الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

كيف يمكن لديمقراطيات عربية حقيقية أن تشمل الإسلاميين

حسين ابيش

لكن التحدي الحقيقي يختلف كثيراً، وهو أن الجانب الآخر من معادلة الديمقراطية – أي الحاجة إلى الحد من سلطات الأغلبية التي يتم انتخابها ديمقراطياً – ليس مفهوماً كما يجب أو ليس مقبولاً، 


التعديلات الدستورية التي تم إقرارها في مصر في أواخر مارس الماضي، والتي تناولت إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، قامت بإحياء المخاوف من أن يكتسح الإسلاميون الانتخابات في الديمقراطيات العربية الناشئة. 


كان بعض السياسيين المصريين قد حذروا من ضرورة مرور عام كامل على الأقل قبل أن تستطيع الأحزاب السياسية الجديدة أن تؤدي وظيفتها، فالأحوال كما هي الآن تجعل الحزب الحاكم سابقاً، الحزب الوطني الديمقراطي الذي فقد مصداقيته وشرعيته، والإخوان المسلمين، هما وحدهما القادران على التنظيم في أنحاء البلاد، فالحزب الوطني الديمقراطي لا يزال يحظى بولاء بعض الناخبين ويستطيع أن يدخل البرلمان الجديد، لكن الخوف الأكبر هو أن جهة المعارضة الوحيدة القادرة على إدارة حملة واسعة في كل الجمهورية هي جماعة الإخوان المسلمين.


المظاهرات التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك لم تكن  مدفوعة بالخطاب الديني أو الفكر الإسلامي بل كانتفالتحدي في أغلب الظن لن يكون مواجهة محاولات لإنهاء العملية الإنتخابية، وإنما سيكون الحد من سلطات الأغلبية التي يمكن أن تصبح مستبدة في تعاملها مع الأفراد والنساء والأقليات علمانية وعالمية ووطنية، لكن الإخوان المسلمين هم من يمتلكون البنية التحتية التي تغطي أنحاء البلاد فيستطيعون تنفيذ دعاية انتخابية في كل قرية في مصر ولهم أيضاً تاريخ طويل من الخدمة الاجتماعية حيث كانوا يقدمون الخدمات في مجالي الصحة والتعليم وهما المجالان الذان أخفقت فيهما الحكومة إخفاقاً شديداً. 


ولأن الإسلاميين لم يتولّوا السلطة في أي مكان خارج قطاع غزة، يستطيع الإسلاميون السُنّيون العرب أن يدّعوا أنهم أصحاب الحكم الرشيد، وسيثيرون الفكرة السخيفة المنتشرة أن المتدينين يتصفون بالصدق بطبيعة الحال، وفي حين أن الفكر الإسلامي لم يؤثر في المتظاهرين من أهل المدن في ميدان التحرير إلا أن شعبيته في القرى قد تكون أكبر بكثير حيث لم يشارك الكثيرون من أهل الريف في المظاهرات المعادية لنظام مبارك. 


هناك إذاً إشارات كثيرة تقول بأن موقف الإخوان المسلمين يؤهلهم للتفوق في الانتخابات المصرية، لكن هل يدعو هذا إلى القلق؟ ففي كل الأحوال لابد لليمين المتدين أن يدخل في أي نظام ديمقراطي حقيقي طالما أنه لا يتعامل بالسلاح و يلعب وفقاً للقواعد الدستورية، فشأنه شأن الأحزاب كلها، له الحق الكامل في دخول الانتخابات والسعي إلى تأييد شعبي واسع يؤهله للحكم. 


لكن بعض المراقبين الأمريكيين مثل روبرت ساتلوف من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ينصحون بما يسميه «ديمقراطية تمييزية» وهي في تعريفه «ديمقراطية للجميع فيما عدا الإسلاميين»، وهناك أيضاً ريتشارد كوهين، صاحب عمود الرأي في صحيفة الواشنطن بوست، الذي كتب بكل وضوح أن احتمالات وصول الإسلاميين للحكم قد تهدد إسرائيل وبالتالي يجب علينا أن نخاف من الديمقراطية المصرية و نرفضها. 


هذه حجج سخيفة، فهناك يمين متدين قوي في إسرائيل، وهو ممثَّل بكثافة في الحكومة الإسرائيلية الحالية وقد قامالواضح لنا الآن هو أن أكثر العرب بما فيهم الإسلاميون قد فهموا أن شرعية الحكم تحتاج إلى انتخابات ولا يمكن لهذه الانتخابات أن تتم مرة واحدة، وعلى العكس فإن الإخوان المسلمين هادئين وواثقين في قدرتهم على النجاح في الانتخابات مرة تلو الأخرى وهذه الثقة تكفيهم للسعي وراء تنفيذ برامجهم على الأقل في هذه المرحلة.  بتنفيذ سياسات شنيعة بحق الفلسطينيين وبحق السلام وبحق الأقليات الإسرائيلية، فهل هذا سبب لرفض الديمقراطية في إسرائيل؟ وهناك أيضاً يمين قوي وخبيث في الولايات المتحدة يمثله أشخاص مثل ساره بالين ومايك هكابي، لكن وجود مثل هؤلاء لا يمكن أن يُتّخذ حجة للإطاحة بالدستور. 


لقد تم تصوير الخوف من الإسلاميين والديمقراطية تصويراً خاطئاً على أن الخطر الذي يهددنا هو: «رجل واحد وصوت واحد لمرة واحدة» وكأن الإسلاميين ينوون إجراء انتخابات واحدة فقط يحصلون فيها على السلطة ثم يطيحون بالعملية كلها، وفي رأيي أن هذه قراءة مضلّلة جداً لاستراتيجية جماعة الإخوان المسلمين المصرية، الواضح لنا الآن هو أن أكثر العرب بما فيهم الإسلاميون قد فهموا أن شرعية الحكم تحتاج إلى انتخابات ولا يمكن لهذه الانتخابات أن تتم مرة واحدة، وعلى العكس فإن الإخوان المسلمين هادئين وواثقين في قدرتهم على النجاح في الانتخابات مرة تلو الأخرى وهذه الثقة تكفيهم للسعي وراء تنفيذ برامجهم على الأقل في هذه المرحلة. 


لكن التحدي الحقيقي يختلف كثيراً، وهو أن الجانب الآخر من معادلة الديمقراطية – أي الحاجة إلى الحد من سلطات الأغلبية التي يتم انتخابها ديمقراطياً – ليس مفهوماً كما يجب أو ليس مقبولاً، فالإخوان المسلمون على سبيل المثال متورطون الآن في جدال حول إمكانية وصول امرأة أو مسيحي إلى رئاسة جمهورية مصر العربية، إذاً فالواضح بصفة عامة أن العرب، فيما عدا الأحزاب والعائلات الحاكمة، قد احتضنوا فكرة أن الانتخابات ضرورية للحصول على الشرعية، لكن الأمر الذي لم يتم استيعابه كما يجب هو ضرورة حماية الأفراد والأقليات والنساء وغيرهم من الأغلبية التي يمكن أن تصبح استبدادية.


إذا كان للديمقراطية أن تستمر في بلاد عربية مهمة مثل مصر، وأن تشمل انتخابات حرة ونزيهة بانتظام، فالتحدي في أغلب الظن لن يكون مواجهة محاولات لإنهاء العملية الإنتخابية، وإنما سيكون الحد من سلطات الأغلبية التي يمكن أن تصبح مستبدة في تعاملها مع الأفراد والنساء والأقليات، يجب على حملات التأييد للديمقراطية بداخل الوطن العربي وخارجه أن تبتعد سريعاً عن ما هو متفق عليه بالفعل، وهو إجراء الانتخابات، وأن تهتم بضرورة وضع قيود لسلطات الأغلبية المنتخبة ديمقراطياً. 


في مثل هذه الظروف، حيث تتقيد سلطات الحكومة المنتخبة ديمقراطياً من خلال الدستور وحيث توجد قوات مسلحة ملتزمة بالدفاع عن الدستور وليس الدفاع عن النظام الحاكم، يصبح من الممكن أن تتصالح الأحزاب الإسلامية القوية مع الديمقراطية الواقعية والعملية في العالم العربي.

حسين ابيش احد كبار الباحثين في «فريق العمل الامريكي لأجل فلسطين» وله مدونة عنوانها http://www.ibishblog.com

أقرأ المزيد لـ:  حسين ابيش

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم