الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الإقتصاد

أحزاب ما بعد الثورة

أحمد زهران

الدليل على التسطيح الحالي لأفكار تلك الأحزاب و توجهاتها هو التشابه التام بين أفكارها و مبادئها المكتوبة 


مصر تعيش الان حالة من الفورة السياسية و التي اتضحت من خلال الإقبال الشديد من المصريين على تأسيس الأحزاب السياسية و بعد أن كانت السياسة مقصورة على قلة قليلة معظمها فاسدة انفتح الباب أمام الجميع للمشاركة. المشكلة الكبرى التي تواجها مصر الآن هو غياب الوعي بطرق المشاركة السياسية و هو ما أدى إلى ظهور بعض المبادرات حسنة النية و لكن التي تعكس جهلا عظيماً بالقواعد الأساسية لللعبة السياسية. خلال الفترة القصيرة الماضية حضرت بعض الإجتماعات التأسيسية لأحزاب جديدة و استشارني البعض في برامج لأخرى و تمت دعوتي للإنضمام للبعض الآخر و مكنني ذلك من الاضطلاع على أفكار تلك الأحزاب و أسس عملها المقترحة و توصلت إلى أن الموجة الحالية من الأحزاب تشكلت بالأساس حول الركائز الآتية:


١ . تشكلت بعض أحزاب ما بعد الثورة حول شخصيات معروفة شعبياً لأسباب مختلفة. منها الأحزاب التي تشكلت حول بعض الكتاب و المحللين السياسيين و الاقتصاديين المشهورين و أخرى تشكلت حول واحد أو أكثر من رجال الأعمال و أخرى تشكلت حول بعض الدعاة الدينيين.


٢. البعض الآخر تشكل حول مجموعة من الأصدقاء أو رفاق الثورة الذين استمتعوا بالعمل معاً و أرادوا لتلك الرابطة التي جمعت بينهم أن تستمر في شكل جديد يتناسب مع مرحلة ما بعد الثورة و كان الإختيار الأكثر شهرة بين معظم تلك المجموعات هو تأسيس حزب جديد يجمعهم.


٣. بعض الأحزاب تشكل حول قدرة بعض مؤسسيه على الحشد و على تنظيم الجموع الغفيرة و أصبح قادة تلكو على الرغم من النية الحسنة لتلك الأحزاب إلا أن الواقع السياسي الحالي و الذي دفعها إلى التعجل بالنشأة و الجهل بقواعد اللعبة أدى إلى حدوث تقصير شديد في الأخذ بالأسس السليمة و اللازمة لتأسيس حزب يُراد له الاستمرار و النمو النوعية من الأحزاب بمثابة مقاولي أنفار أكثر منهم قادة حزب سياسي جديد.


٤. الفئة الرابعة من أحزاب ما بعد الثورة هي للتيارات الدينية المعتدلة منها و المتشددة و التي قررت التعبير عن معتقداتها الدينية في شكل حزب يمارس السياسة و يعطى صوتاً سياسياً لتلك المعتقدات الدينية.


٥. أحزاب تشكلت حول حركات أيديولوجية تاريخية موجودة في المجتمع المصري و لكنها تفتقد العمق الجماهيري الكافي لإعتبارها تيارات أساسية في المجتمع و لإنحسار أغلب مؤيديها في الطبقات المثقفة. 


النوعيات الأولى الثلاثة انتشرت بكثرة في الأحزاب التي أعلنت مبادئ ليبرالية و الفئة الرابعة كانت ممثلة في الجماعة الاسلامية و السلفيين و الاخوان و أما الخامسة فكانت من نصيب بعض تيارات اليسار. و على الرغم من النية الحسنة لتلك الأحزاب إلا أن الواقع السياسي الحالي و الذي دفعها إلى التعجل بالنشأة و الجهل بقواعد اللعبة أدى إلى حدوث تقصير شديد في الأخذ بالأسس السليمة و اللازمة لتأسيس حزب يُراد له الاستمرار و النمو.


الدليل على التسطيح الحالي لأفكار تلك الأحزاب و توجهاتها هو التشابه التام بين أفكارها و مبادئها المكتوبة فبالنسبة للمجموعات الأربعة الأولى الأهمية القصوى هي لحشد أكبر قدر من الأفراد (و نجوم المجتمع) من أجل الفوز بأكبر جزء من ممكن من كعكة المسيسيين الجدد قليلي الخبرة بالعمل السياسي و شديدي الرغبة في المشاركة السياسية و الفئة الخامسة التي يتواجد لديها القليل من المنهجية فشلت كثيرا في التواصل و النمو خارج المحيط الثقافي و ذلك لإبتعاد منهجيتها في أحيان كثيرة عن اهتمامات أغلبية الشعب.


الحقائق الثلاثة المرة

الحقيقة المرة الأولى أنك لو وضعت اسامي الأحزاب السياسية في خانة و وضعت أهدافها و إعلانتها التأسيسية عشوائياً في خانة أخرى فلن تستطيع للغالبية العظمى من تلك الأحزاب أن تصل ما بين الحزب و إعلانه التأسيسي الصحيح، أغلب الظن أن تتمكن من تحديد إذا كان هذا الحزب ليبرالي أو يساري أو ذو اتجاهات دينية و لكن في كل فئة تتشابه الأحزاب كثيرا.


الحقيقة المرة الثانية أن أحزاب ما بعد الثورة تعتمد على الحماسة الحالية للمشاركة السياسية بين المصريين و التي حتماً ستخفت مع مرور بعض الوقت و لا تعتمد على بناء أجندات و منهجيات قوية تخلق انتماءات للفكرة التي يقوم عليها الحزب.


أمّا الحقيقة المرة الأخيرة أن الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و المساواة و غيرها ليست مبادئ كافية لتميز أي حزبالأحزاب القوية هي تلك التي ستتمكن من تبني إعلانات تأسيسية مميزة تعبر عن منهجية مختلفة و التي ستتمكن من توصيل وشرح تلك المبادئ لبقية الشعب و بالتالي النمو و التأثير، و لكن منهجية تحقيق تلك القيم هي التي يجب أن تكون المكون الرئيسي للإعلان التأسيسي لأي حزب جديد بعد الثورة.


الأحزاب القوية هي تلك التي ستتمكن من تبني إعلانات تأسيسية مميزة تعبر عن منهجية مختلفة و التي ستتمكن من توصيل وشرح تلك المبادئ لبقية الشعب و بالتالي النمو و التأثير، والأحزاب القوية التي ستستمر (حيث أن ليس كل حزب قوي سيُكتب له الاستمرار) هي تلك التي سيكون انتماء أفرادها لفكرة معينة واضحة و منهجية مميزة تحمل في طياتها إجابات هذا الحزب على مشاكل المجتمع و ليس لأشخاص أو جماعات فانية. الواقع السياسي الحالي لا يجب أن يكون سبباً لتلك الأحزاب في التغاضي عن أسباب القوة و الاستمرارية لصالح تحقيق شهرة مؤقتة وقتية ستنتهي قريباً بل يجب عليها أن توازن بدقة ما بين التحديات الحالية التي لا مهرب منها و بين أسس التكوين السليمة و التي ستحدد المقدرة على النمو و الاستمرار. 


إن النهج الذي تتبعه الأحزاب الجديدة الآن سيمكنها من التعامل مع الواقع السياسي الحالي الذي فُرض عليها و أغلب الظن أنها ستتمكن من حشد أعداد مقبولة من المؤيدين و لكنها ستدفع ثمن منهجيتها الخاطئة من قاعدتها الشعبية بعد مرور الانتخابات التشريعية و الرئاسية و بعد أن تخبو الفورة الحالية للمشاركة السياسية و يتضح الواقع السيئ و هو أنها لا تملك ما يميزها و يجعلها قادرة على النمو و التطور. 

أحمد زهران, مدير إدارة الطاقة الجديدة و المتجددة و آلية التنمية النظيفة بشركة تراي أوشن للطاقة

أقرأ المزيد لـ:  أحمد زهران

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

mohamed el sharkawy

Apr 19 2012 9:15:57:017AM

How about the presidential candidates
Your next article should be comparing programs of the candidates. They all say the same thing . Social justice, education, health ...etc. but no vision , no mission and few objectives. I kindly ask you to collect these programs and run a comparison

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم