الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

الاستجابة لإرادة الشعب في مصر

هبة ابو شنيف

هناك نقص في قنوات الاتصال المؤسسية الثابتة والمباشرة التي تحظى بالثقة ويمكنها أن تكون حلقة وصل بين الحاكم والمحكوم، ناهيك عن التنظيم البنّاء للتفاعل بينهما.

 

 

مع مرور أكثر من عام على ثورة 25 يناير في مصر، فإن البلاد لا تزال غارقة في مأزق لا نهاية له في مجموعة من القضايا، بما في ذلك التشكيل المحتمل للجنة صياغة الدستور التي ستتولى مهمة وضع دستور مصر القادم، بالإضافة إلى آلية نقل السلطة التنفيذية من المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى حكومة منتخبة وفق جدول زمني. وعلى الرغم من وجود عدد كبير من أصحاب المصالح والقضايا المطروحة، إلا أن أمراً بارزاً يتوجب علينا إدراكه وهو النقص في قنوات الاتصال المؤسسية الثابتة والمباشرة التي تحظى بالثقة ويمكنها أن تكون حلقة وصل بين الحاكم والمحكوم، ناهيك عن التنظيم البنّاء للتفاعل بينهما.

 

على من يحكم أن يدرك أن هناك عقداً اجتماعياً جديداً قيد الصياغة، ومحتواه أن المواطنين اعتبروا أنفسهم شركاء متساوين في عملية التطوير على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.

بالإضافة إلى وسائل الإعلام، هناك ميدان التحرير الشهير في القاهرة، حيث يُعتبر المنتدى الأول للنقاش حول هذه المواضيع، وحيث يتجمع الكثير من الناشطين السياسيين للتظاهر ضد المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الوزراء المكلف كمال الجنزوري. وعلى الرغم من رمزية ميدان التحرير المهيمنة على الأحداث في مصر واستمراره في جذب العديد من المتظاهرين ذوي الآراء الشرعية والقانونية إلا أنه، في أحسن الظروف، يقدم منصة لحديث منفرد وليس حديثاً متبادلاً. 

 

فالواقع أن ميدان التحرير لا يمكنه أن يكون بديلاً عن إطار مؤسسي وظيفي يُلتجأ إليه، حيث يمكن أن يتم الحوار بين المحكومين والحاكم، حتى في السياق السياسي لمصر في الفترة الإنتقالية.

 

لذلك فإنه من المغالطة أن نفترض أن التظاهرات سوف تتلاشى مع انتخاب رئيس وبرلمان جديدين، أو النظرإلى الإحتجاجات ببساطة على أنها ظاهرة مرتبطة بقوة مع المرحلة الانتقالية.

بناءً على النجاح الذي حققته الاحتجاجات في 25 يناير 2011، ومن حيث كونها تعبيراً عن مشكلات عدم المساواة والتفاوت الطبقي المتأصل عبر قطاعات الدولة الجغرافية أو الجنس أو عدم القدرة على الوصول إلى صناع القرار. فمعدلات الفقر المتزايدة من العقد الماضي، وعدم وجود طرق لإنصاف المواطنين في مواجهة الظلم، واتساع الهوة بين المواطنين والحكومة (وانعدام الثقة لدى المواطنين تجاه الإجراءات السياسية) ستكون كلها موجودة في اليوم الأول لنهاية «الفترة الانتقالية» أياً كانت السلطة السياسية التي ستئول إليها مقاليد الأمور، فمن المرجح استمرار قوة الدفع لتغذي الغضب حتى ولو للقيام بثورة جديدة إذا استمرت الحكومات المتتالية في العمل بنفس الطريقة القديمة المعتادة (وفي زعمها الذي لا يتجاوز النصوص الكلامية بأنها تسعى لتحقيق الديمقراطية التشاركية).

 

التغلب على المعضلة

 

هناك حاجتان أساسيتان ينبغي القيام بهما من قبل القائمين على السلطة للتغلب على المعضلة الحالية وللمساعدة على احتواء ما ستأتي به الأيام القادمة.

 

فالواقع أن ميدان التحرير لا يمكنه أن يكون بديلاً عن إطار مؤسسي وظيفي يُلتجأ إليه، حيث يمكن أن يتم الحوار بين المحكومين والحاكم، حتى في السياق السياسي لمصر في الفترة الإنتقالية

 أولاً: على من يحكم أن يدرك أن هناك عقداً اجتماعياً جديداً قيد الصياغة، ومحتواه أن المواطنين اعتبروا أنفسهم شركاء متساوين في عملية التطوير على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. 

قد يكون من المحتمل - ولو ظاهرياً - اعتبار أن إنجاز الأهداف المتعلقة بثورة 25 يناير قد فشل بسبب ديناميكيات القوى المضادة للثورة، وضعف الإرادة السياسية، والفشل المتصور للحكومات الانتقالية المتعاقبة، ومع ذلك فإن إدراك المواطنين لحقهم في المشاركة وتمسكهم باعتبارهم متساوين بشكل كامل في العقد الاجتماعي الجديد هو أمر اشتعل، والاحتجاجات لن تخمد إلا إذا تم العمل على هذا النحو بشكل ملائم، وفي ذات الوقت فإن المواطنين ينبغي عليهم مواجهة التحدي الذي يفرضه أي عقد اجتماعي، حيث إن كونهم شركاء متساوين يتضمن بالضرورة الموافقة على تحمل ما عليهم من الواجبات وحق المساءلة في إنجاز تلك الواجبات.

 

ثانياً: تقليص الفجوة بين سياسة الردود الحكومية المعروفة من جانب، واحتياجات المواطنين وتوقعاتهم من جانب آخر، سيكون حلاً لتحقيق الاستقرار وخاصة خلال وبعد الفترة الانتقالية. 

 

فإذا لم يتم تأسيس أنظمة وقنوات مشاركة كافية بصورة تسمح بحوار متبادل بين السلطة والمواطنين، ويحتوي على آليات لإنصاف المواطنين، فإننا على الأرجح سنشهد فترة طويلة من الاضطراب الاجتماعي؛ إذ لم يعد مقبولاً أن تعتبر الحكومة المواطنين متلقين سلبيين لما تتفضل به الحكومة عليهم، وبالتأكيد لا يُعتبر كافياً أن تقوم الحكومة بالاستماع لشكاوى العامة بدون خلق آليات إصلاح فعالة.

 

وفقا لذلك فقد ثبت أنه من الضار للإستقرار أن  تدعي قوة سياسية أن السياسات الحالية والمناقشات والمبادرات تعكس «الإرادة الشعبية» حينما يكون الواقع أنه لا توجد آليات لتحقيق ذلك ولو عن طريق صناديق الاقتراع. وهذه القوى السياسية عندما تقوم بتعريف «الإرادة الشعبية» أو قياسها فعليها القيام بتوضيحها توضيحاً جدياً، لأنه إذا كانت المناقشات والمبادرات تزعم أنها تعكس الإرادة الشعبية فإن الشعب لا يشعر ولا يعتقد ذلك.

 

 ما كان يحدث في السابق في عهد مبارك كان، في أحسن الأحوال، احتمال التمثيل الديمقراطي الذي كان على الدوام وفق انتقاء النخب الحاكمة سواء عن طريق التزوير، أو التلاعب بقوانين الانتخابات بشكل قانوني ولكن لا أخلاقي، بحيث تصب في مصلحة النواب الحاليين. وعندما ننظر إليها بدقة فإن التعديل الطفيف على الأنظمة الانتخابية المستخدمة منذ بداية الثورة ليس بالضرورة أحسن حالاً، حتى لو تم العمل بها بشكل جيد، فإن الصندوق الانتخابي لا يضمن أن كل الناخبين متساوون بقيمة أصواتهم.

 

ولنأخذ على سبيل المثال نظام القائمة المطبق حالياً في الانتخابات، وبالرغم من أنه نظرياً طريقة من طرق التمثيل الديمقراطي وتم استخدامه من قبل في بلاد أخرى وحقق نجاحاً نسبياً، لكن في واقع الأمر أن أسماء الأشخاص الذين سيمثلون الشعب فى المجلس – حسب نسبة الكراسي الذى سيكسبها الحزب فى الانتخابات- هما ليسوا من إختيار الشعب وإنما من إختيار صفوة من الحزب هى التى قررت ما هى الأسماء.

 

وهذا يعني أن هذه الطريقة تؤدي إلى اختيار أشخاص ليسوا عرضة للمساءلة، حيث إن الناخب المصري اختار قائمة الحزب ولم يخترهم هم، وبذلك ابتعد الناخب عمن يمثله في مجلس الشعب.

 

لذلك فإن موضوع تمثيل الإرادة الشعبية بطريقة عادلة وتمثيلية هو قضية تستدعي الاهتمام الان ولا يجوز تأجيلها إذا أرادت مصر أن تسير قُدماً بعيداً عن الخطابات المرسلة وأن تؤسس لديمقراطية على أساس المشاركة

وإذا كان هناك ناخبون غير راضين عن الأوضاع ففي الانتخابات القادمة سيعطون أصواتاً أقل لقائمة هذا الحزب فيقل عدد الأشخاص الذين سينجحون من القائمة، ولكن في الواقع أن هؤلاء كانوا على رأس القائمة السابقة والحالية بسبب نفوذهم السياسي القوي في حزبهم، وبذلك يصبح مبدأ مساءلة الأفراد الذين نجحوا في الانتخابات ضعيفاً لأن المساءلة عندئذ ستكون للحزب وليس للأفراد، مما يشكل علاقة غير مباشرة بين الناخب وعضو المجلس، وبذلك يجعل الذين يضعون القائمة من الحزب ذوي نفوذ سياسي قوي. 

 

بعيداً عن الكلام المرسل

 

لذلك فإن موضوع تمثيل الإرادة الشعبية بطريقة عادلة وتمثيلية هو قضية تستدعي الاهتمام الان ولا يجوز تأجيلها إذا أرادت مصر أن تسير قُدماً بعيداً عن الخطابات المرسلة وأن تؤسس لديمقراطية على أساس المشاركة. هذا النقاش الآن لا يعنى حمل رسائل ضمنية لتأليف وتشكيل لجنة صياغة الدستور والتي سوف تكتب دستوراً جديداً لمصر، بل سيكون له تأثير جدي على الانفتاح والمشاركة في النظام السياسي الجديد لمصر بما يتضمنه من قوانين ونظم تدير حق المشاركة وحق مساءلة أي مسئول رسمي بشكل مباشر (عو ضاً عن المساءلة غير المباشرة) عن سياستهم في مناصبهم، بالإضافة إلى نوع الآليات المؤسسية الموجودة لضمان أية نتائج دستورية. 

 

إن النقص الحاد في قنوات المشاركة يُعتبر من أكبر نقاط الضعف في العمل المؤسسي في مصر، بل إنه واحد من أكثر الأسباب التي أدت إلى وقوع النظام القديم، لذلك من المرجو عند كتابة دستور مصر القادم ألا نقع في نفس الخطأ مرة أخرى، وأن يكون هناك نقاش صادق قبل كتابته، حتى نصل إلى نموذج يعكس الحالة المصرية ويمثلها بشكل حقيقي، ويعبر عن تاريخها الحديث ويحقق الآمال في مستقبل أحسن. ولذلك فإن تشكيل لجنة كتابة الدستور سيكون أول اختبار حاسم للتحول الديمقراطي المصري، حيث إن هناك مخاوف حقيقية من التحيز لصالح المستفيدين من النظام الانتخابي الحالي. 

 

هبة ابو شنيف أخصائى فى سياسيات التنمية فى منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا ابو شنيف أخصائى فى سياسيات التنمية فى منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا

أقرأ المزيد لـ:  هبة ابو شنيف

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

samar

Jul 6 2012 5:47:51:483AM

عنوان المقال
المقال جميل، ولكني لم أفهم العنوان يبدو أن هناك كلمة ناقصة فيه. كما أن المعلومات عن خلفية الكاتبة كتبت مرتين.

samar

Jul 6 2012 5:47:58:327AM

عنوان المقال
المقال جميل، ولكني لم أفهم العنوان يبدو أن هناك كلمة ناقصة فيه. كما أن المعلومات عن خلفية الكاتبة كتبت مرتين.

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم