الخميس، ١٣ ديسمبر، ٢٠١٨ 

الحياه

إصلاح التعليم في مصر: الأمر كله يتعلق بالمدرسين

رندا شعيب

 كفاءة المدرس هي الدافع الأساسي وراء اختلاف مستويات الاستفادة بين طلاب المدارس

أرى أن الآن هو وقت إصلاح التعليم في مصر و نحتاج إلى التعامل فوراً مع مشاكلنا الضخمة في التعليم إذا كنا نريد له أن يصبح ما كان مرجواً منه: كيان يقدم تعليماً حقيقياً ويؤهل أبناءنا لمواجهة تحديات المستقبل، ومهمة إصلاح التعليم تأتي على رأس أولويات كل بلاد العالم تقريباً ولا تختلف مصر بهذا الشأن، وبينما هناك عدد لا يحصى من العوامل التي تحتاج إلى علاج وبعضها يحتاج إلى موارد أكثر من غيره فهناك ثلاثة عوامل ضرورية للتأكد من وجود نظام تعليم ممتاز ومستدام في مصر: ١) اجتذاب الأشخاص المناسبين إلى مجال التدريس؛ ٢) تمكين المدرسين من أن يصبحوا معلمين مؤثرين؛ ٣) التأكد من قدرة منظومة التعليم على توصيل أفضل مستوى ممكن من التدريس إلى كل طفل.


وتشير الأدلة إلى أن كفاءة المدرس هي الدافع الأساسي وراء اختلاف مستويات الاستفادة بين طلاب المدارس، وعندما يستمر طالب المرحلة الابتدائية في الجلوس بين يدي ذات المدرس صاحب الكفاءة المتدنية لعدة أعوام متتالية تكون النتيجة حدوث خسارة تعليمية لا يمكن تعويضها (تقرير ماكنزي ٢٠٠٦/٢٠٠٧).


اجتذاب الأشخاص المناسبين إلى مجال التدريس

حتى تجتذب مهنة التدريس الأشخاص المناسبين يجب على الحكومة والجامعات أن تجعل دخول المهنة أمراً فيهتلك العوامل الثلاثة ضرورية للتأكد من وجود نظام تعليم ممتاز ومستدام في مصر: ١) اجتذاب الأشخاص المناسبين إلى مجال التدريس؛ ٢) تمكين المدرسين من أن يصبحوا معلمين مؤثرين؛ ٣) التأكد من قدرة منظومة التعليم على توصيل أفضل مستوى ممكن من التدريس إلى كل طفل. تنافس شديد وجاذبية لخريجي الثانوية العامة، فيجب تصفية المتقدمين قبل قبولهم في مجال التدريس حتى يتم تحديد أصحاب المهارات المناسبة لهذه المهنة، لأن المدرس الفعّال والمؤثر لابد وأن يتمتع بمجموعة من الصفات التي يمكن التأكد منها قبل دخوله مجال التدريس، ومن هذه الصفات أن يتمتع بمستوى عال من الثقافة العامة والقدرة على الفهم والتعامل مع الحساب والأرقام، وأن يتمتع بمهارات في التواصل والتعامل مع الناس، ويكون مستعداً للتعلّم، ومتحفزاً للتدريس، فيجب على إجراءات الاختيار بين المتقدمين أن تفحص هذه المهارات والصفات وأن تنتقي من يمتلكونها.


وفي حين أن البعض سيقول أن هذا القدر من الحرص يعتبر رفاهية لا يمكن لبلد مثل مصر أن تتحمل أعباءها فأنا أؤمن إيماناً قوياً أن استثمار الموارد في في هذه المسألة له أهمية قصوى في جهود تحسين نظامنا التعليمي تحسيناً مستداماً، يجب على وزارة التربية والتعليم أن تعطي اهتماماً بالغاً للمستوى الأكاديمي عند المتقدمين لمهنة التدريس وكذلك مهاراتهم في التواصل ورغبتهم في التدريس، ويجب عليها أن تضع اختباراً يحدد مستوى مهارات المتقدم في الحساب والثقافة العامة وحل المشكلات، والخطوة التالية هي مرور المتفوقين في الاختبار إلى المرحلة الثانية من عملية الاختيار وهي مرحلة تديرها الجامعات المختلفة حيث يتم اختبار المتقدمين لتحديد مستوى مهارات التواصل والرغبة في التعلّم والمستوى الأكاديمي والرغبة في التدريس، لأنه يجب انتقاء المدرسين قبل خضوعهم للتدريب ويجب أن تقتصر الوظائف المتاحة على من تم اختيارهم.


العامل الآخر المهم للحصول على أشخاص مناسبين في مجال التدريس هو توفير راتب ابتدائي جذاب، حيث تقول دراسة ماكنزي (٢٠٠٧): «الأنظمة التي تضع الحمل الأكبر من تكلفة الرواتب في بداية التعيين تنجح لسببين: الأول أن الراتب الأول أكثر أهمية في قرار دخول مجال التدريس من زيادة الراتب فيما بعد، والثاني أنه لا توجد علاقة إحصائية قوية بين بقاء المدرسين في التدريس وزيادة رواتبهم»، إذاً الأمر الأساسي وراء هذا الكلام هو أن اجتذاب الأشخاص المناسبين له علاقة قوية بمكانة المدرس في المجتمع، وعندما تصبح مهنة التدريس مهنة لها قيمتها الرفيعة سيسعى إليها أشخاص موهوبون أكثر وسيرفعون بدورهم من مستوى المهنة.


تمكين المدرسين من أن يصبحوا معلمين مؤثرين

يمكن لنا أن نعرّف مهمة النظام التعليمي المدرسي كله بهذه الطريقة: أن دوره هو التأكد من أن المدرس عند دخوله إلى الفصل ستكون المواد الدراسية موجودة وكذلك المعرفة والقدرة والطموح في زيادة عدد الأطفال الذين يرتقي بمستواهم اليوم عن الذين ارتقى بمستواهم بالأمس ثم أن يعيد الكرة بالغد (باربر ٢٠٠٥)، وإن أفضل المدارس أداءً تعلم جيداً أن الطريقة الوحيدة لتحسين النتائج هي تحسين التدريس، والتعلم يتم عند التفاعل بين الطالب والمعلم وبالتالي يحتاج تحسين التعلم إلى تحسين جودة ذلك التفاعل، ويمكن تحقيق هذا من خلال التدريب على أفضل الممارسات داخل الفصل ونقل تدريب المدرسين إلى داخل الفصول ووجود قيادات مدرسية قوية وتمكين المدرسين من التعلم من بعضهم البعض.


أهم شيء بالنسبة لمصر هو أن تحسين مستوى أداء مدرس واحد يعني الحاجة إلى تطوير النظام بأكمله حتى تتوفرحتى تجتذب مهنة التدريس الأشخاص المناسبين يجب على الحكومة والجامعات أن تجعل دخول المهنة أمراً فيه تنافس شديد وجاذبية لخريجي الثانوية العامة، فيجب تصفية المتقدمين قبل قبولهم في مجال التدريس حتى يتم تحديد أصحاب المهارات المناسبة لهذه المهنة، هذه الأوضاع للمدرسين، وهذا بلا شك عمل ضخم جداً، لكن مع مواردنا البشرية الهائلة وطبيعة عملية تعليم المعلم غير المكلفة يمكن تحقيق هذا الهدف بخطوات صغيرة راسخة.


التأكد من قدرة منظومة التعليم على توصيل أفضل مستوى ممكن من التدريس إلى كل طفل

تقوم النظم المدرسية عالية الجودة بتصميم تدخلات فعّالة على مستوى المدرسة بحيث يتم رصد المدارس التي لا يرتقي أداؤها إلى المستوى المطلوب، ثم يتم التعامل معها لتحسين مستواها، وأفضل النظم على الإطلاق تنفذ تدخلات على مستوى الطالب الفردي كذلك من خلال إجراءات وهياكل ترصد الطالب الذي ينخفض أداؤه عن المقبول ثم يتم التعامل مع الطفل لتحسين مستواه، لذلك فإن التأكد من حصول كل طفل على أفضل مستوى ممكن من التعليم يستدعي أقصى درجات التفاعل والمشاركة بين المدرس والطالب.

 

ومن نفس المنطلق فمن الضروري جداً أن تضمن مدارسنا في مصر أن كل طفل سيحصل على تدريس ممتاز من خلال تأكيد استطاعة المدرسة على تعويض الطفل عن المساوئ التي قد تنتج عن بيئة المنزل، ولتنفيذ هذا في مصر علينا أن نضع معايير وتوقعات لما يجب على كل طالب أن يعرفه ويفهمه ويستطيع فعله ويجب أن تكون المعايير واضحة ومرتفعة في ذات الوقت، وفي حين أن عملية اختيار المناهج والمعايير كثيراً  ما تكون طويلة وصعبة وجدلية فهناك قواسم مشتركة واضحة نجدها في مناهج أفضل النظم التعليمية في العالم حيث يكون التركيز على القراءة والكتابة والحساب ضرورياً في الأعوام الأولى؛ ويجب على المعايير والتقييم والتدريس أن تتوافق تماماً مع المناهج الدراسية؛ ويجب وضع توقعات واضحة ومرتفعة لأداء كافة الطلاب.

 


إن مفتاح النجاح أمام النظم المدرسية في مصر يتلخص في تبني نظام يجمع بين المتابعة والتدخلات الفعالة على المستويين المدرسي والفردي للتأكد من حصول كل طالب في كل مكان على مستوى ممتاز من التدريس، وفي حين أن تنفيذ هذا الهدف ليس سهلاً لكنه بلا شك تغيير مهم وممكن وضروري إن كان من شأن مصر أن تنافس البلاد الأخرى في العالم، علماً بأن إصلاح المدارس يبدأ بشخص واحد يختار أن يكون له دور مؤثر في حياة أطفالنا، وليكن هذا الشخص هو أنت! 

رندا شعيب هي معلمة مصرية حصلت راندا على درجة الماجستير في التربية من جامعة المحيط الهاديء اللوثرية وعلى درجة الماجستير في الإدارة التربوية من جامعة ولاية ميشيغان درست راندا مسبقا الدراسات الاجتماعية واللغة الإنجليزية لطلاب  الصفوف ٧ و ٨ و ٩ و وتشغل حاليا منصب مدير المدرسة الابتدائية في مدرسة شوتز الأميركية، تقع في الاسكندرية ، مصر.

أقرأ المزيد لـ:  رندا شعيب

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

Gamal Khalifa

Apr 9 2012 4:48:49:220AM

Education
مع خالص التقدير والشكر للجهد الذى تقدميه لمصر.

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم