الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

سلمية، سلمية

خديجة عمر

"سلمية، سلمية" الشعار العفوي الذي ابتكره الشعب المصري ليضيفه إلى قاموس الثورات العربية بعد العبارة الخالدة "الشعب يريد اسقاط النظام". 


ردد المصريون هذا الهتاف طوال ١٨ يوما في مواجهة نظام بوليسي استعان بكل سبل القمع ضدهم حتي صارالمقلق في المشهد المصري الحالي هو بوادر روح جديدة متمثلة في تقبل العنف كوسيلة مشروعة لاسترداد الحقوق إن لم يكن بالدعوة الصريحة له.  اصرارهم علي سلمية و تحضر الثورة مثار اعجاب قادة و شعوب العالم. واجه المصريون الرصاص الحي بصدورهم العارية حتى سقط ما يزيد على الألف شهيد و أضعافهم من الجرحى و المفقودين. إلا أن هناك من يتسائل إذا كانت حقا ثورة بيضاء مستشهدين بعشرات من أقسام الشرطة و مقار الحزب الوطني التي تم احراقها على مستوى الجمهورية. يطيب للاعلام أن يظهر صور ميدان التحرير و الشباب الملتف بعلم مصر و البنات اللاتي ينظفن الشوارع و يدهن الأرصفة كصورة مشرفة لثورة سلمية، راقية و "جميلة"،إلا أن هذه اللقطة تغفل جانبا مهما و كبيرا للثورة أدعي أنها لم تكن ممكنة بدونه. لا تظهر هذه الصورة عشرات المعارك الصغيرة التي خاضها شباب الأحياء الشعبية ضد الضباط الذين لطالموا نكلوا بهم في أقسام الشرطة. لا تبين سيارات الأمن المركزي المحترقة بعد معارك ضارية بالحجارة و السكاكين و المولوتوف بين الشرطة و "شباب الثورة الجميل". لا يظهر الاعلام هذه الصور محاولة منه للحفاظ على هالة القدسية و السلمية التي نسجها حول الثورة.


ما يغفل عنه الكثير من الاعلاميين أن كل هذه الأحداث لا تنقص من سلمية و رقي الثورة في شئ. نظرة في تاريخ الثورات الشعبية كفيلة بايضاح هذا المعنى. ففي التاريخ القديم لنا في الثورة الفرنسية خير دليل إذ أن عدد من تم اعدامهم باستخدام المقصلة الشهيرة وحدها تجاوز عشرات الالاف ناهيك عن الحروب المتعاقبة التي خاضتها الدولة الفرنسية الوليدة في فترة قصيرة ليصل عدد الضحايا فوق المليون. أما في التاريخ الحديث فلا تزال الثورة البلشفية في روسيا تذكرنا بفداحة الثمن الذي تدفعه بعض الشعوب ثمنا لتغيير نظام الحكم بها ،إذا انزلقت البلاد لحرب أهلية في العام الذي يلي الثورة مخلفة ما لا يقل عن ٥ ملايين قتيل وفقا لأقل التقديرات.


العبرة في هذه الأحداث ليس عدد الضحايا فالنفس البشرية الواحدة أغلى من كل كنوز أرض و لكن النقطة هي أنه في أغلب الأحيان التي قام فيها الشعب بثورات عارمة لتغيير نظام الحكم (و ليس مجرد رئيس أو زعيم بآخر) فإن الخسائر البشرية كانت فادحة. و من هنا جاءت استثنائية و روعة النموذج المصري الذي استطاع أن يسقط رئيس و في طريقه لاسقاط نظام بخسائر محدودة بمقياس ثورات الأمم.


المقلق في المشهد المصري الحالي هو بوادر روح جديدة متمثلة في تقبل العنف كوسيلة مشروعة لاسترداد الحقوق إن لم يكن بالدعوة الصريحة له. تجلي ذلك أول ما تجلي في أحداث التحرير يوم الثلاثاء ٢٨ يونيو في أعقاب الموقف الملتبس في مسرح البالون. إذا كانت هذه المواجهات بين الشرطة و الثوار أول مواجهة بهذا العنف منذ تنحي الرئيس المخلوع. استفز جميع المصريين استخدام الغاز المسيل للدموع من قبل الشرطة بهذه الكثافة و ظهرت على تويتر و فيسبوك تعليقات تتشفي مما حدث للشرطة في ٢٨ يناير و تعدهم بتكرار نفس المصير. و كان هذا بداية استخدام لفظ "بلطجي" بفخر من قبل الثوار حيث تحول إلى نكتة نتيجة للاستخدام الرسمي المضحك له.


كان تفجير خط أنابيب الغاز لاسرائيل من أكثر الأحداث التالية الذي أثارت تعليقات ساخرة و مؤيدة للثوار والنموذج المصري الذي استطاع أن يسقط رئيس و في طريقه لاسقاط نظام بخسائر محدودة بمقياس ثورات الأمم. الناشطين على الشبكات الاجتماعية. انضمت إلى المصطلحات المتداولة و المقبولة ألفاظ "ملثم" "تفجير" و مرادفاتها و كان أكثر تجليات هذا الموقف سخرية صفحة على الفيسبوك بعنوان "المبادرة الشعبية السلمية لتفجير أقسام الشرطة". بالرغم من أن لا مؤشر على حقيقة هذه الدعوات فإن استخدام النكت الساخرة أو التعليقات المبالغة لايصال الفكرة لا يقلل أبدا من جديتها ،فهي عادة ما تكون مؤشرا جيدا علي المزاج العام. و إن كانت هذه التعليقات بحد ذاتها لا تمثل تحولا فوري الخطورة إلا أن اعتماد لغة العنف في الخطاب اليومي هو مؤشر مقلق من نظرة تحليلية. فإذا كان هذا حال شباب تويتر و الفيسبوك (المفترض أنهم ينتمون إلى الطبقة المتوسطة ميسورة الحال) فلك أن تتخيل موقف المواطنين البسطاء في الأحياء الشعبية الذين عانوا أكثر من عانى من ظلم و توحش الشرطة و أجهزة الأمن.


المشهد الأخير الذي ينذر بامكانية تحول هذه الدعوات والتعليقات من مصاف العالم الافتراضي إلى الواقع هو الافراج الأسبوع الماضي عن الضباط المتهمين بقتل المتظاهرين في الاسكندرية و السويس. هذه المرة كانت اللغة أكثر حدة و صراحة. لم يكن هناك الكثير من النكات بل تحرك سريع على الأرض من أهالي الشهداء و من انضم اليه من من متضامنين. شعارات تطالب بالدم و القصاص متوعدين بتحقيق العدالة بأيديهم انتشرت كالنار في الهشيم من الاسكندرية للسويس. لا يملك المتابع إلا أن يشعر بالتعاطف مع هذه الشعارات التي يرفعها أهالي الشهداء و هم يروون حكاياتهم على القنوات الفضائية المختلفة عل أحد المسؤولين يعيرهم سمعه.


السؤال الذي يطرح نفسه هل نحن مقبلين على مرحلة أكثر عنفا أو دموية من كل ما سبق؟ هل من الممكن أن يمحى رصيد هذه الثورة السلمية العظيمة بانزلاقنا إلى اشتباكات داخلية تأخذ شكل الحرب الأهلية بصورة أو بأخرى؟ أزعم أن الشعب المصري لديه من الوعي و الحرص على ثورته ما يجعله يحبط هذا السيناريو. إلا أنني في الوقت نفسه أرى الكثير من البوادر المقلقة المنذرة بقرب فروغ صبر الشعب أهمها بطء المحاكمات السياسية، الافراج عن ضباط الشرطة المتهمين و عودتهم لممارسة عملهم و تلكؤ المجلس العسكري في تنفيذ جميع مطالب الثورة. في حال عدم تغير ذلك فلن يملك أحد السيطرة على الحشود و أخيرا... اتق شر الحليم إذا غضب. 

خديجة عمر هي باحثة مستقلة ومؤلفة، وتكتب عن التاريخ المعاصر والأحداث الجارية. حصلت على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف العليا في العلوم السياسية المتخصصة والتاريخ من الجامعة الأمريكية بالقاهرة. وهي تعمل حاليا للحصول على دبلوم في الدراسات الإسلامية و تعمل كمديرة مشروع لغوي في جوجل

أقرأ المزيد لـ:  خديجة عمر

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم