الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

العالم

هل سيسير العالم العربي على خطى أوكرانيا؟

فيرا نانيفسكا

بدون حدوث ثورة في المؤسسات لن تكتمل الثورة، وبدون المؤسسات تتحول الديمقراطية إلى فوضى، وليس هناك أي شيء راسخ في مكانه الآن يحافظ على روح الديمقراطية ويحولها إلى شيء واقعي ومستدام


بخلاف الوضع في أفغانستان والعراق تلتمس دول عربية كثيرة مساعدة الغرب في تحولها إلى الديمقراطية، وعلى الغرب أن يتقدم فوراً وبحسم و عليه ان يبدأ في بناء مؤسسات ديمقراطية فور انتهاء طلقات النيران على أرض الواقع، فالفرصة سانحة الآن أمام الغرب ليصلح ما أفسده عندما فشل في التعامل مع التحولات الديمقراطية في دول الاتحاد السوفيتي السابق، وإننا عندما نسمع المقارنات بين ثورات العالم العربي وبين ما حدث في أوكرانيا يصبح واضحاً أمامنا أن الخطاب الصحيح ليس هو ما يدور الآن، ويعلّق بعض المراقبين فيقول أن فشل العملية الديمقراطية يعود إلى طبيعة شخصيات الجهات المسئولة الآن، وقد اقترح أحد أصحاب مقالات الرأي أن يتم الربط بين الاقتصاد وحقوق الإنسان حتى نتجنب تآكل الديمقراطية، واقترح آخر أن القيادة المستبدة هي السبب الجذري وراء تراجع الديمقراطية، لكن المشكلة ليست في الشخصيات أو سوء الربط أو حتى أسلوب القيادة، لا شك أن هذه الأمور من شأنها أن تضعف الديمقراطية لكن ذلك لا يحدث إلا في وجود نظام ديمقراطي بالفعل، وبدون وجود هذا النظام سيفشل الجميع حتى أعظم القادة على الإطلاق.


لقد آن الأوان لحدوث نقاش عالمي حول تعريف الديمقراطية، هل تنمو الديمقراطية بمفردها بعد حدوث ثورة؟ أو أنهاالمشكلة ليست في الشخصيات أو سوء الربط أو حتى أسلوب القيادة، لا شك أن هذه الأمور من شأنها أن تضعف الديمقراطية لكن ذلك لا يحدث إلا في وجود نظام ديمقراطي بالفعل، وبدون وجود هذا النظام سيفشل الجميع حتى أعظم القادة على الإطلاق. تحتاج إلى مؤسسات قوية؟ لقد توقع العالم أن الديمقراطية ستنمو في أوكرانيا بعد الثورة البرتقالية كما ينمو العشب الأخضر، لكن مجرد دفع أو تأييد الديمقراطية في الدول العربية لن يحولها إلى مجتمعات ديمقراطية، صحيح أن الثورة بدأت في الشارع لكن بدون حدوث ثورة في المؤسسات لن تكتمل الثورة، وبدون المؤسسات تتحول الديمقراطية إلى فوضى، وليس هناك أي شيء راسخ في مكانه الآن يحافظ على روح الديمقراطية ويحولها إلى شيء واقعي ومستدام، واحذروا لأن ما حدث في أوكرانيا يمكنه أن يحدث في العالم العربي.


عندما سقط الاتحاد السوفيتي تسببت الصدمة العلاجية في انتشار الحرية بلا حدود، تم تعريف الديمقراطية وكأنها تعني حالة من الحرية المطلقة، ومن حيث عمل الحكومة تُرجِمت هذه الحالة إلى فوضى تتسم بغياب النظام وعدم الانضباط، ولم تتأسس الهيئات التي كان دورها الإشراف والمراقبة، وبذلك تحولت السلطة التنفيذية بأكملها إلى ساحة حرب للمتنافسين، وظهرت تيموشينكو على التليفزيون لتعلن أنها لن تنفذ أوامر الرئيس، فأبرزت الثورة البرتقالية سؤالاً مهماً لا يرحم: ماذا حدث لنا، ولماذا لم تنجح الحرية؟ هناك فكرة في الغرب أن الثورة أتت بالديمقراطية في أوكرانيا ثم خانتها أوكرانيا، لكن الحقيقة المرّة هي أن ثورة الديمقراطية لم تحدث أبداً في المؤسسات الحكومية، وظلت هذه المؤسسات سوفيتية على حالها، لم يذهب الدعم الدولي أبداً باتجاه إعادة تنظيم كامل للمؤسسات العامة من نظامها الدكتاتوري إلى نظام ديمقراطي، لكن الدعم كان يركز على دور المجتمع المدني لأن المجتمع المدني هو الذي يصنع الثورات، وفي حين أن هذا صحيح يأتي وقت تنتهي فيه الثورة ويجب على الناس ببساطة أن تعود إلى العمل، وهذا العمل يصبح بلا جدوى إذا كان في بيئة غير ديمقراطية، وبدون ثورة داخل المؤسسات لا يمكن لروح الثورة أن تتحول إلى تغيير حقيقي ودائم، إن إعطاء المال للمجتمع المدني لا يعني بناء المؤسسات الديمقراطية، لا شك أننا نحتاج إلى مجتمع مدني نشط لكن هذا لا يكفي، إننا نحتاج إلى مجتمع مدني مؤثر وفعَال، يجب على تحركات المجتمع المدني أن تنتهي دائماً بتغيرات في إجراءات ومعايير الحكومة. 


في بلاد الاتحاد السوفيتي السابق كان الناس عندما يرون الفوضى في الحكومة والقطاع العام يقولون إن الديمقراطيةفي بلاد الاتحاد السوفيتي السابق كان الناس عندما يرون الفوضى في الحكومة والقطاع العام يقولون إن الديمقراطية هي التي لا تصلح، كانوا يربطون النظام الجيد بالقائد القوي وليس بنظام ديمقراطي من التشريعات ومسائلة العاملين بالخدمة العامة وسيادة القانون وعدالة حق التقاضي وحماية حقوق الإنسان. هي التي لا تصلح، كانوا يربطون النظام الجيد بالقائد القوي وليس بنظام ديمقراطي من التشريعات ومسائلة العاملين بالخدمة العامة وسيادة القانون وعدالة حق التقاضي وحماية حقوق الإنسان.


وفي روسيا أدت الفوضى في الحياة العامة إلى إجابة بوتين السيئة الشهيرة: «الروسيون لم يولدوا للديمقراطية، ولابد من يد قوية لضبط النظام في البلاد»، وهذا هو ما يلوح في أفق أوكرانيا اليوم، إنه التحدي الذي يقتضي تطبيق النظام في الحكم بدون أن نفقد القيم الديمقراطية، لكن المشكلة هي أن كل خبرتنا تأتي من أيام الاتحاد السوفيتي التي كان الرد فيها على المطالبة بالنظام في القطاع العام هو القمع.


لماذا يجب على العالم العربي أن يُذكّر الغرب بالثورة البرتقالية؟ إن البلاد التي تشهد ثورات ديمقراطية يجب عليها حتى لا تفقد حريتها أن تشهد ثورات ديمقراطية مؤسسية في ذات الوقت، فإذا كانوا لا يريدون أن يخسروا الإنجازات التي تحققت كما خسرت أوكرانيا الثورة البرتقالية يجب عليهم أن يبنوا مؤسسات عامة ديمقراطية، لأن المؤسسات العامة التابعة لنظم حكم دكتاتورية لا يمكنها أبداً أن تدعم الديمقراطية، ولا تزال الفرصة الممتازة موجودة أمام العالم العربي وأمام أوكرانيا لبناء مؤسسات ديمقراطية، ولا تزال الفرصة موجودة أمام المانحين للمساعدة بهذا الصدد، فيجب على المانحين أن يعيدوا التفكير في كيفية فهم الديمقراطية عند وضعهم لخطط الدعم الفني الجديدة.

فيرا نانيفسكا هي مديرة المركز الدولي لدراسات السياسة  (ICPS) في كييف ، أوكرانيا 

أقرأ المزيد لـ:  فيرا نانيفسكا

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم