الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

العالم

ما بعد صراع الحضارات

جيلز كيبيل

لقد وجدو (الاسلاميين) أنفسهم كباقي المجتمع كله يمرون بلحظة فارقة، وهي لحظة لا علاقة لها بموضوع كبير كصراع الحضارات  وإنما تتعلق بموضوعات شعبية وحياتية


تناولت الغداء ذات مرة مع صامويل هنتجتون في نادي أساتذة جامعة هارفارد، وكنت حريصاً على التحدث معه لأنه استخدم كتابي الصادر عام ١٩٩١ «انتقام الإله» في مقالته الشهيرة التي تحولت إلى كتاب بعد ذلك بعنوان «صراع الحضارات».


كنت قد عرضت حجةً ترى أن ظهور الحركات السياسية الدينية بدايةً من السبعينيات له جذور متشابهة في الإسلام واليهودية والمسيحية حيث تولّدت كلها من ردة فعل لانتهاء عهد النهضة الصناعية وكانت تتعلق بإعادة الصياغة العالمية للهويات السياسية التي تحولت من الخطاب الاجتماعي إلى الخطاب الديني. 


وفى تصرف متناقض اهتم هنتنجتون فقط بالفصل الذي تناول العالم الإسلامي واستخدمه للمساعدة في عرض فكرته عن الطابع الاستثنائي للحضارة الإسلامية، ولم يكن له أدنى اهتمام بدراسة القوى المتنافسة التي تصارعت لأجل الهيمنة على ذلك الخطاب السياسي الجديد وتنافست مع الفرق العلمانية لتسيطر على القيم الأساسية للمجتمع ، كان الإسلام بالنسبة له يمثل كتلة متجانسة، كان الإسلام هو « الشيء الآخر»، فتحدثنا حديثاً جيداً لكن آراءنا ظلت مختلفة بقدر كبير. 


ثم جاء ١١ سبتمبر بعد سنوات قليلة وارتقى هنتنجتون إلى مستوىً ثانٍ من المجد الإعلامي، فلقد أثبت إرهاب تنظيموالآن عليهم (الاسلاميين) إما أن يلتزموا الخط ذاته، ويتنازلوا و يقبلوا بمبدأ «السيادة للشعب» مقابل ثقافتهم الدينية وتقاليدهم، أو أن يستغلوا سخط المحرومين ويدفعوا ببرنامجهم القديم وشعار «الإسلام هو الحل».  القاعدة للكثيرين أن هنتنجتون كان على حق لأنه أظهر عملياً أن الإسلام له بُعدٌ استبدادى ، وأن الجموع المؤمنة من المسلمين يمكن أن تصبح أتباعاً لأسامة بن لادن. 


بينما كنت أنا قد كتبت كتاباً آخر بعنوان «الجهاد» وكان عنوانه الثانوي باللغة الفرنسية «توسع وتراجع الإسلام السياسي»، لكن الترجمة الإنجليزية الصادرة في أوائل ٢٠٠٢ أغفلت هذا الجزء، وعرضت في الكتاب نظريتي أن الإسلام السياسي، بصفته كأيديولوجية متماسكة، محكوم عليه بالتراجع لأنه به خط فاصل بين تيارين من المستحيل التوفيق بينهما.


من ناحية هناك المتطرفون، وهؤلاء يستخدمون العنف الظاهر لإبراز ضعف القوى المسيطرة في محاولة لتعبئة التأييد الشعبي لصالحهم، لكنهم يجدون أنفسهم معزولين ومنبوذين من قِبَل الشعب ذاته، ونموذج هذا السيناريو هو فشل المتطرفين المصريين والجزائريين في التسعينيات. 


ومن ناحية أخرى هناك عدد متزايد من الإسلاميين الذين يتحولون لاعتناق التعددية والديمقراطية كما رأينا في تركيا، ومثل هذا التحوّل ليس ممكناً بدون خلافات داخل صفوفهم ولكن في نهاية المطاف سيتآكل نقاؤهم الأيديولوجي (القائم على مفهوم أن لله الحكم المطلق) من خلال المشاركة البرلمانية، وبالتالي ستفقد الحركة وحدتها وتناسقها . 


لم تكن هذه الآراء مرحب بها  بعد ١١ سبتمبر، واقترح البعض في الصحافة الفرنسية أن أُقال من منصب رئيس القسم في الجامعة، فنظرية تراجع الإسلام السياسي كانت مضحكة بالنسبة لهم، بينما أصبح صامويل هنتنجتون أشبه بنبي من الأنبياء. 


والآن وبعد عقد من الزمن بدأ كثيرون يركبون موجة الثورات العربية الديمقراطية (وشبكة الانترنت)، ونجد أن نفس الأشخاص الذين مجّدوا هنتنجتون هم الآن من  يدعون إلى حرق كتابه ويقولون أنه أضلّهم بقول أن العرب والمسلمين هم «الشيء الآخر» متطرف لأننا نعرف الآن أنهم مثلنا تماماً، فهم يستخدمون تويتر وفيسبوك حتى أن وجه الثورة المصرية هو مدير جوجل لمنطقة الشرق الأوسط. 


لكن الأمور في الواقع قد تكون أكثر بساطة، ويجب أن نضعها في إطار تاريخ الإسلام السياسي الحديث وتراجعه، لقد فشل التطرف الجهادي في تعبئة جموع المسلمين، وفي المقابل أصبحت الأنظمة المستبدة لأمثال بن علي ومبارك غير مهمة، بعد أن زاد عمرها الافتراضي عشرة أعوام بمساعدة الحلفاء الغربيين نتيجة لتفاخر هذه الأنظمة بأنها حائط الصد أمام الجهاد المتطرف . 


واليوم تحرر المجتمع المدني العربي من تلك اللعنة التي تقول: «إما بن علي وإما بن لادن» لتصبح «لا بن علي ولا بن لادن»، لقد وصلت الثورات العربية في تونس ومصر إلى المرحلة الأولى، وهي إسقاط المستبدين، ولكنهم لا يزالون يواجهون نفس المعضلة: يجب على خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان الذي استطاع أن يحقق التعبئة السياسية أن يتعامل الآن مع مشاكل اجتماعية عاجلة ومع أفواج هائلة من الشباب الفقير الذي يسكن المدن ويعاني من البطالة. 


وبدون النجاح في هذا ستتعرض الطبقة الوسطى، التي تريد علمانية الحكم والتي قامت بالدور القيادي في تونس والقاهرة، إلى الخطر، لقد اكتفى الإسلاميون بمساحة ضيقة في الثورة، حتى في مصر حيث تتمتع جماعة الإخوان المسلمين بأكبر شبكة من الهيئات الخيرية والمساجد والجمعيات الأهلية وأكثرها تنظيماً، إنهم لم يستطيعوا التغلب على الديمقراطيين، فانضموا إليهم. 


وعندما نستمع إلى شعاراتهم ونقرأ إصداراتهم بالعربية نفاجأ بحقيقة أنهم على عكس خميني في ١٩٧٨-١٩٧٩ لم يستطيعوا التحكم في مصطلحات الثورة ، والآن عليهم إما أن يلتزموا الخط ذاته، ويتنازلوا و يقبلوا بمبدأ «السيادة للشعب» مقابل ثقافتهم الدينية وتقاليدهم، أو أن يستغلوا سخط المحرومين ويدفعوا ببرنامجهم القديم وشعار «الإسلام هو الحل». 


ينقسم الإسلاميون في الوقت الراهن على خطوط جيلية وفكرية، لكنهم لم يختفوا من الشارع العربي، ولا حتى من ميدان التحرير حيث ألقى الشيخ يوسف القرضاوي، عائداً من قطر، خطبة الجمعة أمام جمع غفير، لقد وجدوا أنفسهم كباقي المجتمع كله يمرون بلحظة فارقة، وهي لحظة لا علاقة لها بموضوع كبير كصراع الحضارات  وإنما تتعلق بموضوعات شعبية وحياتية، فكل السياسة العربية سياسة محلية، وربما على الأكاديميون الغربيون أن يعطو إنتباهاً أكثر قليلاً بهذا المجال عن انتباههم بشبكة الانترنت. 


جيلز كيبل أستاذ في سياسة الشرق الأوسط في معهد الدراسات السياسية بباريس وهو كبير الباحثين في معهد فرنسا الجامعي. 


السماء بوجه غاضب تنزل منها صاعقة برق على كتاب بعنوان «صراع الحضارات».

جيلز كيبيل هو أستاذ علوم سياسية فرنسي، و باحث رئيسي في المعهد الجامعي في فرنسا.

أقرأ المزيد لـ:  جيلز كيبيل

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم