السبت، ١٥ ديسمبر، ٢٠١٨ 

العالم

ينبغي على الحكام الدكتاتوريين إعادة التفكير!

جريم روبرتسون

ولكن التشوق الى قبضة حديدية مبني على منطق مليء بالاخطاء. أولا فهو يخلق بين فشل أحد تطبيقات النظام الديمقراطي والذي في حالة "فريدمان" هو النظام الامريكي المليء بالطرق المسدودة مع كل تطبيقات الديمقراطية الاخرى. ثانيا، فهو يعتبر ان الحاكم الديكتاتوري اقدر من الحاكم المنتخب بطريقة ديمقراطية على اتخاذ القرارات الاصلاحية اللازمة رغم كونها صعبة وغير محببة لعامة الشعب . ولكن في الواقع فإن القرارات الغير محببة للعامة لا تصبح فجأة محببة لهم لان من اتخذ القرار هو حاكم مستبد.


يرتعد الطغاة العرب، لكن بعض طغاة العالم لا يزالوا يشعرون بالأمان

" الدكتاتورية تدور حول الدكتاتور"

في ظاهرة لم تحدث غالبا من قبل في العالم، امتلئت شاشات التلفزيون على الهواء مباشرة بصور انهيار انظمة عفا عليها الزمن فرأينا الفيلا الساحلية لـ بن علي تحترق في تونس، وخطاب مبارك المتصنع قبل ان يتنحى وخطب القذافي "الغير مترابطة واللاذعة" من داخل منزل محطم في ليبيا. لقد كانت كل هذه الصور تذكرة لنا جميعا ان احد النماذج السياسية التي كانت منتشرة خلال القرن العشرين والمتمثلة في الحاكم الديكتاتوري المستبد قد استمر وجودها في القرن الواحد والعشرين. 

وقد نتسائل ما مدى صلابة تلك الانظمة؟ فلقد وضعت منظمة "فريدوم هاوس" الغير حكومية ٤٧ دولة داخلة قائمة الدول (الغير حرة) وهي الدول التي ما زالت تعاني من حكم فردي متسلط. وبالتأكيد فقد تقلص عدد تلك الدول عن القرن الماضي، والذي ضم قائمة عريضة من الطغاة مثل "هتلر وستالين وبول بوت وبنوشيه والخميني" ومن على شاكلتهم الآن من الحكومات القاتلة والقمعية. وتذكرنا لاسماء هؤلاء الطغاة يعزز وللأسف مقولة ان "الدكتاتورية تدور حول الدكتاتور." 


"سياسات سيئة وكتابات اكثر سوءاً" 

"يمكنك تعلم الكثير مما يزيد من الحفيظة على هؤلاء الطغاة من الكتب السيئة التي يكتبونها" 

وفي مرحلة الحرب الباردة انتشرت صورة القائد المزخرفة، التي توحي بالغموض والقوة في أروقة القصر الرئاسي او في أروقة "الكرملين". لكن الدكتاتوريات لا تحكم نفسها، وبنظرة فاحصة  نستخلص أن أعتى الطغاة وحكوماتهم يحتاجون إلى تضافر الجهود لإدارة شئون البلاد والمحافظة على النظام وحماية حدود الدولة وتحصيل الضرائب وادارة الاقتصاد، فتلك الحكومات العاتية  تحتاج إلى تعاون العديد من الاطراف من بين رجال الاعمال والبيروقراطيين وقادة الاتحادات العمالية والأحزاب السياسية، وبالتأكيد الاجهزة المتخصصة في اعمال القمع مثل الجيش وقوات الامن. وجعل جميع تلك الاطراف راضية وتعمل معا في تناغم هي عملية ليست اسهل اطلاقا للدكتاتور عن ما هي للقائد المنتخب بطريقة ديمقراطية. 


تختلف الأنظمة الدكتاتورية في الأدوات التي تستخدمها لإدارة البلاد. فالنظام الشيوعي في القرن العشرين بالاضافة الى بعض الانظمة المستبدة الاخرى اعتمد على الاحزاب السياسية ذات الاعداد الكبيرة من الاعضاء للمحافظة على النظام، فالنظام السلطوي الذي حكم المكسيك لمدة سبعون عاماً والذي اطلق عليه الكاتب البيروفي الفائز بجائزة نوبل السيد "ماريو فارجاس لالوزا" بالدكتاتورية المثالية، اعتمد على الحزب الوطني المؤسسي الثوري والذي كان حجمه كبير بدرجة سمحت له بالتحكم في الناس بدءا من مجمع القصر الرئاسي إلى أصغر قرية. ومثله في ذلك مثل "حسني مبارك" الذي حكم لثلاثة عقود من خلال الحزب الوطني الديمقراطي. 


ويأتي بعد ذلك نظام الدكتاتورية العسكرية، وفيه يقود المجلس العسكري البلاد. ولهذا مميزات كثيرة، فخلال هذا النظام تسود البلاد حالة من النظام و الانضباط والقدرة على قمع المعارضين، وله أيضاً عيوب اهمها ان من يتحكم في البلاد هم مجموعة من العسكريين فقط دون أن يتدخل غيرهم في إدارة شئون البلاد، فعلى سبيل المثال خلال حكم الجنرالات للبرازيل من سنة ١٩٦٤ إلى سنة ١٩٨٥ عملوا على حل مشكلة توحدهم بالسلطة من خلال تمكين عدد محدود من صفوة الاقتصاديين وذوي المصالح من دخول البرلمان للتعبير عن رأيهم والمشاركة في الحكم. وبالرغم من ذلك، أثبتت تلك التجربة مدى صعوبة تحقيق هذا النوع من التوازن، فلقد واجه المجلس العسكري صعوبة في إدارة العملية الانتخابية والضغوط الشعبية الناتجة عن عدم رضاء الشعب عن اداء الحكم العسكري في المجال الاقتصادي وحقوق الانسان. وفي النهاية عاد الجنرالات إلى ثكناتهم.  


ويأتي في النهاية أعتى أنواع الأنظمة الدكتاتورية، فهذا النظام السلطوي يكون دكتاتورياً بما يفوق خيال الناس. ومن أمثلة ذلك " موبوتو سيسيسيكو" والذي حكم "زائير" والتي تعرف الآن (جمهورية الكونغو الديمقراطية) لمدة ثلاثين عاماً، وسلالة "دوفاليه" في "هايتي". فتلك الأنظمة تعتمد في حكمها على تفضيل فئات أو جماعات معينة مثل العشائر والجماعات العرقية وما شابه ذلك. وعلى الرغم من أن هذا النوع يعتبر أعتى أنواع الديكتاتورية إلا أنه أكثرها ضعفاً وتفككاً فمن الصعب جداً أن تدار البلاد بسهوله في غياب تنظيم عام أو مؤسسات عامة. كما أن النظام يعتمد على شخص واحد فإذا عاش استمر النظام وإذا ما مات سقط النظام.


"القوة الجماهيرية قادرة على الاطاحة بالانظمة الاستبدادية ولكن ليس وحدها" 

اجتاحت قوة الشعوب "شرق أوروبا" في عام ١٩٨٩، الاضرابات العامة في بولندا اجبرت الحكام الشيوعيين بالدولة على الجلوس على مائدة التفاوض للاتفاق على كيفية تركهم للحكم. خرجت مئات الالاف من الجماهير في العاصمة براغ وتحديداً في ميدان"وينسلس"، ليطيح الشعب بأعتى الأنظمة الشيوعية في دولة "تشيكسلوفكيا" ليتولى إدارة البلاد مجموعة مختلفة من القساوسة والأكاديميين والكتاب وأصدقاء "فرانك زابا" الموسيقي الشهير. وفي ألمانيا الشرقية، توجهت الحشود بكل بساطة إلى الحدود الغربية للكيان الشيوعي وطلبوا اللجوء إلى المانيا الغربية ومن ثم إعادة توحيد ألمانيا. فقوة الشعوب ليس لها حد، وهذا ما اكتشفه "فرديناند ماركوس" الديكتاتور الفليني عند الإطاحة به في عام ١٩٨٦


ولكن هناك قصصا اخرى لم تتمكن فيها القوة المعنوية للشعوب من النجاح، ففي ساحة "تيانمن" لم يكن الخضوعاذا القينا نظرة عامة على نجاحات واخفاقات الولايات المتحدة الامريكية خلال تاريخها الطويل في دعم الديمقراطية وحتى اذا وضعنا جانبا مغامراتها في العراق وافغانستان، فإن الدرس الذي لا يمكن الهروب منه ان العمل القليل يحقق نتائج افضل من العمل الكبير (less is usually more). فتقديم المساعدات كما فعلت الولايات المتحدة مع المعارضة في صربيا واوكرانيا وجورجيا او حتى ان تكون مثالا يحتذى به هي طرق افضل بكثير من ان تقوم الولايات المتحدة نفسها باسقاط دكتاتور.  لمطالبات النشطاء بالديموقراطية هو الحل الوحيد امام الحكام. وهناك اماكن اخرى عديدة فشلت فيها تماما قوة الجماهير في مواجهة رد فعل عسكري منظم. ففي المجر عام ١٩٥٦ قامت قوات الجيش السوفيتي بقمع وحشي للثورة الشعبية التي اندلعت في تلك الفترة. وأيضاً ثورة "الزعفران" التي اندلعت في بورما عام ٢٠٠٧ وانتهت باعتقال الكهنة البوذيين وصدور أحاكم ضدهم بالسجن مدى الحياة، ومثلهم إيران، حيث اندلعت فيها الثورة الخضراء عام ٢٠٠٩ وقمعت بهراوات القوات الخاصة "" dASJ بعد مرور سنتين من اندلاعها. 


ويبقى السؤال ما الذي يفرق نجاح قوة الشعب من فشلها؟ 

فمن الممكن أن نقول أن عدد الجماهير قد يكون مؤثراً ولكن يسقط الطغاة بمجرد أن يتخلى عنهم أعوانهم في الداخل أو الخارج، فتخلي الجيش المصري عن "مبارك" وقيامه بحماية المتظاهرين في ميدان التحرير كان سبباً محورياً في سقوط الرئيس فبراير الماضي.


فكيف يُقنع المتظاهرين الرجال الأوفياء للنظام بالتخلي عنه؟ في شرق اوربا كان التغيير الجوهري في العوامل الجغرافية والسياسية الذي كان وراءه ميخائيل جورباتشوف واعوانه من العوامل المؤثرة التي ساعدت على احداث الفارق ولكن من الصعب في اعتقادي اسقاط هذا الغطاء الحديدي مرة ثانية. فالانظمة التي تحتوي على جيوش محترفة غير خاضعة للرقابة او الادارة المدنية تكون اكثر استعداد للتخلي عن النظام والانظمة التي تعتمد على احزاب ذات ايديولوجيات سياسية قوية تكون اقل عرضة لآن يتخلى عنها حلفائها. ويعتبر خطر تجميد الحسابات البنكية في سويسرا او المثول امام محكمة العدل الدولية من التهديدات التي عادة ما يكون لها الاثر الفعال في قرار الفرد في التخلي عن النظام الذي يؤيده. ومن سوء حظ المتظاهرين انه من الصعب التنبؤ برد فعل تلك الانظمة للتظاهرات وهو شيء محزن عندما تكون رأسك عرضه للتهشم تحت وطأة هروات قوات مكافحة الشغب. 


"فكلما كان الديكتاتور وحشياً، كلما صعبت عملية خلعه من الحكم وللاسف تلك هي الحقيقة" 

فلقد قال " ألكسيس دي توكفيل" معلقاً على الثورة الفرنسية " إن أخطر وقت تمر به الحكومات السيئة عندما تبدأ في عملية إجراء الإصلاحات". وما كان صحيحا في القرن الثامن عشر ما زال صحيحا في القرن الواحد والعشرين. وهي ليست مصادفة أن الحكومات السلطوية والتي أطاحت بها المظاهرات كانت كلها تسمح بقدر من المعارضة،فالطغاة أمثال "سلوبودان مليسوفيتش" في صربيا والجورجي"ادوارد شيفرنادزه" والقرغيزستاني " كيرمانبيك باكايف" والمصري "مبارك" كانوا سيئين من نواحي كثيرة ولكن أنظمتهم بلا شك كانت متساهلة أكثر من كثير من الطغاة الذين لا يزالوا يتمسكون بالحكم حتى اليوم. 


فإذا كان هذا المبدأ صحيحا فلماذا يسمح اي دكتاتور بوجود معارضة في الاساس؟ ولماذا لا يقومون باعمال قمع مشابهة لما قامت به القوات الصينية في ميدان تيانامين بمجرد بدء اي تظاهرات؟ الاجابة هي انه اصبح من الصعب هذه الايام عن اي وقت مضى اقامة نظام دكتاتوري مروع. 


فتعدد وسائل الاتصالات جعل من الصعب التحكم في انتقال وتداول المعلومات، وأصبح من الصعب عزل دولة عن العالم كما كان يحدث في القرن العشرين. كما ان اندثار الشيوعية اربك حسابات الرجال الاقوياء من ذوي الميول اليسارية أو اليمينية على حد سواء. ففي العشر سنوات الماضية استغل حكام دول مثل اوزبكستان واليمن الخطر الجديد الذي يخيف الغرب والمسمى بالتطرف الاسلامي المسلح وايضا المتطلبات اللوجسيتية للولايات المتحدة الامريكية بعد احداث سبتمبر ٢٠٠١ لتحقيق نفس تلك الاغراض. ولكن اعداد تلك النوعية من الحكام تقل كثيرا عن اعداد الدكتاتوريين ذوي الايديولوجيات الرأسمالية او الشيوعية الذين استغلوا تلك التوجهات خلال فترة الحرب الباردة لتقسيم قارات كاملة في الفترات الماضية. 


والنتيجة هي انه في اماكن كثيرة في العالم اليوم يحاول الحكام أن يبرروا أفعالهم من خلال إضفاء بعض الطابع الديمقراطي على الدولة.  فعلى سبيل المثال، فضل "فلاديمير بوتين" أن يبتعد عن كرسي الرئاسة عام ٢٠٠٨ – ولكن ليس كثيرا- عن أن يقوم بخرق أحكام الدستور الروسي والتي تنص على أنه لا يجوز للرئيس أن يتولى لمدة رئاسية ثالثة متتابعة. والحزب الشيوعي الصيني أيضاً سمح ببعض الانتخابات التنافسية على مستوى القرى والمدن. ولكن تلك الانظمة مع مرور الوقت تبدو أكثر فأكثر كبقايا غير مأسوف عليها من القرن العشرين عن أن تكون مؤشرا لما يحمله المستقبل في طياته. 


"الطقوس الشخصية تميل للعظمة - جنون الثعالب"  

 هل يؤمن الكوريون الشماليون فعلاً بأن "كيم يونج ايل" يمكنه تغيير الجو كيفما يشاء؟ وهل يؤمن الليبيون فعلاً بأن "الكتاب الأخضر" كتاباً سياسياً وفلسفياً عبقرياً؟ وهل يؤمن التركمان أن "روحناما" الكتاب الديني الذي ألفه الدكتاتور المتوفي " سابارمرات نيازوف" والذي حكم البلاد عقب خروج السوفييت ونصب نفسه قائدا روحيا للبلاد هو فعلا كتاب مقدس مثله مثل الانجيل والقرأن؟ 


في الاغلب اجابة هذه الاسئلة هي لا. ولكن بالنسبة للحكام الدكتاتوريين ان يصدق شعوبهم هذه الاقاويل أمر غير مهم. فكما يقول خافيير ماركيز أحد خبراء العلوم السياسية "المعتقدات الشخصية تكون ذات طبيعة استراتيجية بالاضافة لكونها نرجسية". فمن المشاكل الرئيسية التي يواجهها من يبتغون ان يكونوا من معارضي هؤلاء الحكام هو معرفة من من الناس يعارض هذا الحاكم. وما يصعب اكثر من مهمة المعارضون هي عملية اجبار الشعوب على الجهر بتصديقهم واقتناعهم بتلك الخرافات الغير منطقية، كما ان صناعة الاساطير حول الحاكم المستبد هي جزء من عملية تعزيز الانضباط داخل المجتمع. فستالين رائد خلق الشخصية المؤلهة في العصر الحديث كان على وعي تام بانه سيكون من الصعب على رفاقه تقبل موضوع شخصيته المؤلهة وخاصة ان الزعيم لينين قد حذر بالتحديد من حدوث ذلك ولكن كان يتم التخلص من اي شخص يعترض على تلك المسألة، وبالنسبة لرفاق ستالين المتبقون فإن قبولهم لمسألة الشخصية المؤلهة لستالين كان مهينا لهم وكما نعرف جميعا ان الاهانة سلاح قوي لاي شخص للسيطرة على اي شخص يفكر في ان يكون من المنافسين على الحكم. 


ولكن الشخصيات المؤلهة لها عيوبها مثلها مثل ادوات التحكم الاخرى. فكلما تضخم حجم تلك الشخصية كلما زادت صعوبة عملية انتقال الحكم، فمن يأتي بعد هذا الحاكم يصبح امامه اختيارين لا ثالث لهم: إما محو تلك الشخصية تماما أو خلق شخصية له مساوية او اكبر منها. والاختيار الاول نتائجه غير مضمونه ، فالخطبة الشهيرة لـ نيكيتا خروشتف عام ١٩٥٦ بعد وفاة ستالين والتي نقد فيها خروتشف ستالين والتي اعطتنا التعبير (الشخصية المؤلهة) PERSONALITY CULT، فقد نظر الى هذا الموضوع على انه سري ومن الخطر ان يدرك الشعب السوفيتي تفاصيله. واليوم تقدم لنا كوريا الشمالية الاخطار المحيطة بالاختيار الثاني فبعد ان اعلنت الصحف الرسمية للدولة ان القائد الحالي كيم يونج ايل قد اتقن القدرة على التنقل من الاماكن دون الحاجة الى الحركة (TELEPORTATION) فماذا سيفعل ابنه المرشح لخلافته "كيم يونج اون" لكي يثبت ان لديه قدرات مماثلة؟ 


"ففي بعض الأحيان تحتاج مثل تلك الوظائف إلى دكتاتور لإتمامها" 

ما حدث خلال العامين الماضيين لم يساعد في الدعاية لقدرات نظام الحكم الغربي الديمقراطي وقدرته على اتخاذ القرارات الضرورية التي قد تكون مؤلمة للعامة.  


وبسبب الإحباط الذي يعانيه الشعب الأوروبي من عجز الموازنة العامة وعدم القدرة على مواجهة التغيرات المناخية، فقد تحولت نظرات اعجاب بعض الأوروبيون باتجاه الصين التي يحكمها الحزب الشيوعي بالحديد والنار.


فلقد كتب "توماس فريدمان" في عموده في جريدة "النيويورك تايمز" عام ٢٠٠٦ " حزب الحكم الواحد بالتأكيد له عيوبه، ولكن عندما يقود هذا الحزب مجموعة من المفكرين المتفتحين كما يحدث اليوم في الصين فهذا يعتبر ميزة رائعة " وفي شهر مارس، تسائل "مارتين وولف" في جريدة "الفيننشيال تايمز" "كيف حققت الصين هذا النجاح".


النظرة الرومانسية لانظمة الحكم المستبدة ليس بالشيء الجديد، ففي السبعينيات من القرن الماضي أشاد العديد من الناس في واشنطن بالحكم الدموي لـ اجوست بينوشيه في شيلي ووصفوه بانه خطوة قبيحة ولكن اساسية في اتجاه الاصلاح الاقتصادي. ولكن التشوق الى قبضة حديدية مبني على منطق مليء بالاخطاء. أولا فهو يخلق بين فشل أحد تطبيقات النظام الديمقراطي والذي في حالة "فريدمان" هو النظام الامريكي المليء بالطرق المسدودة مع كل تطبيقات الديمقراطية الاخرى. ثانيا، فهو يعتبر ان الحاكم الديكتاتوري اقدر من الحاكم المنتخب بطريقة ديمقراطية على اتخاذ القرارات الاصلاحية اللازمة رغم كونها صعبة وغير محببة لعامة الشعب. ولكن في الواقع فإن القرارات الغير محببة للعامة لا تصبح فجأة محببة لهم لان من اتخذ القرار هو حاكم مستبد. فكلنا نتذكر وزير مالية كوريا الشمالية "باك نام جي" الذي تم اعدامه رميا بالرصاص عندما اعترضت عامة الشعب على الاصلاحات الاقتصادية التي حاول النظام الكوري الشمالي تمريرها عام ٢٠٠٩


في الحقيقة إن انظمة الحكم الاستبدادية دائماً ما تكون فاقدة للشرعية، لأنها لم تأتي عبر انتخابات حرة ولذلك تكون دائما متخوفة من اتخاذ قرارات تغضب الجماهير أكثر من تخوف الديمقراطيين. فعلى سبيل المثال، روسيا في عهد "بوتين"، لا يستطيع القادة أن يقللوا الميزانية الضخمة التي ينفقونها على الجيش الروسي والتي تساعد على تهدئة دوائر المؤيدين الاساسيين للنظام بالرغم من اعتراف وزراء الحكومة نفسهم بان هذا الوضع لا يمكن ان يستمر طويلا في روسيا. 


اضافة الى ذلك، فإن القول بأن الديكتاتور يستطيع اجبار شعبه على اتباع سياسات افضل يعني ان الديكتاتور على علم بما هي تلك الاساسيات الافضل. ان الايمان بان هناك حلول تكنوقراطية لاغلب المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمتعلقة بشؤون البيئة قد يكون مريح نفسيا ولكنه في العادة اعتقاد خاطيء. فهذه المشاكل في اغلب الاحيان لا يكون لها حلول تقنية او غير سياسية. ان المناخ الديمقراطي هو الوحيد الذي يسمح باثارة هذه المشاكل ومناقشتها وايجاد الحلول المناسبة لها حتى وان لم تكن عادلة فهي على الاقل تكون مقبولة بشكل عام وموسع. 


التطور التكنولوجي 

التكنولوجية الحديثة من الفاكس الى الانترنت ثم الفيس بوك – استخدمت كقوة للإطاحة بالأنظمة الاستبدادية. وإن لم يكن للتليفون المحمول وتوتير أية أهمية، ما استخدمها النشطاء المؤيدين للديمقراطية. ولكن الإختبار الحقيقي للتكنولوجية يكمن في قدرتها على تحويل موازين القوى من المستبدين إلى يد الذين يحاولون أن يطيحوا بهم – لجعل معدل حدوث الثورات اكثر وتطورها اسرع ونسبة نجاحها اكبر.وبالرغم من ان الوقت ما زال مبكرا للتأكد من تأثيرات التطور التكنولوجي فإن معدلات حدوث وتطور الثورات في عام ٢٠١١ لا تختلف كثيرا عن ثورات ١٩٨٩ التي كان التطور التكنولوجي فيها اقل بكثير او حتى ثورات ١٨٤٨.  


إن ما يحدث فارقاً هو كيف تقوم الحكومات الاستبدادية بمواجهة وتدمير أى إبداع جديد، ففي الثورة الفرنسية قام الثوار المتظاهرون بابتكار المتاريس والتي كانت مفيدة لهم لفترة ما حتى توصل الجيش الى كيفية التعامل معها عن طريق استخدام المدافع،  ففي بعض الأحيان يكون القضاء على الإبداع سريعاً. وبالمثل، عرفت الحكومات الاستبدادية كيف تستخدم "الفيس بوك" وأجهزة التليفون المحمولة لتعقب والتعرف على معارضيهم، ففي إيران على سبيل المثال، استخدمت الحكومة التعليقات التي تركها المعارضون على الفيس بوك والإيميل وتويتر كأدلة ضد المعارضين، في المحاكمات التي أعقبت الثورة الخضراء الفاشلة. 


في الواقع فإن اكثر الابتكارات فائدة واستمرارية هي اقل ارتباطا بالتكنولوجية فالمظاهرات وعرائض المطالبات والاضرابات العامة التي اصبحت كلها وسائل اعتدنا عليها جميعا كانت في بداية الامر افكار جديدة مثلها مثل تويتر واستمرت تلك الوسائل في لعب دور حيوي في نشر الديمقراطية وحقوق الانسان حول العالم. إنه من المفيد دائما ان نتذكر ان ليس كل الادوات الجديدة ذات الفائدة العالية تأتي في صندوق او عن طريق الانترنت. 


"الدكتاتورية في سبيلها إلى الزوال"

إن الثورات الجارية في الشرق الأوسط اليوم بالرغم من قوة الهامها الا انها قامت بمواجهة واقع مرير، فقد ورد في التقرير الذي أصدرته "فريدوم هاوس" عام ٢٠١٠، أن عدد الدول التي شهدت إصلاحات سياسية وتحسن ملحوظ في مجال الحقوق المدنية أقل من عدد الدول التي ساءت فيها الحقوق السياسية والمدنية للعام الخامس على التوالي، وتعتبر هذه اطول مدة تتوالى فيها هذه النتيجة السلبية منذ بدأت المؤسسة تجميع واصدار ذلك التقرير عام ١٩٧٢. فبعد مرور عقدين على سقوط الإتحاد السوفيتي، تعززت الديمقراطية في دول وسط أوروبا وأمريكا اللاتينية والبلقان بينما بقيت اغلب الدول السوفيتية استبدادية كما هي. وبالرغم من أن الدول العربية بدأت في التخلص من حكامها المستبدين إلا انهم لا زالوا في مرحلة انتقالية. ولن يعوق الفقر والفساد الموجود في مصر وتونس عملية التحول الديمقراطي، فالهند لا تختلف كثيرا. ولكن، سوف تصعد تلك الاوضاع من عملية بناء نظام ديمقراطي مستقر. 


وبالرغم من هذا، فقد أأشعلت الثورات العربية شرارة الأمل في الديمقراطية بل وهزت عروش الطغاة في بلاد بعيدة مثل موسكو وبكين. ويبقى سؤال هام هو ما الذي يجب أن يفعله العالم الليبرالي الحر لدعم الديمقراطية في العالم العربي. 


اذا القينا نظرة عامة على نجاحات واخفاقات الولايات المتحدة الامريكية خلال تاريخها الطويل في دعم الديمقراطية وحتى اذا وضعنا جانبا مغامراتها في العراق وافغانستان، فإن الدرس الذي لا يمكن الهروب منه ان العمل القليل يحقق نتائج افضل من العمل الكبير (less is usually more). فتقديم المساعدات كما فعلت الولايات المتحدة مع المعارضة في صربيا واوكرانيا وجورجيا او حتى ان تكون مثالا يحتذى به هي طرق افضل بكثير من ان تقوم الولايات المتحدة نفسها باسقاط دكتاتور. ولكن في كل الاحوال يجب ان ندرك جميعا ان الاصدقاء الغربيين الاقوياء ليسوا كل شيء. ففي نهاية الامر، ان الدرس المستفاد مما حدث في تونس ومصر هو ان الحكام الدكتاتوريين يسقطون في بعض الاحيان بالرغم من المساعدات الامريكية وليس بسببها.  

جريم روبرتسون هو أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة شمال كارولينا

أقرأ المزيد لـ:  جريم روبرتسون

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

samar

Mar 28 2012 6:16:25:077AM

مقال رائع
مقال رائع بالفعل فقد حصلت منه على معلومات تاريخية كثيرة وبأسلوب شائق.

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم