الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

ثمانية أشهر - مدى الحياة

كواسي كوارتنج

كانت زيارتي الأولى لمصر عام ١٩٩٨، وتبعت تلك الرحلة عدة زيارات مبهرة. وفي شهر مارس الماضي قمت بزيارة هذا البلد، تلك الزيارة التي من الطبيعي أن أقول أنها كانت الأكثر إثارة دون أدنى شك، حيث أنني كنت قد اُنتخبت العام الماضي عضوًا في البرلمان البريطاني، ومن ثم كان لي اهتمام خاص بمصر بوصفي سياسياً منتخباً حديثًا لبرلمان بلاده يزور بلدًا يخطو أولى خطواته نحو التحول السياسي.  


كنت عضوًا في بعثة صغيرة جدًا زارت مصر، وكانت قلة عددنا ميزة مهمة حيث سمحت لنا بلقاء العديد من الشخصيات المصرية من مختلف الطبقات على أرض الواقع، وشملت هذه الشخصيات ناشطين من الطلبة وساسة منتمين للنظام السابق للرئيس مبارك ورجال الأعمال وصناع الرأي. وقد أظهروا جميعًا حفاوة بالغة في استقبالنا وتحدثوا معنا بمنتهى الصراحة والتفتح. لقد كان وضعنا شبيهًا بالمحقق الذي يسأل مختلف الأشخاص عن رأيهم بخصوص حادث بعينه.


علينا أن نتذكر دائمًا أن ثورة الخامس والعشرين من يناير التي قادها الشباب من خلال الانترنت ليس لها مثيل في تاريخنا الحديث. ويجب أن نعلم أيضًا أن الفترة التالية من عدم الاستقرار السياسي هو أمر حتمي ومرحلة صعبة على مصر أن تجتازها. وعلى الرغم من أن العديدين قد وضعوا تصوراتهم لما تحمله الأيام المقبلة إلا أنه لا يوجد من يستطيع أن يزعم بأنه على يقين بما سيحمله المستقبل. لقد كان الاستفتاء على التعديلات الدستورية نقطة فاصلة في تاريخ ووضع مصر والعالم العربي. في هذا اليوم، وقف ١٨ مليون مواطن مصري في طوابير طويلة استمرت لساعات أمام مراكز الاقتراع لممارسة حقهم الدستوري والإدلاء بأصواتهم ، في مناخ من الهدوء والسلام وبأقل قدر من الاضطرابات. لقد كان الشعب المصري يستحق كل الثناء لأن هذا الحدث تم وسط أجواء من السلام والتحضر.


وعلام كانت تدور أفكاري أثناء جلوسي على متن الطائرة المغادرة من مطار القاهرة ومتجهه للندن؟ كنت أفكر بأن نسبة المشاركة السياسية مشجعة:كما أشرت فقد اشترك الملايين في التصويت على الإستفتاء. ولكن على الجانب الآخر، فوجئت بعدم التركيز والإفتقار للتنظيم اللذان أظهرتهما أغلبية الأحزاب السياسية المختلفة في مصر. بغض النظر عما أظهرته جماعة الإخوان المسلمين من تنظيم وتوجهات واضحة،  إلا أن باقي الأحزاب بدت تائهة في خضم الفوضى. هناك العديد من الأحزاب قيد الإنشاء، ولكن في كثير من الأحيان لا نعلم عنها حتى أسماءها، هذا بالإضافة إلى افتقار تلك الأحزاب إلى قاعدة فلسفية عريضة أو أيديولوجية محددة تنضم تحت لوائها. وقد سمعت أحد زملائي عضو البرلمان يتساءل «ما هي أحزاب اليمين الوسطي في مصر؟» لن يحتاج الأمر أكثر من تمضية يوم واحد في العاصمة المصرية والحديث مع النشطاء والساسة لتعلم مدى هذا السؤال السابق لأوانه.


ويجب ألا يدهشنا أن نجد الأحزاب في مصر وقد أصبحت في هذا الوضع المتردي والبدائي بعد أن استمر رجل واحد يحكم البلاد طوال ثلاثين عامًا. فعندما يتصدر رجل واحد المشهد السياسي ويتمتع بجميع صلاحيات السلطة المطلقة لهذه الفترة الطويلة، يكون من المنطقي أن تتسم عودة التعددية السياسية للمجتمع بالبطء.  


على الرغم من تفهمي لكل تلك العوامل، إلا أنني اندهشت من مستوى الحوار السياسي ، فالناس هنا لا يناقشون رؤيتهم الإستراتيجية لمستقبلهم السياسي، بل تدور معظم النقاشات حول الشخصيات والشائعات المتعلقة بالانقسامات والنزاعات، بدلا من الموضوعات السياسية الحقيقية المتعلقة بالإقتصاد والخدمات العامة ووضع مصر بالنسبة لدول العالم.


وكما قلت مسبقًا، فإن هذا الوضع كله كان متوقعًا، ولكن من واجب كل مصري يصبو إلى ازدهار الديمقراطية في بلاده أن يبدأ في الانخراط في الحياة الحزبية السياسية وتشكيل الاحزاب وتبني منهج فكري، ويشترك في المناظرات العامة للتحاور مع مواطنيه.


من وجهة نظري، أظن أن الوضع الاقتصادي هو العامل الأكثر أهمية وتأثيرًا على مستقبل البلاد. فهناك خطر شديد محدق بمصر ألا وهو الانكماش الاقتصادي الذي بدأ يلوح في الأفق مهددًا معظم الشعب، والذي قد يفضي إلى التطرف نتيجة الجوع وانتشار روح اليأس بين الجموع وفقدانهم للأمل فيما قد تأتي به الثورة. أما أنا، فبوصفي سياسيًا بريطانيًا وصديقًا لمصر، فإنني أدعو الغرب لتقديم معونات مالية لمؤازرة البلاد في هذا الوقت العصيب. وقد قمت بوضع جدول من الأسئلة المكتوبة الموجهة لوزير الخارجية البريطاني، وليام هيج، ليجيب عليها.


فإذا ما استقر الوضع الاقتصادي في البلاد، فسيكون هناك أكثر من سبب يدعو للتفاؤل بأن الديمقراطية ستترسخ في مصر، ولكن يبقى على الأحزاب السياسية أن تبدأ في العمل بقوة وتصميم. لقد صدمني تشاؤم وانهزامية من صوتوا بلا على التعديلات الدستورية حيث ظنوا أن فترة ثمانية أشهر غير كافية لتجهيز وتنظيم حزبًا سياسيًا. هناك مقولة لهارولد ويلسون، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، حيث قال «إن مدة أسبوع في عالم السياسية هي فترة طويلة من الزمان» إذا فثمانية أشهر قد تكون زمنًا لا نهائيًا. في ديسمبر ٢٠٠٧، بدت فرصة باراك أوباما معدومة في الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لخوض الإنتخابات الرئاسية، وذلك في المنافسة التي خاضها ضد هيلاري كلينتون، إلا أنه في يوليو من عام ٢٠٠٨ فاز بالترشيح وبدأت رحلته نحو كرسي الرئاسة.  


صحيح أن الأحزاب القائمة بالفعل في مصر لديها ميزة هائلة إلا أنه لا يوجد سبب يمنع أحزاب المعارضة من إحراز بعض التقدم وتأسيس قاعدة صلبة يمكنهم من خلالها أن يستكملوا بناء المستقبل. وكما قال فولتير فإن «الأفضل هو عدو الجيد»، بالطبع كانت  فترة عام ستكون أفضل من ثمانية أشهر، ولكن على الناس ألا يستغلوا قصر مدة الثمانية أشهر كذريعة لعدم المشاركة بكل حماس في هذه الفرصة الفريدة التي تتيحها الانتخابات هذا العام.

 

كواسي كوراتنج عضو في البرلمان البريطاني

أقرأ المزيد لـ:  كواسي كوارتنج

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

ロレックス デイトジャスト 夜光 明るい

Oct 9 2016 12:43:42:123AM

ロレックス デイトジャスト 夜光 明るい
先進とプロの技術を持ってプラダコピーバッグ 人気老舗 最新商品は掲載します。 2016新作、大量入荷。 特N品、N品、品質NO1、価格、全日本最低。 豊富な品揃えですので、是非、ご覧ください!毎日、2016年新品新作、掲載します。 最も著名なブランドコピーのルイヴィトンコピー, 日本に一番人気のスーパーコピーヴィトンバッグ,ヴィトン生地コピー,ヴィトンコピー財布.. 気のブランドコピー新作は定時に更新し、ご満足に添うようにいたします スーパーコピーブランド,偽物ブランド,スーパーコピーバッグ, スーパーコピー財布,ブランドコピー時計,ブランドコピー品 店長お薦めは以下の商品: クロエスーパーコピー,スーパーコピークロエ,クロエ偽物,クロエコピー [url=http://www.bestevance.com/rolex/king/index.htm]ロレックス デイトジャスト 夜光 明るい[/url]

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم