الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

الإخوان وتحديات الـحـرية

‎إبراهيم الهضيبي

الجماعة والقائمين عليها يجب عليهم ادراك أنهم لا يدافعون عن الدين بقدر ما يدافع هو عنهم، وأنهم ليسوا أكثر حرصا عليه من غيرهم

 

 

تغيرت ساحة العمل الوطني المصري في ستين يوما أكثر مما تغيرت في ستين سنة، فعلى الرغم من اختلاف التوجهات الوطنية والسياسية والاقتصادية لأنظمة كل من عبد الناصر والسادات ومبارك فإن القاسم المشترك الأعظم كان اعتمادهم في إدارة الدولة على نظام أمني لا سياسي، بحيث كانت الرؤية الأمنية السلطوية – دون غيرها - هي الحاكمة لمواقفهم من التيارات السياسية الداخلية المختلفة.

 

وكان لهذا الأمر أثره السلبي على القوى الوطنية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين التي تراوحت أشكال تعامل الأنظمة معها بين التهدئة/الاحتواء الجزئي والقمع الكامل، ولم تكن في أي وقت شريكا كامل الأهلية في النظام السياسي، فكانت دوما معرضة للقمع، الأمر الذي فرض على قيادتها تحديات تتعلق بالوجود والاستمرار.


 


وعبر سنوات طويلة اعتادت جماعة الإخوان العمل في مناخ القمع، وطورت لذلك ما رأته ضروريا من أدوات، منها خطاب يقوم على صياغات أوسع بكثير من مشروع الجماعة الذي قامت لأجله، ويدعو لتأجيل الخلاف لصالح التكتل التنظيمي الذي يؤمّن البقاء، وظهرت في أدبيات الجماعة مفردات تشكل قمعا فكريا لصالح التنظيم (مثل تعبيرات» المتساقطون على طريق الدعوة«، وربط مفهوم الثبات بالالتزام التنظيمي)، وأخذت تتعامل مع الخلاف باعتباره مرضا لا بد من علاجه، وطورت الجماعة في شكل آلياتها بحيث صارت عملية اتخاذ القرار تتم بصورة مركزية لتضييق نطاق الخلاف، وصكت أو أعادت إنتاج المفاهيم التي تبرر ذلك مثل مفهومي الثقة والجندية، في حين كانت عملية تنفيذ القرارات المركزية تتم بصورة شديدة اللامركزية، لئلا يتأثر التنفيذ بما يتعرض له التنظيم من ضربات.

 

فأما على الصعيد الفكرى فإن نقطة البدء هى تحديد الأرضية الفكرية التى تنطلق منها الرؤى المستقبلية

وفي ظني فإن طول المدة التي قضتها الجماعة في القمع قد أحدثت تشوهات مزمنة في بنيتها الفكرية والتنظيمية، فأما على الجانب الفكري فقد ساهمت الصياغات العريضة في جذب عناصر من المدارس الفكرية المختلفة للعمل في الجماعة التي لم تعد معبرة عن منهج بعينه، ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى أن طمست معالم مشروع الجماعة واختلط بمشروعات إسلامية أخرى، أقل أصالة واعتدالا وعمقا، ولم تعد الخطوط الفاصلة بين المشروعات واضحة، بل لم يعد يجمع أعضاءها من نقاط الاتفاق في ظني إلا أربع نقاط هي: الاتفاق على شمول الإسلام (مع الخلاف على ما يقتضيه ذلك من أشكال العمل التنظيمي)، والقبول بالديمقراطية (مع الخلاف حول معناها وعمقها)، والقبول بالتعددية السياسية (مع بعض الغموض عند البعض حول مساحة الخلاف المسموح بها)، ورفض العنف كأداة للتمكين السياسي.

 

وعلى المستوى التنظيمي فإن الطوارئ المزمنة قد أدت لوجود خلط بين الفكرة والتنظيم في ذهن الكثير من القيادات، وإلى مركزة الكثير من مفاهيم الطوارئ، حيث صار الحديث عن العمل المؤسسي والالتزام اللائحي ومحاسبة القيادة تغريدا خارج السرب، وصار الحديث عن خلاف فكري من المحرمات، إن اختلفت نوعية التعامل مع مثل هذا المحرم. ومعنى هذا - في التحليل الأخير - أن سنوات القمع نجحت في حصار الإخوان داخل تنظيمهم الذي صار غاية وجودهم، وفي تقليم أظافر أية محاولات إصلاحية لصالح الدفاع عن الهوية في أكثر صورها بساطة.

 

ثم جاءت الثورة المصرية لتؤسس لوضع جديد انحسر فيه القمع، واتفق الجميع على رفض الإقصاء والتعامل الأمني، فوجد الإخوان أنفسهم أمام تحدٍّ لم يعهدوه من قبل وهو تحدي الحرية، وهو في ظني أكثر جدية من تحديات القمع، إذ لم يعد هناك ما يهدد البقاء، وبالتالي فلم يعد هناك ما يهدد الهوية على النحو الذي يؤجل محاولات الإصلاح، بل صار العكس هو الصحيح، فصار أكثر ما يهدد الهوية هو غياب الإصلاح، إذ من شأنه أن يؤدي لانفصال الجماعة بشكل كامل عن واقعها المحيط.

 

ويبدو لي أن الجماعة لم تعتد بعدُ التعامل مع تحديات الحرية، إذ أول ما تقتضيه الحرية هو القبول بالتنوع وتنميته، وهو ما لم يظهر في سياسات ومواقف الجماعة إلى الآن، سواء المتعلقة برفض انضمام أعضائها لغير حزب الحرية والعدالة الذي تنشئه القيادة (وما يعنيه ذلك من غياب الفصل الحقيقي بين الجماعة والحزب، ومن إصرار على إنكار أو قمع التنوع الداخلي الذي ينبغي أن يتجلى في برامج سياسية متنوعة وأحزاب مختلفة)، أو موقفها السلبي والرافض للمؤتمر الذي نظمه بعض شباب الجماعة للحوار حول رؤاهم لمستقبل الجماعة (وهو موقف بدا فيه أن الشباب أكثر قدرة على التعامل مع الخلاف واحتواء المختلف من قياداتهم)، أو موقفها من بعض القيادات الذين أعلنوا أنهم قد ينضمون لأحزاب أخرى أو يرشحون أنفسهم للرئاسة (وقد صرح أحد القيادات أن أمثال هؤلاء سيدفعون ثمن هذه القرارات)، أو في غير ذلك من تصريحات بعض القيادات التي ذهبت إلى أن الجماعة لا تزال معرضة للقمع ولا تزال تعاني محاولات الإقصاء (وهو ما يعني رفضا نفسيا للخروج من خندق المحنة).

 

وأتصور أن تحديات الحرية تفرض على الجماعة التعامل بقدر كبير من الحكمة لعلاج التشوهات الفكرية والتنظيمية التي أنتجتها سنوات القمع، فأما على الصعيد الفكري فإن نقطة البدء هي تحديد الأرضية الفكرية التي تنطلق منها الرؤى المستقبلية. وفي تقديري فإن الجماعة في هذه اللحظة تختلط فيها أربع مدارس فكرية:

         

•  أولها مدرسة الأستاذ البنا (وهي مدرسة لها أصولها في الأزهر وإن لم تكن تياره الرئيس).

         

•  وثانيتها مدرسة الأزهر (التراثية المذهبية الوسطية).

         

•  وثالثتها السلفية (بتجلياتها المختلفة بدءًا من السلفية المصرية ووصولاً للوهابية).

         

•  ورابعتها القطبية (مع التسليم بأن الإخوان القطبيين لا يتبنون العنف والتكفير كغيرهم من

القطبيين من خارج الجماعة).

 

وإذا كانت الجماعة تبغي التحرك في اتجاه بنّاء فإن أول ما ينبغي عليها القيام به في هذا الإطار هو تحديد أصول المدرسة الفكرية التي تنتمي إليها وتمثلها بشكل واضح، بحيث يصير ما عدا ذلك غير معبر عنها ولا يُبنى عليه في برامجها.

 

لم يعد يجمع أعضاءها من نقاط الاتفاق فى ظنى إلا أربع نقاط هى الاتفاق على شمول الإسلام (مع الخلاف على ما يقتضيه ذلك من أشكال العمل التنظيمى)، والقبول بالديمقراطية (مع الخلاف حول معناها وعمقها)، والقبول بالتعددية السياسية (مع بعض الغموض عند البعض حول مساحة الخلاف المسموح بها)، ورفض العنف كأداة للتمكين السياسى.

وتلك الوحدة المدرسية هي التي تؤسس لدور حضاري حقيقي يقوم به الإخوان، إذ عليها تنبني التنوعات التي تحتاجها الجماعة للتعامل مع تحديات الحرية، وهي تنوعات برامجية وتنظيمية، فأما البرامجية فمردها إلى أن الإسلام وإن كان منهج حياة فإنه ليس أيديولوجية سياسية، فهو يمثل إطارا قيميا عاما للحياة، وبعض القواعد الكلية والأحكام التشريعية التي أطرت مجالات الحياة المختلفة، وهذه في ذاتها تصلح لأن تكون عنصرا مكونا في عدد لا يكاد يُحصر من البرامج والتوجهات السياسية، ولذلك فإن حصر تلك البرامج - ذات التوجهات الليبرالية واليسارية والقومية وغيرها - في إطار واحد فقط لكونه إسلاميا هو إصرار على البقاء في خانة الدفاع عن الهوية في أبسط صورها بدلا من الإصلاح بتطوير خطاب سياسي مركب بنّاء. وهذا الأمر من شأنه محاصرة الفكرة الإسلامية في مشروع سياسي واحد، وهو خصم ولا شك منها، وإبعاد لها عن دورها المركزي في صياغة الإطار القيمي للمجتمع. ولذلك فإن المسئولية تجاه المشروع تحتم على الجماعة أن تسمح بتنوع سياسي يتجلى في مشروعات سياسية مختلفة، تكون إما نابعة من الإخوان، أو قريبة منهم.

 


وأما التنوع التنظيمي فأريد به تراجع دور تنظيم الإخوان وإفساح المجال للتجليات الأخرى للمدرسة، التي تمارس أدوارها في المجالات الحياتية المختلفة، وتلك التجليات لابد أن تتمتع بقدر كبير من الاستقلال عن النواة الصلبة للتنظيم، وأن يزداد ارتباطها بالمؤسسات ذات الاختصاص المتعلقة بمجال عملها، فالجانب الشرعي مثلا لابد أن يكون أكثر ارتباطا بالأزهر الشريف ومشايخه ليأخذ عنهم العلم، وكذلك الجانب الدعوي الاجتماعي لابد وأن يستند إلى الأزهر كمرجعية علمية، على أن يقوم هو بترجمة تلك الأفكار العلمية إلى حركة اجتماعية تربوية كما فعلت الطرق الصوفية قبل وقوعها تحت سيطرة الدولة في القرنين الأخيرين. ومثل هذا الكلام ينطبق على الأبعاد المختلفة في الجماعة، حتى تصير مدرسة متجاوزة للتنظيم، تعيش في فضاء الحرية وتتحرك من خلال عالم الأفكار الحر لتصل للجميع، فتكون كما أراد المؤسس (روحا جديدا يسري في جسد الأمة)، ولا أرى خيارا للإخوان إلا هذا إن أرادت الجماعة فعلا أن تكون لاعبا مؤثرا في الساحة الوطنية المصرية.

 


إن تحديات الحرية تفرض واقعا جديدا على الإخوان غير هذا الذي ألفته الجماعة، فهي تفرض أن يكون التركيز على الإصلاح مقدما على التركيز على الهوية، وأن تكون الأفكار مقدمة على التنظيم، وأن يكون الأمل مقدما على القلق، وأن يوجد لدى الجماعة والقائمين عليها إدراك بأنهم لا يدافعون عن الدين بقدر ما يدافع هو عنهم، وأنهم ليسوا أكثر حرصا عليه من غيرهم، وأن التنظيم القوي ليس بالضرورة هو الطريقة الأولى لبلوغ المقاصد، وهي دروس ينبغي على الجميع تعلمها من الثورة المصرية.

 

 

إبراهيم الهضيبي كاتب و باحث مستقل حاصل على البكالوريوس من الجامعة الامريكية تخصص علوم سياسية و يقوم حاليا بالإعداد لدرجة الماجستير بها. و هو أيضا حاصل على دبلوم في الدراسات الإسلامية من المعهد الأعلى للدراسات الإسلاميةحيث يقوم حاليا بالإعداد لدرجة الماجستير في الشريعة

أقرأ المزيد لـ:  ‎إبراهيم الهضيبي

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم