الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

مصر ما بعد مبارك

ماريا جوليا

سوف يتطلب الأمر قدرًا من الخيال وسعة الحيلة للتخلي عن الصورة الذاتية التي نشأت عليها واعتدها.  فمن هو الإنسان الجديد الذي ستكونه؟

يزال مصير مبارك وأتباعه يلقي بظلاله على القضايا الأهم والتي كانت سبب قيام هذه الثورة ومنها الحصول على الحرية الفردية والمدنية وإعادة مسار الإجراءات القانونية الواجبة إلى الطريق الصحيح.

 تمنيت في وقت ما أن أكون ذبابة لأقف على حائط حجرة المعيشة بمنزل حسني مبارك وأرى الدراما  وهي تتحق. رأيت بعين الخيال مثابرته المعروفة وهي تهتز في لحظات الحيرة الشديدة، تصورت زوجته وأبنائه وهم يلحون عليه بالنصائح وتخيلت المشاحنات الزوجية والأخوية، كما تخيلت بعض المبادرات الرقيقة (تقديمهم كوب من الشاي له أو وضع وسادة خلف ظهره) للتخفيف من توتره وانفعاله ومرارة استيائه من الخيانة التي لا بد وأنه يتصورها. كنت أتساءل إذا ما كانوا يشاهدون التلفزيون ويرون الحشود التي تطالب بمحاكمتهم، وهل دفعهم ذلك إلى محاسبة أنفسهم والشعور بالندم أو الخوف أو كليهما. إن مثل هذه الأحداث لجديرة بأن تكتب لمسلسلات رمضان،  و أراهنكم ان أحدهم يكتب هذا المسلسل الأن و ربما نصف دسته من المسلسلات.


لقد انتشر الزخم الإبداعي الذي أطلق في ميدان التحرير في كل مكان، بل، لأكون أكثر دقة، فقد سرى وتوزع بطول البلاد وعرضها. وصل زخم «التحرير» إلى قاعات الإجتماعات بالإدارات الدعائية بالشركات، وحصدت شركات المحمول مكاسب طائلة عن طريق الإتصالات المتعلقة بالمظاهرات ووضعها لملصقات وطنية كبيرة الحجم (تحمل شعارها التجاري). أما المجلات البراقة فقد وضعت صور الشباب المصري الباسل النابض بالحياة على أغلفتها، على الرغم من سردها العاطفي الخالي من المشاهد الدامية للأحداث. لقد تم التسويق للثورة المصرية من خلال المعارض والوثائق، والتي عملت أيضًا على تخليد هذه الملحمة. إن الثورة موجودة بالفعل خارج ذاتها، ويبقى لها تحقيق الوعي والإدراك الذاتي. لقد ولدت الثورة جزئيًا، من خلال فورة الغضب العارمة الناتجة عن عقود من الظلم وخيبة الأمل.

يزال مصير مبارك و أتباعه يلقي بظلاله على القضايا الأهم والتي كانت سبب قيام هذه الثورة ومنها الحصول على الحرية الفردية والمدنية و إعادة مسار الإجراءات القانونية الواجبة إلى الطريق الصحيح.
 و قد كان برتولت بريخت، المؤرخ الإنساني على حق عندما قال «علام يعتمد بقاء الظلم؟ علينا نحن. وعلى من  يجب أن نعتمد لتدميره والقضاء عليه؟ علينا نحن أيضًا».  ولكن الخدعة هي أن الظلم يجب أن يُدمر على المستويين الفردي والمجتمعي. منذ قيامه، كان تركيز الثورة على مبارك كفرد: فقد جسد خيبة أمل و كره الشعب للسلطة، وذلك أظهر المشكلة.لقد تطلب الأمر تطهيراً فيه بعض الشبه لقتل الابن لابيه. إن التركيز على دور مبارك في حاله الفقر التي وصلت إليها البلاد، يهمش دور الشعب فيما آلت اليه الأمور . في كتابه «خطاب العبودية الطوعية» يتساءل إيتيان دي لا بواتيه: «هل يمتلك الطاغية سلطة عليك أكبر من تلك التي منحته أنت إياها طواعية؟» و إذا تصاعدت حدة خيبة الأمل في المؤسسه العسكرية يجب طرح السؤال مرة ثانية و إذا لم يتم توفير المناخ الذي يسمح بظهور قيادة جديدة فإن مصر سوف تستمر في طرح هذا التساؤل لعقود كثيرة قادمة.


ومازال التركيز موجهًا نحو ضرورة محاكمة مبارك، ويتزامن ذلك مع محاكمات صورية و حرق لدمى مشابهه له، مما يعطي الرئيس السابق أهمية لم يعد يستحقها في حين يوجد العديد من الأشياء التي تستحق إهتماماً أكثر. لا يزال مصير مبارك وأتباعه يلقي بظلاله على القضايا الأهم والتي كانت سبب قيام هذه الثورة ومنها الحصول على الحرية الفردية والمدنية وإعادة مسار الإجراءات القانونية الواجبة إلى الطريق الصحيح. ومع الإنتخابات البرلمانية، مازال قانون الطوارئ ساري المفعول بل زادت قوته بعد إصدار قوانين حظر التجول والإحتجاج، فقد حصلت قضية سجن مبارك الأسبقية على مطالب حقوق الإنسان الأساسية، التي لا تزال تنتهك. فعندما تعيش في دولة بوليسية لفترة طويلة، فمن الممكن أن تتأثر بسماتها إن لم تتوخى الحذر. ولكن النظام الذي كان يحكم مصر في الماضي عن طريق فرض الحماية على شعبها وتعزيز الانقسام والعداء بين أفراده في جو خالٍ من الخيال، يجب أن يذهب إلى الأبد ويصبح تاريخًا.



نعم، إذا ما كانت هناك أموالًا مهربة ويمكن لمصر استعادتها فيجب دعم هذه الخطوة بكل السبل. كما يجب القبض على كل من توجه إليه ادعاءات حقيقية بالفساد (الخطوة التي تحتم استبدال تقريبًا جميع كبار المسئولين في كل المحافظات). ويجب وضع قوائم تحتوي على جرائمهم بالتفصيل ونشرها على مدى واسع. ولكن لماذا يجب أن تسرعَ خطى العدالة في التعامل معهم، خلافًا لما يحدث مع المواطن المصري العادي؟ فليأخذوا دورهم ولينتظروا مثل الجميع.


لقد حان الوقت لكي نأخذ الموضوع على محمل شخصي، يجب أن ننسى «هم» ونؤكد على «نحن»، ونستكشف جميع الخيارات المطروحة. اكثر من الماضي فإن المستقبل هو المهم الأن و الحاضر بمتطلبات البقاء المرتبطة به . لن تنتهي الصراعات اليومية التي أشعلت الإنتفاضة قريبًا، فكيف لنا أن نساعد بعضنا البعض ونمنع معدومي الضمير من إستغلال فرصة ضعفنا ليستفيدوا من خلال الجرائم والإحتيال؟ كثيرًا ما نسمع التقارير المثيرة حول العنف المتزايد، ولكن علينا أن نلقي بالضوء على المواقف التي يقتسم فيها الناس مواردهم، ويتبادلون المعلومات، ويقدمون حلولاً بديلة للإستمرار والبقاء، ويقومون بتنظيف وتأمين الأحياء (أو بعبارة أخرى يقومون بتكرار المواقف التي قاموا فيها بتنظيم أنفسهم ذاتيًا كما حدث في ميدان التحرير في أوج عظمته) ليعرفها الناس ويبدءون في تقليدها. يوجد حاليًا أشخاص يتمتعون بصفات الشخصية القيادية ويعملون داخل وخارج المجتمع المدني. من هم، وماذا يفعلون، وكيف يمكننا أن نساعدهم؟ هذا هو ما نحتاج الآن لمعرفته.


إن القوة الخلاقة التي أطلق عنانها هذا العام هي بالفعل ثورة، ولكن فقط إذا ما استطاعت أن تحيا وتنمو وتتجاوز مشاعر الغضب لتصل بالشعب لمرحلة التكامل التي ينشدها. قد يتطلب الأمر قدرًا من الخيال وسعة الحيلة للتخلي عن الصورة الذاتية التي نشأت عليها واعتدها. عندما تسأل نفسك من هو الإنسان الجديد الذي ستكونه؟ فقط عندما تستطيع رؤية هذا التغيير، يمكن أن تبدأ عملية التحول. وبالمثل على المستوى المجتمعي، كيف يمكنك تصور مصر في ثوبها الجديد؟ كيف سيتم التغيير، وعندما تتبدل، كيف ستكون طبيعة الحياه فيها؟ على كل من يود أن يحصل على مكان في الحكومة الجديدة أن يمتلك رؤية واضحة تمكنه من الإجابة على هذه الأسئلة، وعلى الشعب أن يحظى بالوعي الكافي لطرح مثل هذه الأسئلة، أو أن يقبل بمصر التي سيحصل عليها من دون اخذ رأيه.


عندما تحرم من حق الحديث والعمل بثقة لتشكيل وتجميل المجتمع، فقد تبدو هذه القوى بعيدة لا تطالها الأيدي، إلا أنها موجودة داخل كل منا، في إنتظار الفرصة المناسبة للتعبير. هذه الفرصة هي اللحظة الراهنة. أنا شخصيًا، لا أبالي بمبارك وأسرته، مهما كانت القصة مليئة بالدراما. لقد كبرنا ونحن نشاهدهم وقد أنهكتنا المشاهدة. إن كل ما نهتم به
هو مصر، ومصر التي نراها بعين الخيال لا تمت لهم بصلة.
 

ماريا جوليا أقامت في مصر لفترة طويلة وهي مؤلفة كتابي « القاهرة: مدينه الرمال» و «التصوير الفوتوغرافي ومصر» تعمل مراسلة دائمة لجريدة الشرق الأوسط بالمملكة المتحدة. وكاتبة في نيو انترناشيوناليست إكسفورد

أقرأ المزيد لـ:  ماريا جوليا

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم