパーコピー販売業界最低価格に挑戦 ! 当店は業界最高品質に挑戦!全商品はプロの目にも分からないルイヴィトン 財布スーパーコピーです。 ルイヴィトン財布コピー、ルイヴィトン 財布 ブランド偽物など世界 有名なバックコピー商品が満載! 当店のスーパーコピー商品は他店よりも質が高く、金額も安くなっております。 ご購入する度、ご安心とご満足の届けることを旨にしております よろしくお願いします ありがとうございます (*^__^*) [url=http://www.eevance.com/tokei/tag/index_3.html]シャネル時計 ベルト交換 費用[/url]

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم