الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

في ظلمات أو على حافة النهضة

كيرم درداج

 

 

عندما خرجت من رحم أمي سمعت أربع لغات، سمعت التركية من أمي وأبي، والأردية من الممرضات، والإنجليزية من الطبيب، وسمعت الأذان من خارج المستشفى، إنني متأكد أن رأسي كانت تدور في أثناء محاولة عيناي أن تستوضح الرؤية في مواجهة الضوء وغرقت أذني وسط ضجيج الأصوات واستنشق أنفي هواء مدينة كراتشي، الذي كان أول من لامس بشرتي؟ وعندما قبّلتني أمي وعندما أمسك أبي بيدي، أي الكلمات اختارا كي يرحبا بي في العالم؟

 

هذا البحث عن تلك الإجابات، هذا الوقوف الدائم ضد هاوية الفراغ مستمر، والرغبة في الانتماء التي أحسستها عند مولدي لا تزال كما هي، كل هذا لا يزال كما هو.

 

والأمر لا يختلف بالنسبة لنا نحن المسلمون جميعاً اليوم، كلنا محاطون بعدد غزير من الأصوات، وبأفكار متنافرة ومتعارضة، وكل منا لديه رغبة ملحة في الانتماء لشيء له معنى وقيمة، وإنه من السخف والحماقة أن نظن أو نفكر أو نؤمن أن هناك هوية مشتركة تجمع بين حياة كل منا لأن حياة كل منا تتغير بصفة يومية، وتتغير على جميع المستويات.

 

ولكنه ليس من الحماقة أن نرى أننا نحن المسلمون تجمعنا هوية الإنسانيه؛ ذلك الإنسان الذي هو قلب مسارنا في الحياة ، إن تلك الهوية المشتركة تمر الآن بمفترق الطرق.

 

مفترق الطرق هذا بسيط ولكنه في نفس الوقت معقد، فلو أن فكرة دولة المواطنة الحديثة هى  نتيجة تطور لمفهوم من عصر النهضة الأوروبية التي سمحت بالتبادل الفعال بين الرغبة السياسية والسلع الاقتصادية متسببة بذلك في إنشاء مؤسسات عامة فهي أيضاً الأداة التي استخدمتها القوى الاستعمارية لفرض قوتها وتوزيعها بدهاء شديد حتى تعيد ترتيب منظومة الولاء في المنطقة، فتم إنشاء الدول على هيئة رشاوي، وتم تأسيس وتشجيع الإقطاعيات من أجل ضمان المساومات، وتحددت الحدود الجغرافية على مبادئ «الواقعية السياسية».تلك الواقعية التي من شأنها أن تجعل ماكيافيلي فخوراً، وكل هذا باسم القوة وكل هذا على حسابنا نحن.

 

ولا تشك أبداً أننا أيضاً استخدمنا تلك القوة على بعضنا البعض، إننا على نفس الدرجة من التواطؤ والإدانة.

 

لعل القوى الاستعمارية قد رحلت بماكينتها وأجسادها عن بلادنا، ولكنها لا تزال حاضرة في قلب حياتنا، سواء كان الذي تركوه لنا بقايا المؤسسات أو المستبدين الذين دعموهم (ولا يزالوا يدعمونهم) أو الوعود بالهداية الثقافية المختلفة التي يقدمونها لأجل الجذب والتجارة، فهم في قلب أسباب تلك الحيرة التي نعاني منها بحثاً عمّا ننتمي إليه، وفى وسط هذا الوضع المشوش يكمن جزء من الإجابة التي يمكن أن تساعدنا في التغلب على تلك الحيرة :  إننا ننتمي لبعضنا البعض.

 

انظروا إلى الخريطة.. هيا انظروا، لقد اخترقت خطوط رسامي الخرائط روح الأسرة في الجزء الأول من القرن العشرين، فدعنا من فكرة أننا دول مرتبطة فقط بشعور وطني داخلي قوي وانتماءات إقليمية ضعيفة، كلا، إننا شعوباً متنوعة أصبح لزاما علينا اليوم بالحاجة إلى أن نجهر بأصواتنا وأن يستمع إلينا الناس وبضرورة أن نعيد صياغة أسلوبنا في الحياة ليصبح صادراً من داخلنا نحن .

 

فنحن ننتمي لبعضنا البعض، فعلاً، ننتمي لبعضنا البعض.

 

التساؤلات المتهامسة الدائرة حول كيفية التعايش بين الأعراق والقبائل المختلفة ، والتي طالما حملت رائحة الوعود الزائفة، قد عادت أخيرا بقوة وصحوة جديدة قادرة على تحديد المصير على المستويان الشخصي والجماعي وهى صحوة قوية ومؤثرة وكل هذا لأننا بدأنا ندرك أننا جزء من نسيج بشر يجمعنا معاً.

 

إننا ننتمي إلى نفس النسيج البشري، إننا ننتمي لبعضنا البعض.

 

إننا ننتمي إلى بعضنا البعض وفي هذا الانتماء يوجد الاحتياج، النداء، الأذان، إلى نهضة في الفكر الإسلامي والتحرك الذي ينتشل نفسه من ظلمات الماضي ويدخل إلى أنوار المستقبل، وأنا سعيد أننا في الماضي البعيد قمنا باختراع أسس الأرقام وعلم  الجبر، وأننا رصدنا النجوم وأننا كنا نمتلك القدرة والذوق لإنتاج الشعر والفنون، وأننا عرفنا التوازن بين الحكم المركزي الجيد واستقلالية الفرد ، أنا سعيد أننا فعلنا كل هذا منذ مئات السنين، ولكننا منذ وقت بعيد لم نقم بشيء مماثل من الإبداعات المتواصلة، ولكن الوقت مُتاح  الآن ونحتاج أن نعيد تكرار هذا الإبداع مرة ومرتين وأكثر ، بتسلسل سريع وعجالة من الأمر وأهداف واضحة.

 

وتشتمل ظلمات الماضي التي أفرزت جهل الحاضر على سلطة قضائية تعتمد اعتماداً سلطوياً وغير منطقي (دوجماتي إن صح التعبير) على مبادئ دينية في ظل نظام حكم ترسخ في الأذهان يغيب عنه تماماً مفهوم «الديمقراطية التشاركية»، والحرمان الذي نعيشه اليوم يشمل عقداً اجتماعياً يُنظر فيه إلى حقوق الأطفال وحقوق المرأة والأقليات على أنها أمور ثانوية في ظل نظام تعليم يعتمد اعتماداً كلياً على الحفظ بلا فهم، وكل هذا مدعوم بعقيدة راسخة أن الغرب دائماً يحمل تأثير الشيطان، هذا هو ظلام، ظلام، إنه الظلام، إنه الظلام الذي يمزقنا ويفرّقنا، وأنا قد فاض بي الكيل منه ولا أريده بعد اليوم، لا أريده بالمرة، وأنتم لا تريدونه بعد اليوم.

 

أريد لنا نحن المسلمين، نحن الدول المكوّنة من أشخاص من المسلمين، أن نخترع، وأن نختلق، وأن نرغب، ونبني، ونتكلم، ونمشي، ونؤكد، ونسعى، ونتحرى، ونُخرج الجمال إلى العالم، وننفض عن أنفسنا النفاق، وأن نصبح على مستوى المسئولية، و ان نصبح أيضاً نوراً مشعاً، أريدنا أن ننضم إلى ركب القرن الحادي والعشرين، وأن نساهم في زخم التقدم العالمي.

 

أريدنا أن نُخرج فنوننا إلى العالم، وعلومنا، وآدابنا، الجديد منها وليس العتيق الذي تفوح منه رائحة صدأ وعفن العهد الماضي.

 

نعم، نعم، نعم، نحتاج أن ننمو مرة أخرى، نحتاج أن نولد من جديد.

 

إن كان هناك موقفاً لا رجعة فيه، محفور في الأرض الصلبة تحت أقدامنا، فهو هذا: أننا سنقول لمن يريدون الهدم والتدمير أننا لن نسمح بذلك، وسنقول للغرب أننا نحمل أصواتاً متعددة لكن العامل المشترك الثابت بيننا هو رغبتنا في بناء هياكل سياسية واجتماعية واقتصادية تسمح لنا بالتفاعل والتفاوض على قدم المساواة في السياق العالمي، وسنقول لأنفسنا أننا نحتاج إلى محو الأجندات وبرامج العمل الخفية التي لا تزال تشكل جزءً مهماً من هوية مجتمعاتنا، وسنقول لجيراننا أن الشكوى الصارخة من دور الضحية ليست فعالة كما نظن وأنها تجعل السماء التي نعيش تحتها صمّاء لا تستجيب، وسنقول لأبنائنا اتركوا الماضي وافتحوا أذرعكم للمستقبل.

 

ولكن بعد أن نقول علينا أن نفعل، فما هو ذلك الفعل؟

 

لا توجد عندي إجابة لكم، فعلاً ليست عندي إجابة، والإجابة الوحيدة عندي تخصني أنا، وهذه هي إجابتي لنفسي : سوف أرفع صوتي ضد أي نوع من الجهل، ولن أتسامح مع أي نوع من الكراهية، ولن أسمح لأي شخص أن يدمر أي شخص أو شيء بجانبي، وسوف أعمل لأجل البشرية، وسوف أحاول فهم  فسادنا الأخلاقي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ، وسوف أعلّم نفسي وعائلتي كيف نكون بشراً، وسوف أتحمل مسئولية الحرية وتحديد المصير، وسوف أنتمي إليكم وإلى حريتى الشخصية، وسوف أبذل قصارى جهدي حتى لا أنساق وراء الظلام.

 

إذاً فبعد مرور كل هذه الأيام من يوم مولدي في كراتشي، وبعد تنزهات كثيرة على الأقدام تحت سماء الرحمة والعناية، وتلك المسارات التي سبقت لرومي وحكمت وفيض وتولستوي وليفاين وماركيز ومحفوظ ودرويش وأغنيات جوني كاش ويوتو ونور جيهان وزكي مورين، أسير على ساحل المحيط هنا في الولايات المتحدة، أسير بعزم، وببهجة، وبألم، فكلنا منفي بشكل أو بآخر.

 

وفي هذا المنفى تتسبب مخاوفي وشكوكي واعتزازي بنفسي في توالى أيام من عدم القدرة على عمل شيء، ولكنها مجرد أيام، ليست أسابيع أو أعوام أو قرون...

 

وفي ذلك المنفى تكمن العودة، العودة إلى الانتماء، إلى الفردية.

 

فانظروا إلى .. أنا تركي وباكستاني وأمريكي، وفي حياتي ولحظاتي الخاصة عندما يكون الحوار بيني وبين الكون من حولي أكون مسلماً أيضاً، وأقول «أيضاً»، لأن تلك الأنانية الشخصية التي تقضي بتعريف واحد فقط قد انتهت، ويجب أن تنتهي، لأن استمرارها غير ممكن، فلتثقوا فيّ بخصوص هذا الموضوع ،وفى هذه الثقة أؤمن أن هناك نداء، أو أذان، يدعو إلى نهضة إسلامية (أو إسلامية أو عربية أو غربية أو شرق أوسطية... هل هناك فرق؟)، وهي نهضة من العيار الثقيل، وهو نداء يدعو إلى أن تصبح المعابد هي منازلنا وأماكن عملنا ، إنه نداء من أعلى المآذن ومن حواراتنا حول مائدة العشاء، وهوه نداءً ليس لأنفسنا فقط لكنه لأبناء أبنائنا.

 

إنه نداء، إنه نداؤنا، إنه عبءٌ، إنه محل صراعنا وكفاحنا الآن ولفترة من الزمن، إنه نداؤنا نحن وليس نداء أي شخص آخر، وحتى يصبح الحاضر ذكرى متواصلة بنا جميعاً حتى يكون هناك مستقبل.

 

فهل سيأخذنا هذا الاندفاع إلى النعمة والرحمة؟ إلى الهوية الفردية ؟

 

أثناء فصل الصيف عندما كان عمري تسعة أعوام كنّا نذهب أنا وأمي وأختي الصغيرة في تنزهات على الأقدام في الصباح الباكر، ولا أخفي عليكم أنني أتباكى حتى الآن على تلك التنزهات، إن هذا البكاء شيء جيد، فهذه ليست شكوى، فقد كانت رائحة الياسمين تملأ الهواء والشمس جميلة والنسيم البارد يحمل عطر البحر العربي وأنا وأمي نتحدث برقة وطلاوة وجمال وأسلوب لا يمكن أن يصف حواراً إلا ذلك الذي يدور بين الوالد أو الوالدة والابن أو الابنة، وفي أوقات كثيرة من طريقنا ونحن نسير بجانب الحديقة كان هناك دائماً شخصٌ يغني، بالأردية، وكانت الأغاني عن الحب والشوق، والألم، والحزن، والأحلام، وعن ما كان، وما سوف يكون، وما يجب أن يكون.

 

إنها أغانينا، أغانيكم أنتم وأغانيّ أنا.

 

وبالتالي، كما هو الحال مع كل من يبكي، تأتي الأغاني من أجدادنا وممن سيشملونا ببركتهم في يوم من الأيام، فحضرتني أغنية، حضرتني بالأردية، واستقرت بداخلي بالإنجليزية، وأريد إنشادها بالتركية، وأحببت أن أشاركاكم إياها، وفي هذه المشاركة يأتي تمسكي بالحرية الفردية، بذاتي الخاصة.

 

رأيت ذلك النهر

يجري مخترقاً

رئتيّ

مصطدماً بصوت

رحمي

يقول لي

الأسرار المُرّة من الكتاب

القديم

معانقاً لأجلي

همس الملائكة الذي ترك بقية الكفن الأبيض

الخاص بأبي

وأبيك

يسألني، يخبرني

إذا كانت دوامة الدنيا

متوازنة على النخاع الأبيض

في عظامنا

العظام التي

تُترك خارج الدم

خارج معابدنا اليومية

وصوت رحمي يشكو إليّ

ألن يُستمع إلى

دعوات ابني؟

ألن يُكافأ

حب بناتي؟

أستظل رغبات زوجتي

بلا ثمار؟

هل تغيب عنا

قبلة الحياة؟

وأقولها ثانيةً

وأعيدها

أن الإجابة هنا

هنا على صدري

الذي يغطي قلبي

وأن الإجابة

هي لا

كانت لا

وستكون لا

لا

لا،

أنا النهر، ونحن النهر

حيث

بالرغم من أننا قد عفونا

فلن نعفو بعد اليوم

لا، إن حياتي

تخصني أنا

وليست ملككم بعد اليوم،

لا، فإن رغبتنا

المجردة والمطلقة

في الانطلاق والجهر والقبلات ونحن وأنتم

ليست رهن التفاوض بعد اليوم

لا، لا، لا

أنا أنتمي إليكم

كما أنكم تنتمون إليّ.

 

هيا يا أصحابي، انطلقوا... خذوا قراركم وخاطروا بكل ما تملكون، انحتوا ذلك الموقف القوى في الأرض الصلبة تحت أقدامكم، لبوا النداء، ففي عمل ذلك سيكون الانتماء، وفيها حريتنا الفردية ، وفيها الخلاص والنجاة، وفيها نهضتنا‪.‬

 

كيرم درداج هو الرئيس التنفيذي لشركة و كان قد ولد و ترعرع في باكستان من أبوين تركيين

أقرأ المزيد لـ:  كيرم درداج

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم