الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

الأولويات الاهم أولا

ديفيد ريف

يجب أن يحاكم مبارك، ولكن العدالة خلال تلك المرحله الإنتقالية لن توفر الطعام المصريين.


القبض على حسني مبارك، وحبس نجلاه جمال وعلاء وكثير من كبار المسئولين في حكومته التي تم الإطاحة بها نال الكثير من الإثارة باعتبارها نقطة فاصلة في تاريخ مصر. تلك الإشادة وصلت في بعض الاحيان الي تشبيهها بالمعجزة و هو شيء لا غرابة فيه في دولة كان مجرد الانتقاد العلني لنظام مبارك يؤدي إلى الاعتقال ولكن بطريقة وفي ظروف مختلفة عن تلك التي ينعم بها ال مبارك الان (حيث بالمخالفه لما كان يحدث لمعارضيهم فهم في أغلب الأمر لن يتعرضوا للتعذيب كما كان يحدث مع معارضيهم). ويبدو أن الإخوان المسلمين هم فقط من لم ينضموا تماماً إلى هذا الجو من الابتهاج العام وكان ذلك واضحاً من خلال تعليق البرلماني السابق محمد البلتاجي على تلك التطورات حيث يعتبر رمز من الرموز البارزة للاخوان المسلمين، فلم يقل أكثر من مجرد ان "هذه الاجراءات خطوة على الطريق الصحيح".


إن هذا التصريح المقتضب للبلتاجي يعكس رد قرار الاخوان المسلمين في كيفية التفاعل مع تلك الثورة التي لعبت فيها الجماعه دوراً صغير نسبياً و التي نتج عنها ليس فقط الإطاحة بمبارك و لكن أيضاً أنهى وضع الجماعة كالمعارض الرئيسي لنظام الحكم، ولقد صار الوضع في مصر شديد التقلب منذ ان بدأت المظاهرات تحتشد في ميدان التحرير في أواخر يناير. ولكن حقيقة أن سماح القوات المسلحة بالقبض على مبارك يعتبر دليلاً على قوة تلك الحركة الديمقراطية ،و التي أجبرت القيادة العسكرية على قبول طلباتها بدرجة لم يكن يتوقعها احد. فالقبض على جمال مبارك، الذي هو وفقاً لبرقية سفارة الولايات المتحدة في٢٠٠٨التي كشف عنها موقع ويكيليكس، لم يكن سيتم قبوله على اية حال من قبل القوات المسلحة كخليفة لوالده، شيء من الممكن تفهمه، و لكن رضوخ الجيش للمطالبات بالقبض على والده الذي هو أحد رجال المؤسسة العسكرية و القائد الأعلى لتلك المؤسسة بالإضافه لكونه رئيس الدوله هو الشيء الذي كان من الصعب تصديقه.


ومن السمات الرئيسية للثورات المطالبة بالديمقراطية في المغرب العربي وباقي الدول العربية في منطقة الشرق"آتت الثورة و ذهبت ، وحل عدم الرضا محل الاضطرابات."  إن الربيع العربي سيواجه نفس ذلك المصير إذا لم يغير نشطاء الديمقراطية العرب والمؤيدين لهم نهجهم بشكل جذري، فيجب ان يكون خلق فرص عمل و تحسين الرعاية الصحية على الأقل في نفس أهمية الإصلاح السياسي والعدالة.  الأوسط هي كونها تولدت من داخل تلك الدول، بخلاف مثلاً، ما حدث في أوروبا الشرقية في ١٩٨٩، حيث كان التحول الديمقراطي  أولاً وأخيراً نابعاً من التغييرات التي حدثت في موسكو. (النشطاء الوحيدين الذين لاحظوا هذا الاختلاف هم النشطاء الذين لا ينتمون لأي من المنطقتين كانوا شهود على الأحداث في كلتا المنطقتين). وإذا كانت الثورات العربية و لها كل الحق في ذلك  قد ولدت إحساس بالأمل والحماس في كل العالم، فقد تم تشويه بعض من هذا الحماس فكرياً و يمكن القول أيضاً أخلاقياً، نتيجة الافتراض السائد بأن ما سوف يحدث في تونس والقاهرة في ٢٠١١ سيكون إعادة لما حدث في براغ وبودابست في ١٩٨٩، و من السهل تفهم أسباب هذا الإعتقاد أيضاً فلا يختلف نشطاء حقوق الانسان والديمقراطية عن قادة الجيوش في رغبتهم في خوض أخر الحروب التي شاركوا فيها مرة أخرى. إن سماح هؤلاء المؤيدين الخارجين لما حدث في اوروبا الشرقية ان يؤثر بشكل كبير على تحليلاتهم قد يؤدي الي ان يقوموا بإعطاء اهمية كبيرة للتطورات التي تحدث في مصر و تونس ذات التشابه مع ما حدث اثناء عمليه التحول الديمقراطي في اوروبا الشرقية و تجاهل التطورات التي قد تكون بالنسبة لتلك البلدان العربية ذات اهمية اكبر بكثير. 


وللتأكيد، فإن هؤلاء المؤيدون الأجانب غالباً ما يكونوا إما مسؤولين يشغلون مناصب في الحكومات الغربية تمكنهم من منح المساعدات الكبيرة وإعادة جدولة الديون، وهي أشياء مصر وتونس في أمس الحاجة إليهما، أو أعضاء في جماعات غير حكومية في مناصب تمكنهم من التأثير على تلك القرارات. ولا جديد في ذلك. حيث أن في حقيقة الأمر، المعونات التي تمنح سواء في الحالات الطارئة أو تمنح من أجل التنمية أو لدعم نظم الديمقراطية الوليدة، تعكس أولويات و اهتمامات من يقدمها بالإضافة لعكسها احتياجات المستفيدين منها. و هناك منظمات خيريه تعلن بمنتهى الوضوح اهدافها من وراء المساعدات التي تقدمها و خير مثال على ذلك منظمة بيل و ميلندا جيتس التي هدفها الأول المعلن هو المشاركة في الاعمال التي تعكس إهتمامات و أهواء عائلة جيتس و هذا ينطبق أيضا على المؤسسات التي انشئت طبقا لإتفاقية بريتون وودز “BRETTON WOODS”  و بدرجة أكبر مما قد تكون تلك المؤسسات مستعدة للإعتراف به.


و مع بداية العقد الثاني من القرن ٢١ استحوذ موضوع العداله على المستوى العالمي اهتمام الجميع، حيث تم بالفعل عقد عدد من المؤتمرات التي تدور حول مبدأ المسائلة والديمقراطية، كما سيتم عقد عدد من المؤتمرات لمناقشة تلك المواضيع قريباً في مصر وتونس.


ومن الامثلة على هذه المؤتمرات كان مؤتمر باسم ( التعامل مع الماضي، و بناء المستقبل) المنظم من قبل مجموعه من المدافعين عن حقوق الإنسان التونسيون والمركز الدولي للعدالة الانتقالية ( و الذي من أكبر مانحيه هم مؤسسة سيجريد راوزينج Sigrid Rausing ومؤسسات جورج سورو للمجتمع المفتوح George Soros' Open Society Foundations ) الذي تم عقده في تونس في ١٤ أبريل الماضي.


و قد أستهل المركز رسالته بالبريد الإلكتروني لشرح ما حدث في المؤتمر لمريديه بالعنوان التالي "لا ديمقراطية بدون عداله". 


ان الطريق للديمقراطية في اوروبا الشرقية عام ١٩٨٩ مر بمرحلة اقيم فيها العديد من لجان تقصي الحقائق، و قوانين للتطهير و استخدمت فيها المحاكم بدرجة كبيرة. و لكن في بعض الأحيان كما أظهر ما حدث في المجر التي حكمتها حكومة يمينية متطرفة منتخبة بطريقة ديمقراطية فإن الديمقراطية و الأخلاق الحميدة ليسوا دائما يد واحدة. و السؤال هو هل سيكون ذلك هو الحال في مصر و تونس؟ فبالرغم من المقارنات المبالغ فيها لمنظمات مثل المركز الدولي للعدالة الانتقاليه فأقصى ما يمكن قوله هو انه في السابق لأرائه تأييد او نفي ذلك. و لكن لا يجب ان يفهم ذلك على انه دعوه الا تكون المسائلة مبدأ و العداله حزء أساسي من نظام الحكم الجديد في تلك الدول . يجب أن تكون محاكمه زين العابدين بن علي ومبارك أمر يفصل فيه شعب مصر وتونس، طالما لا يُعرض ذلك مكاسب الثورة للخطر ( مثلاً عن طريق استفزاز الجيش و دفعه للقيام بعمليات قمعية )، و في تلك الحالة فإن محاكمتهما يجب ان تكون ليس فقط عن عشرات السنوات من الممارسات الفاسدة، ولكن أيضاً لإعطاء أوامر بقتل المعارضين لهما خلال سنوات حكم طويلة، وقتل المتظاهرين عندما بدأ نظامهما في السقوط.


ولكن بالرغم التحذير الابله لجورج سانتايانا أن من ينسى الماضي محكوم عليه بإعادته، هناك احتمال ضعيف أنولا جديد في ذلك. حيث أن في حقيقة الأمر، المعونات التي تمنح سواء في الحالات الطارئة أو تمنح من أجل التنمية أو لدعم نظم الديمقراطية الوليدة، تعكس أولويات و اهتمامات من يقدمها بالإضافة لعكسها احتياجات المستفيدين منها. و هناك منظمات خيريه تعلن بمنتهى الوضوح اهدافها من وراء المساعدات التي تقدمها و خير مثال على ذلك منظمة بيل و ميلندا جيتس التي هدفها الأول المعلن هو المشاركة في الاعمال التي تعكس إهتمامات و أهواء عائلة جيتس و هذا ينطبق أيضا على المؤسسات التي انشئت طبقا لإتفاقية بريتون وودز “BRETTON WOODS”  و بدرجة أكبر مما قد تكون تلك المؤسسات مستعدة للإعتراف به تكون الثورات العربية التي حدثت في  ٢٠١١ تكراراً لما حدث في دول حلف وارسو في ١٩٨٩ من حيث جعل العدالة ومبدأ المسائلة من أهم محددات النجاح أو الفشل. وهذا بسبب الإختلاف الكبير بين طبيعة وخطورة التحديات التي تواجه الديمقراطيين في مصر وتونس عن تلك التي واجهت نظرائهم في أوروبا الشرقية منذ ٢٢ عام. وبكل بساطة، رغم إنتشار القمع السياسي في أوروبا الشرقية في الثمانينات، فمستوى المعيشة فيها كان في معظمه أعلى بكثير من مستوى معيشة الفقراء العرب في منطقة الشرق الأوسط. و لكن يبقى لنا ان نرى اذا كان تخفيف حدة الفقر سوف يكون له نفس اهمية العدالة بين "إهتمامات و أهواء"  المانحين الغربيين و أيضاً الطبقة الوسطى من المصريين التي تستحق اغلب قدر من الإشادة لنجاحها في الإطاحة بمبارك و كما يقول الماركسيون فإن الطبقة الوسطى يكون لها عادة اهتماماتها الخاصة التي لا تتوافق بالضرورة مع تلك الخاصة بالطبقة الفقيرة.


إن إزاله حزب مبارك او حتى محاكمته هو ونجليه ومؤيديه لن تساعد بأي شكل من الأشكال في تحسين هذا الوضع.

وهذا ليس معناه أن المحاكمات لن تجدي نفعاً للمصريين من الطبقة الوسطى، الذين شكلوا الأغلبية العظمى من المتظاهرين في ميدان التحرير. فليس من الضروري أن نكون المتابعين لمسرحية برتولت بريشت الساخره " أخلاقيات المعدة"، والتي تؤكد على انه يجب ان نضمن توفير قوت يومنا أولاً ثم نبحث عن العدالة والأخلاق. 


فلب الحقيقة التي لم يهتم الكثيرين بدراستها هو ان المشكلة الكبرى التي كان و مازال يواجهها اغلبية سكان مصر و تونس ليست الحكم الإستبدادي الذي عاشوا تحت وطأته بل الفقر المدقع الذين يعيشون فيه و على مدار العشرين عاماً الماضية إزداد هذا الوضع سوءاً خاصة لفقر عشرون بالمائة من تلك الشعوب. لكي نرى ان المصريين الذين أطاحوا بمبارك و مؤيديهم من الأجانب قد بدأو يتبعون تبسيط آخر مشكوك في صحته مبني على منطق نهتم بالأخلاقيات أولاً ( الديمقراطية و العدالة ) ثم بعد ذلك نهتم بالطعام. 


إن علماء الاقتصاد يؤكدون أن الديمقراطية يمكن تحقيقها بسرعة، لكن هذا التطور لا يمكن الاعتماد عليه. فإذا لم يتبع التحول الديمقراطي تحسن إقتصادي سريع و محسوس للفقراء، فإن إسقاط الطاغية سوف ينظر اليه من الغالبية العظمى من المصريين على انه لم يكن له تأثير إيجابي يذكر.


و على من يبدون إستيائهم من الوضع القوي للإخوان المسلمين في مصر اليوم بالرغم من أنهم كانوا متأخرين في الإنضمام للثورة التي أسقطت  مبارك أن يتذكروا ان احد الأسباب الرئيسية للولاء المنقطع النظير الذي تحظى به الجماعة من العديد من المصريين الفقراء هو انهم و لفترة طويله قدموا العديد من الخدمات الاجتماعية لهؤلاء الموالين في وقت فشلت فيه الحكومة في تقديم تلك الخدمات . و على الأقل حتى يومنا هذا مازال دعاة الديمقراطية يركزون في أحاديثهم بشكل كبير على مواضيع سياسية مثل العدالة و مبدأ المسائلة في حين اعطوا أهمية قليلة للمواضيع المتعلقة بالتنيمة الإقتصادية. 


مسرحية "Marat/Sade"  و التي أخرجها بيتر بروك و التي تعتبر أعظم المسرحيات الحديثة حول الثورات يوجد بها مقطع يقول: "آتت الثورة و ذهبت ، وحل عدم الرضا محل الاضطرابات."  إن الربيع العربي سيواجه نفس ذلك المصير إذا لم يغير نشطاء الديمقراطية العرب والمؤيدين لهم نهجهم بشكل جذري، فيجب ان يكون خلق فرص عمل و تحسين الرعاية الصحية على الأقل في نفس أهمية الإصلاح السياسي والعدالة. و قد بدأت بالفعل بعض العلامات غير المشجعه في الظهور متمثلة في التزايد الشديد في عدد المراكب المتوجهه الي إيطاليا و المحملة بالشباب التونسيون العاطلون عن العمل. و تونس بالطبع أصغر من مصر و مصير هؤلاء هو ما سيحدد مسار الثورات في الدول العربية و محاكمة حسني مبارك، ستكون حدثاً ثانوياً بالمقارنه.

ديفيد ريف هو ناقد و مجادل أميركي. وقد ركزت كتبه حول قضايا الهجرة، والصراعات الدولية والإنسانية. 

أقرأ المزيد لـ:  ديفيد ريف

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم