الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الإقتصاد

المستقبل الاقتصادي للثورة في مصر

مارك رو

نعم، قواعد التعامل هامة جدا لنجاح العملية التمويلية، لكن الاهم ان يكون للنظام السياسي مصلحة مستمرة وثابتة في المحافظة على هذه القواعد وجعلها تساهم في التنمية المالية والاقتصادية


كامبريدج - بالنسبة لمصر، فإن السؤال اليوم هو ما إذا كان البلد سيقوم ببناء نظام سياسي منفتح وديموقراطي او سوف ينتكس ويعود إلى شكل ما من اشكال الحكم الفردي القديم او الجديد. ولكن هناك أيضا مسألة لا تقل أهمية قبل كل شيء للمصريين، وأيضا للبلدان النامية الأخرى (وخبراء التنمية)، وهي الاثار الاقتصادية لثورتها.


فخلال الربع قرن الماضي، كانت مسألة مساندة وتقوية الاسواق المالية للدول النامية بنداَ من البنود الرئيسية على جدول اعمال منظمات التنمية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي . فالاسواق المالية القوية يمكنها ان توجه المدخرات إلى حيث يمكنها ان تعظم مساهمة تلك المدخرات في دفع النمو الاقتصادي، حيث كان ينظر إلى هذه المساهمة على انها ضمن مجموعة من المتطلبات الاساسية التي تعد على أصابع اليد الواحدة اللازمة لتحقيق اي تنمية اقتصادية. فلكي ينجح القطاع المالي، يجب ان يساهم مساهمة فعالة في التنمية الاقتصادية.


ويشير المؤرخون الاقتصاديون إلى ان الثورات المالية مهدت الطريق لنمو اقتصادي قوي في انكلترا (في القرنين السابع عشر والثامن عشر، في أعقاب الثورة المجيدة)،  وفي الولايات المتحدة (بعد قيام الكسندر هاملتون في ١٧٩٠ ببناء الهياكل المالية الكبرى في دولة زراعية في المقام الأول)، واليابان (بعد إصلاحات ميجي).


لقد قام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وعشرات من الأكاديميين بدراسة طويلة وشاقة للعوامل التي تؤدي الى نمو أن الاستقرار القاتم من النوع الذي عاشته مصر خلال حكم حسني مبارك كان في كثير من الأحيان غير كافي للتنمية المالية الحقيقية، فأنظمة الحكم الفردي، وخاصة التي تعاني من تفاوت شديد في الدخل والثروة بين فئات الشعب، تخلق جو محيط من العشوائية وعدم القدرة على التوقع وعدم الاستقرار اسواق المال وتلك التي تعيق هذا النمو. وقد ركز الكثيريين على جودة المؤسسات، مثل المحاكم والسلطات الضريبية. وركز آخرون على جودة قانون الشركات، وهناك آخرون اشاروا الى اهمية السياسات مثل الانفتاح التجاري أو تبسيط النظام الضريبي ، فيما أكد الجميع على اهمية حقوق الملكية.


ومع ذلك ، عندما ينظر المرء الى ما حدث بالفعل في البلدان النامية سوف يجد ان الدروس المستفادة مخيبة للآمال. فعلى الرغم من أن بعض البلدان قامت بإصلاح انظمة المحاكم لديها، وتبسيط الإجراءات الضريبية، وبدأت في كبح جماح الفساد، إلا إن أثر ذلك على الأسواق المالية كان غير ثابت.


الأسوأ من ذلك بالنسبة لبعض النظريات بشأن العوامل التي تؤدي الى إزدهار الأسواق المالية هو ما حدث في الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان. فقد ازدهرت الأسواق المالية في بريطانيا العظمى في القرن الثامن عشر، واليابان والولايات المتحدة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين– في نفس الوقت التي كانت فيه أنظمة مؤسسية رئيسية، مثل قانون الشركات ونظام المحاكم ، دون المستوى المطلوب على الإطلاق.


فقد كانت المحاكم الأميركية في القرن التاسع عشر فاسدة على نحو فج، جعلتها غير فعالة  في بعض الأحيان، وعديمة الفائدة في كثير من الأحيان، ومع ذلك فإن أسواق الأسهم والسندات ازدهرت، فيما توسعت المؤسسات التي تغطي انحاء القارة ونجحت في الحصول على التمويل اللازم للتشغيل والتوسع وتحويل الولايات المتحدة الامريكية الى دولة صناعية. ولم يتم ترسيخ المؤسسات القانونية الواقية للتمويل الخارجي وقوانين الاوراق المالية الفيدرالية حتى الثلاثينات من القرن الماضي – اي بعد عقود من نمو الاسواق المالية الامريكية التي قامت بتمويل النمو الاقتصادي الامريكي. 


ويبدو ان بريطانيا واليابان اتبعا نفس التطور : التمويل في البداية، ثم المؤسسات الوقائية في وقت لاحق. فاليابان لم يكن لديها قانون للشركات التجارية حتى بدأت عمليات التمويل المعقدة في التطور في نهاية القرن التاسع عشر. ويعتبر هذا التسلسل عكس ما قد يتوقعه المرء : فإنه بعد نمو وتطور اسواق المال قام المنتمون لتلك الاسواق بالمطالبة بسن تشريعات تحقق حماية افضل للمستثمرين. 


ففي بريطانيا، واليابان، والولايات المتحدة، يجب ان يكون قد كان هناك قاعدة اخرى مبدئية تم وضعها قبل بدأ الاسواق المالية في العمل. قاعدة اخرى ذات تأثير رئيسي على أي الدول سوف تنجح في ان يكون لديها تمويل قوي واي دول سوف تفشل، ومتى سيحدث كل ذلك. 


وفيما يبدو فإن هذه "القاعدة المبدئية" هي الاستقرار السياسي الأساسي، ويفضل أن يكون من النوع الديمقراطي. ففيفحتى الان الثورة المصرية سياسية وليست اقتصادية. ولكن إذا أدت الثورة الى نظام سياسي اكثر انفتاحا وأكثر ديموقراطية وموجه نحو الطبقة المتوسطة، بحيث يعتقد عدد كبير وكافي من الاشخاص ان لديهم مصلحة في استمرارية الحكومة، يمكن ان تكون الفوائد الاقتصادية التي يحصل عليها المصريين عظيمة بيئة سياسية مستقرة ، يمكن للآليات الغير تقليدية- مثل السمعة الحسنة والاتحادات التجارية وأسواق الأوراق المالية -  بأن تتطور بطريقة تسهل التعاملات المالية. فالمستثمرين والشركات يخشون أن يتولى نظام جديد السلطة ويقوم بالغاء كل القواعد أو الكثير من القواعد التي قد تؤدي إلى خسائر في استثماراتهم.


وتظهر البيانات التي تربط بين إنعدام الاستقرار السياسي الديمقراطي والتخلف المالي في العصر الحديث، الذي قام جوردان سيجل من كلية هارفارد للأعمال وأنا بتحليلها وسوف نعرض نتائجه في المقالة القادمة، أن عدم الاستقرار يؤدي بما لا شك فيه إلى عدم القدرة على تنمية وتطوير الأسواق المالية. إن الاستقرار السياسي الديمقراطي هو أهم عامل من عوامل التنمية المالية.


وهناك منطق قوي وراء هذه الحقائق. فحتى وإن كانت جميع قواعد التمويل صحيحة، فإن عدد قليل جدا سوف يكون لديه الاستعداد لاستثمار امواله في حالة تخوفهم من وقوع تغيير غير ملائم في نظام الحكم اثناء الفترة المستثمرة فيها اموالهم. 


والأهم من ذلك أن الاستقرار القاتم من النوع الذي عاشته مصر خلال حكم حسني مبارك كان في كثير من الأحيان غير كافي للتنمية المالية الحقيقية، فأنظمة الحكم الفردي، وخاصة التي تعاني من تفاوت شديد في الدخل والثروة بين فئات الشعب، تخلق جو محيط من العشوائية وعدم القدرة على التوقع وعدم الاستقرار. بل ان تلك الانظمة نفسها عشوائية. والجميع يعرف أن تحت هذا الغطاء من الاستقرار تكمن بؤر قابلة للتفجر يمكن أن تطيح بالنظام وتخفض قيمة الاستثمارات الضخمة. ونظرا لأن الممولين والمدخرين لديهم ثقة محدودة في المستقبل، لا تستطيع تلك الأنظمة بناء او حتى الحفاظ على أسس قوية للتنمية المالية.


على النقيض من ذلك، فإن الأنظمة الديمقراطية التي تتميز بملكية ذات قاعدة عريضة تقوم عادة بتقديم أفضل حماية لحقوق الملكية على المدى الطويل، لأن هناك عدد كاف من الاشخاص في النظام السياسي يرغبون في حماية الممتلكات.


نعم، قواعد التعامل هامة جدا لنجاح العملية التمويلية، لكن الاهم ان يكون للنظام السياسي مصلحة مستمرة وثابتة في المحافظة على هذه القواعد وجعلها تساهم في التنمية المالية والاقتصادية. 


فماذا يعني كل هذا بالنسبة لمصر؟ فحتى الان الثورة المصرية سياسية وليست اقتصادية. ولكن إذا أدت الثورة الى نظام سياسي اكثر انفتاحا وأكثر ديموقراطية وموجه نحو الطبقة المتوسطة، بحيث يعتقد عدد كبير وكافي من الاشخاص ان لديهم مصلحة في استمرارية الحكومة، يمكن ان تكون الفوائد الاقتصادية التي يحصل عليها المصريين عظيمة. وسوف ينتج عن ذلك غالبا ازدهار ونمو قوي للاسواق المالية يتبعه نمو سريع ومبني على مبدأ المساواة في جميع المجالات.  

مارك رو هو  أستاذ في كلية القانون في جامعة هارفارد.

أقرأ المزيد لـ:  مارك رو

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم