الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

الإسلام في مصر ما بعد الثورة

ليلى محمود سعدة

ليست المسألة ارتداء الحجاب من عدمه، لكنها وجود حرية الاختيار واحترام عواقب القرار بعد أن نختار.


إذاً فالسلفيون يعيثون خراباً والإخوان المسلمون يسعون إلى تمثيل متواضع في البرلمان ولن يقدّموا مرشحين للرئاسة لا سمح الله، أما الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية فيدعو إلى دولة علمانية حديثة. لكن حتى بداخل الإخوان المسلمين تجد تنوعاً كبيراً جداً في الأصوات: المعتدلون والليبراليون والأصوليون والإسلاميون.


الآن نجد الإخوان المسلمين غاضبين من السلفيين لأنهم يفسدون صورة الإسلام المعتدل التي يحاولون نشرها، والسلفيون غاضبون من الأزهر لأنه يخرج الإسلام من السياسة، والأزهر غاضب جداً من كل من الإخوان والسلفيين لاستخدامهم الفراغ السياسي الحالي كساحة حرب أيديولوجية، وأما الصوفيون فهم مستاءون لمجرد أن الآخرين جميعاً يختطفون منهم دينهم.


منذ الاستفتاء في ١٩ مارس عندما دفع أكثر من ٧٠% من الناخبين المصريين بالكفة باتجاه الإخوان المسلمين بتصويت «نعم» على التعديلات الدستورية ومصر تبدو وأنها انقسمت إلى كتلتين شديدتي الاختلاف: إسلامية وليبرالية.


يرفض الليبراليون الذين ينسبون لأنفسهم الفكر التقدّمي أن تتحول مصر إلى دولة إسلامية في أعقاب ثورة ٢٥ يناير التي أطاحت بنظام مستبد عمره ٦٠ عام، وعلى الرغم من ميولهم السياسية المختلفة اتحدت هذه الفرقة لمواجهة عدو مشترك هو الكتلة الإسلامية.


في حين أن الإخوان المسلمين خسروا عدوهم المشترك عندما انتهى حكم مبارك، فانفجرت فوراً انقسامات متعددة الطبقات داخل صفوفهم، لكننا نحن الليبراليين عندما اكتشفنا أن صفوف العدو الأمامية لا تتسم بالانسجام التام أصابنا القلق وتعثرت خطواتنا، وسريعاً ما أصبح واضحاً أن الكتلة الإسلامية (كما تسمّى) هي في الواقع نحيفة كالورق وقد سقطت وتدهورت فور دخولها تحت الأضواء.


يتوجع قلبي كمسلمة أن أجد هذه الانقسامات الطائفية العميقة بين المسلمين المصريين، فأثناء طفولتي كان الصوفيونوالواقع أننا يجب أن نتوقف عن محاربة الإخوان المسلمين والتفكير في نظريات المؤامرة لأننا لو لم نفعل ذلك فلن نتمتع بالحرية طويلاً قبل أن نغرق في بحر صراع عقيم يهدف إلى تحطيم الفرق الدينية التي تشكل مجتمعنا، أشخاصاً روحانيين ندرسهم في كتب التاريخ، وكانت الشيعة طائفة تَعلّمنا أن نتجاهلها، وكان الإسلام هو القرآن والسُنّة وإجتهادات الإنسان الخاصة في المواءمة بينهما وبين حياته.


منذ أحداث ١١ سبتمبر وخوف الغرب من أسلحة إيران النووية وتصنيف حركتي حماس وحزب الله على أنهما إرهابيتين جعلتنا نتعرف على نوع من الإسلام أكثر عنفاً. والحرب في العراق رسخت الطائفية بقوة أكبر في أذهاننا حيث تُذكرنا باستمرار أن الفصائل الدينية بداخل الإسلام لا تعمل جيداً مع بعضها البعض في إطار سياسي، وبالنسبة لنا فإن سكّان المدينة الضحية نيويورك جعلت الخوف من المجتمع الإسلامي تزيد حدته بسبب الإعلام الذي يبث سيناريوهات الكوابيس الافتراضية.


شعر المصريون أنهم يتعرضون إلى التمييز، خاصة المصريون المسلمون الذين شملتهم أحكام الغرب المسبقة التي تصنفهم على أنهم خطر إرهابي يهدد الغرب، و الفتيات أصبحن يرتدين الحجاب بأعداد متزايدة في محاولة غير مسبوقة للوقوف ضد تحيز الغرب وهجومه على ديننا الإسلام، فنشأت بين الشباب المصري عقلية القطيع وأصبح النقاب والحجاب برمزيتهما هما خط الدفاع الأول، وببطء أثر علينا التناقض بين الشرق والغرب فازدهرت الانقسامات المحلية، وتطور التحيّز ليؤثر على العلاقات بين المحجبة وغير المحجبة وأصبحت الأخيرة يُنظر إليها كأنها تروّج للثقافة الغربية من خلال ملبسها.


تركتُ مصر عام ٢٠٠١ وقت كان الحجاب لا يزال اختياراً شخصياً، كانت صديقاتي اللاتي اخترن الحجاب يعتنقن أسلوب حياة أكثر تحفظاً ليتلاءم مع مظهرهن الخارجي، والآن أرى الآلاف من طالبات الجامعة يرتدين ملابس ضيقة تصف أجسامهن بوضوح وأنا لا يمكنني أبداً أن أتجرأ وأرتديها، وعلى رؤوسهن يضعن الطرح المبهرجة التي إما تزغلل العين وإما تتسبب في صداع، بحسب درجة استعداد الإنسان البصرية، ويُقال لي أن هذا هو الحجاب اليوم، إنه تعبير مبالغ فيه من التحدي وأحياناً من الإجبار، حيث أن كثيرات يُجبَرن على إرتداء الحجاب لحماية صورتهن وسمعتهن.


أرى أقاربي الذين كانوا يوماً أصدقائي المقربين قد أصبحوا سلفيين ووهابيين (ولا أعرف الفرق بينهما حتى الآن) يرتدون الجلاليب القصيرة واللحى غير المهذبة، لكن أسوأ ما في الأمر أنهم توقفوا عن الاختلاط بي، فبحسب تفسيرهم للإسلام فهم لا يختلطون بالجنس الآخر.


مع انتهاء العقد الماضي انتهى تعايشنا معاً باحترام، ارتفع صوت الخطاب الديني وزاد تدخله في شئوننا، قام الإخوان المسلمون بدور الشهداء أمام نظام حكم يحتضر وفازوا بدعم الملايين من خلال أعمالهم الاجتماعية التي فشلت الحكومة بانتظام في تقديمها.


في يوم ٢٥ يناير وما بعده من أيام الثورة صعد الإخوان المسلمون بين صفوف المتظاهرين من أقلية مروّضة إلىالمجموعات الدينية ليست متحدة على الساحة السياسية المصرية، والليبراليون والعلمانيون كذلك ليسوا متحدين، لكن المفترض أن ننظر إلى هذا على أنه خطوة كبيرة باتجاه الديمقراطية، لأنه كلما زادت الأصوات زادت اختياراتنا وزادت الآليات التي يمكن أن نضعها لمحاسبة ومساءلة من يحكمنا قوة لها صوت مرتفع ترتدي المعاطف البيضاء أثناء إنقاذ المصابين وتقديم المساعدات الإنسانية الأساسية، و تغيرت صورتهم من شهداء الي ابطال فحصلت الجماعة على مكانة في قلوب الثوّار وحققت تقدماّ في سعيها لتسييس الإسلام.


في يوم ١٩ مارس عندما قام المصريون بالتصويت لأول مرة في استفتاء نزيه بلا تزوير على التعديلات الدستورية أخطأ الكثير من المتحدثين الدينيين خطأ فادحاً، لقد زعموا أن تصويت الأغلبية بـ «نعم» هو نصر للإسلام، وقد قرأت أنا التعديلات الدستورية بإمعان ولم أجد أي شيء يؤيد زعمهم هذا، كانت التعديلات المقترحة تتناول ثماني مواد من الدستور الغرض منها هو التجهيز لإجراء أول عملية انتخابية برلمانية ورئاسية عادلة، ولم أرى في أي مكان إشارة تقول أن الإخواان المسلمين سيسيطرون على الانتخابات القادمة، بل على النقيض فقد ظهرت بسرعة الأحزاب السياسية في كل مكان وكان اثنان من مرشحي الرئاسة الليبراليين قد بدءا حملتيهما الانتخابية بالفعل، إذاً فالعجلة بدأت في الدوران ولا يمكن لها إلا أن تكتسب سرعة مع الوقت.


أحد القادة السلفيين صعّد الخطاب عندما حث غير المحافظين على لمّ متاعهم وترك البلاد، وقال إن التصويت بـ «نعم» فتح الباب أمام «مجتمع إسلامي حقيقي» على الطريقة السلفية، وبطبيعة الحال لم يروق ذلك للكيانات الإسلامية الأخرى تحديداً الأزهر والإخوان المسلمين، أما بقيتنا فقد استخدمنا خطاب هذا الشيخ على أنه مقطوعة ترفيهية على غرار ما يأتي في البرامج السياسية الأمريكية الشهيرة مثل برنامج جون ستيوارت.


وانبعث الغضب في أنحاء عالم الانترنت الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي، قرأت الآلاف من التدوينات (على موقع تويتر) والتعليقات على فيسبوك التي تندد بالإخوان المسلمين والسلفيين وكل من تجرأ وذكر كلمة الإسلام في سياق سياسي، وقمنا جميعاً بتغيير صورنا على هذه المواقع لتحمل صور كاريكاتيرية للنقاب وسخرنا من ان ذلك سيسبب انعطاف الثورة إلى الأسفل، وقام الأزهر متحداً مع الصوفية بتوجيه نداء إلى السعودية لتتوقف عن التدخل في شئون مصر الداخلية وعن تمويل السلفيين، ثم نزل الملايين من المتظاهرين إلى ميدان التحرير لإنقاذ ثورتهم من اختطاف العسكر والإسلاميين الذين يتآمرون علينا جميعاً الآن.


وبعد أسابيع لا تزال ترد إلينا أنباء عن تطور الاختلافات الطائفية الي العنف في قنا والمنيا ومحافظات أخرى، والمصريون بالخارج أمثالي يحزنون على حالة الفوضى العاطفية التي تعيشها البلاد، نعيش الأحداث بأذهاننا وقلوبنا ولا نستطيع إلا أن نحلم بمصر جديدة متحدة، فنحن ننام في أمان أثناء الليل ونعيش ونعمل وننجح كما كنا نفعل تماماً قبل الثورة التي تركت وراءها الكثير من الشهداء والكثير من العاطلين عن العمل وفاقدي الأمل.


لقد فوجئنا بسعينا نحو الديمقراطية لدرجة أننا فشلنا في أول الخطوات لتحقيقها، فشلنا في اعتناق وقبول اختلافاتنا، وفشلنا في تنحية غرورنا لصالح مصلحة الشعب وبدلاً من ذلك نظرنا إلى الفراغ السياسي الحالي على أنه فرصة ذهبية لتحقيق مكاسبنا الشخصية، وفشلنا في تضييق مساحات الاختلاف التي تفرق بيننا وأن نركز على المساحات المشتركة من أجل وضع أساس الديمقراطية، والواقع أننا يجب أن نتوقف عن محاربة الإخوان المسلمين والتفكير في نظريات المؤامرة لأننا لو لم نفعل ذلك فلن نتمتع بالحرية طويلاً قبل أن نغرق في بحر صراع عقيم يهدف إلى تحطيم الفرق الدينية التي تشكل مجتمعنا، المجموعات الدينية ليست متحدة على الساحة السياسية المصرية، والليبراليون والعلمانيون كذلك ليسوا متحدين، لكن المفترض أن ننظر إلى هذا على أنه خطوة كبيرة باتجاه الديمقراطية، لأنه كلما زادت الأصوات زادت اختياراتنا وزادت الآليات التي يمكن أن نضعها لمحاسبة ومساءلة من يحكمنا، ليست المسألة ارتداء الحجاب من عدمه، لكنها وجود حرية الاختيار واحترام عواقب القرار بعد أن نختار.

ليلى محمود سعدة هي صحفية مصرية مستقلة ومستشار إعلامي تقيم حاليا في نيويورك

أقرأ المزيد لـ:  ليلى محمود سعدة

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم