الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

العالم

العرب يذكّرون المحافظين الجدد بالحقيقة

‎جيمس زغبي

قد أصبح العرب يشعرون بنوع جديد من الفخر والعزّة والحكومات ستستمع بإنصات من الآن فصاعداً إلى مطالب الشعوب، والتغيير سيأتي. 


بينما لا يزال الربيع العربي، كما يسمّى، قيد التطور والاكتمال أصبح يقيناً لا شك فيه أن ثمة روح جديدة انبعثت في أنحاء المنطقة وأن هذه الروح سيكون لها الأثر الكبير في الأعوام القادمة مع مرور الوقت وتطور الأوضاع. 


أهم ما يجب ملاحظته هو أن كل الأحداث التي تمت في المنطقة منذ اندلاع الثورة في تونس قد تولّدت داخلياً، مما ينفي الأساطير الاستعلائية التي طالما روّج لها حزب المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ومن يشبههم بأن التغيير في العالم العربي لن يأتي إلا بضغوط خارجية، والمقصود ضغوط غربية، فهذه هي الرؤية التي كان ينشرها برنارد لويس الذي كتب ذات مرة أن التغيير في «الشرق الأوسط الراكد» لم يتم في الماضي إلا عندما «بادر به الحكّام الأوروبيون»، وتكررت هذه الفكرة حديثاً عند دانييل بليتكا من معهد «أمريكان انتربرايز» التي عرضت رأيها بأن التغيير لو كان سيتم في العالم العربي المعاصر «لابد للغرب أن يفتح الباب» وأن يقدّم «الضغط الخارجي» المطلوب. 


فبالنسبة لبعض أعضاء إدارة الرئيس بوش كان هذا هو الدور المرجو من الحرب في العراق، كانت رؤيتهم (التيمن المستحيل أن نتجاهل حقيقة أن ما بدأ في تونس وأتت ثماره في مصر كان سبباً في إحساسٍ جديد بالقوة والقدرة على التغيير في أنحاء العالم العربي كانت أشبه بخيال الأساطير عن الحروب) أن الغزو الذي تقوده الولايات المتحدة لن يطيح بالديكتاتور ويفتح المجال أمام الديمقراطية فحسب لكنه سوف يهز المنطقة كلها في ذات الوقت، كانوا يتنبأون بأن نظاماً جديداً سيولد من الفوضى الناتجة عن الحرب، وكان كاتب النيويورك تايمز الشهير توماس فريدمان يدعم هذه الرؤية فقد كان يصف العالم العربي بـ «المنطقة المتحجرة»، لذلك هنّأ فريدمان إدارة الرئيس بوش على استخدام الحرب لأجل تفجير «ثقب في جدار الاستبداد العربي»، وكان هذا هو نفس أسلوب التفكير الذي دعى وزير الدفاع الأمريكي وقتها دونالد رمسفيلد ومستشارة الأمن القومي كوندليزا رايس إلى إلقاء الأشعار فيما بعد الحرب حول «انتهاء عهد الأنظمة القديمة».


فعل المحافظون الجدد ذلك أيضا مع هجمات إسرائيل العقابية على غزة ولبنان قائلين بأنها ستكون سبباً في تحولات تشهدها المنطقة، حتى أن رايس وصفت بعجرفة الدمار البشع الذي خلفته إسرائيل بعد حربها على لبنان عام ٢٠٠٦ بأنها «آلام المخاض لميلاد شرق أوسط جديد».


هذه الرؤى لم تكن مجرد قاسية ولا تتسم بأي شيء من الحساسية بل كانت مخطئة خطاً فادحاً، فبخلاف ما توقعته رؤية إدارة بوش بسبب عقائدها وأفكارها لم يؤدي غزو العراق ولا حرب إسرائيل على جيرانها إلى الديمقراطية أو حتى إلى أي تغير إيجابي أو تقدّمي، بل على العكس، فإن الذي خلفته تلك الصراعات لم يكن إلا الموت والدمار، والمرارة والمعاناة، وانقسام طائفي أكثر اتساعاً، مع زيادة جاذبية التطرف واحتداد التوتر الإقليمي، فغضبت الشعوب العربية وتراجعت الحكومات العربية التي أقدمت على أقل الخطوات الممكنة نحو التغيير عن خطواتها، وبصفة عامة أصبحت المنطقة أكثر اضطهاداً وأقل حريةً. 


إن الحركات التي بدأت في تونس ثم انتقلت إلى مصر ثم إلى أبعد من ذلك هي أكثر استحقاقاً بكثير لتسمية «آلامومع توجّه الشباب نحو التظاهر السلمي ثم مقابلتهم بالعنف كرد فعل لم يزدهم ذلك إلا تمسّكاً بمطالبهم في التغيير.  المخاض»، لقد أثارت هذه الحركات إلهام الشعوب وأعادت إليهم إحساس الفخر والعزة بعد أن عانوا لفترات طويلة من إحساس العجز وعدم القدرة على التغيير، لقد انتقلت عدوى حركات التغيير من بلد إلى آخر مع استنساخ الوسائل والشعارات أو تكييفها للسياقات المختلفة بالرغم من اختلاف الأوضاع في كل بلد، وكانت الحركات عربية خالصة أنشأت نفسها بنفسها ولم يكن هناك أي «لورنس» أو أي «رامسفلد» ينشط بداخل أي من هذه الثورات عارضاً نفسه بصفة مُقرّر المصير العربي.


بالطبع اختلفت الأوضاع من مكان إلى مكان، فمصر ليست تونس ولا يمكن أن ننظر إلى أي من اليمن أو البحرين أو سورية بنفس العين، فكل منها له خصائصه، كانت هناك بعض المتشابهات، لكن الظروف التي نتجت عنها الثورات في كل بلد هي ظروف خاصة بذلك البلد وحده. 


مع ذلك فمن المستحيل أن نتجاهل حقيقة أن ما بدأ في تونس وأتت ثماره في مصر كان سبباً في إحساسٍ جديد بالقوة والقدرة على التغيير في أنحاء العالم العربي، ومع توجّه الشباب نحو التظاهر السلمي ثم مقابلتهم بالعنف كرد فعل لم يزدهم ذلك إلا تمسّكاً بمطالبهم في التغيير. 


لكن القصة لم تنته بعد، مصر وتونس لا تزالان في منتصف الطريق في حين أن حركات التغيير في اليمن والبحرين وسورية قوبلت بالعناد الشديد وسوء الحساب، أما ليبيا فقد دخلت في منعطف مختلف بسبب تدخل حلف الناتو الذي غيّر مسار الثورة هناك بشكل جذري فأصبحت تختلف كثيراً عن بقية «الربيع العربي»، لكن حتى في حالة عدم الاستقرار هذه وفي ظل المستقبل المجهول تظهر الدلائل بوضوح على نشأة روح جديدة في أنحاء المنطقة، حتى في حالة الحكومات التي لا تواجه مطالب التغيير أو حيث ترضى أغلبية الشعب عن الأوضاع الحالية لا نزال نشعر بأثر هذه الثورات، فقد أصبح العرب يشعرون بنوع جديد من الفخر والعزّة والحكومات ستستمع بإنصات من الآن فصاعداً إلى مطالب الشعوب، والتغيير سيأتي. 


الطريق إلى الأمام ستتخلله العقبات والنكسات لكن الرحلة ستستمر، وعندما يتم تدوين هذه المرحلة الفارقة في التاريخ سيكون الأمر المهم هو أن هذه الحركات انطلقت من العرب أنفسهم واستمرت بهم أيضاً، فهم من اتخذوا الخطوات اللازمة للتحكم في مصيرهم ومستقبلهم.

جيمس زغبي هو رئيس المعهد العربي الامريكي بواشنطن

أقرأ المزيد لـ:  ‎جيمس زغبي

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

samar

Mar 30 2012 5:25:54:767AM

جيمس زغبي دائماً رائع
من أجمل ما يميز أسلوب جيمس زغبي هو أنه مختصر وموضوعي ولديه رؤية واضحة للأمور. مستوى الترجمة جيد جداً.

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم