الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

الحياة أثناء التغيير: الحيرة في مقابل الذعر

يسرا بدر

أتينا، وأتممنا الثورة، وانتصرنا! والآن تملكنا الذعر!


كثيراً ما يسألني أصدقائي وأقاربي وزملائي عن شعوري نحو الأحداث في بلدي وإجابتي المعتادة هي أني متفائلة، ولكني أتجنب الدخول في التفاصيل، فأستمع وأبتسم وأترك الحديث لينتهي من تلقاء نفسه، والسبب وراء صمتي هو حيرتي التامة. 


حقاً، عقلي يشعر بحمل يفوق طاقته. 

في هذه الأوقات المضطربة، حيث تمر بنا أيام بلا انقطاع بلا أي حدث مهم ثم نجد أنفسنا تحت وطأة أحداث طاغية في عدة ساعات بسيطة، لا أملك سوى أن أشعر بالحيرة وعدم وضوح الرؤية، تتصارع الأسئلة في ذهني وتقابلها إجابات كثيرة، فلم تعد الحقائق موجودة، والآراء والنظريات تتطاير في كل مكان وفي كل اتجاه. 


أين الحقيقة؟

عندما تأتي المصادر الموثوقة بتصريحات متناقدة، فمن نصدق؟ وعندما تتمتع كل النظريات التي نسمعها بمنطق واضح ومقنع، فأيها نعتنق؟ وعندما تعتمد كل تنبؤاتنا للمستقبل على فساد الماضي، كيف نخرج بتوقعات معقولة؟


إن حجم وأهمية هذه الثورة لا يفوق خيالنا فحسب لكنه يفوق خيال العالم بأكمه، فعندما بدأنا لم تكن لنا أدنى فكرة اليعندما تأتي المصادر الموثوقة بتصريحات متناقدة، فمن نصدق؟ وعندما تتمتع كل النظريات التي نسمعها بمنطق واضح ومقنع، فأيها نعتنق؟ وعندما تعتمد كل تنبؤاتنا للمستقبل على فساد الماضي، كيف نخرج بتوقعات معقولة؟ أين نسير ولم نتوقع أبداً أن نصل إلى حيث نحن الآن، فمن المنطقي إذاً أن نقف الآن متحيرين وسط الأحداث.


إذاً، في هذه الأوقات المضطربة، يبدو لي أن الوضع العقلاني الوحيد هو الحيرة.

ومع هذا فمن المهم جداً أن أقول أن هناك خيط رفيع يفصل بين الحيرة والذعر، فلا بأس بالحيرة طالما أنها لا تؤدي إلى حماسة زائدة وقرارات غير عقلانية أو إلى أحكام وجنون تتعلق بما يجب فعله أو ما يجب الاعتقاد به.


ليست مبالغة أن نقول أن مصر بأكملها حائرة الآن، بداية من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الوزراء وانتهاءً بأبسط المصريين في شوارع المحافظات النائية في أنحاء البلاد، وحيث أننا جميعاً حائرين ولا نفهم بوضوح فمن الممكن أيضاً أن نقول أنه لا بأس بالحيرة، فلن تتفق دولة بأكملها على شيء ما إلا إن كان صحيحاً، أليس كذلك؟


ومن المهم الاتفاق على هذه القاعدة، يجب أن نؤمن بأنه لا بأس من الحيرة، ويجب أن نعترف أن مسألة «الحرية» هذه جديدة علينا جميعاً وأننا لا نعرف كيف نتصرف أو كيف نشعر أو كيف نساهم أو ماذا نعتقد، فكلنا كالأطفال لا نزال نتعلم المشي على قدمين، فعلينا أن نأخذ خطوات صغيرة نحو الفهم الصحيح للديمقراطية حتى نستطيع أن نعيش فيها وأن نمارسها في حياتنا اليومية وليس فقط في الحياة السياسية.


و مع الحيرة بدون الخوف، نبدأ في تسليح أنفسنا بالمعرفة والوعي، فإن أحد أفضل نتائج ثورتنا هو ذلك الك الهائلإن الحيرة، بدون الذعر، تتسبب في نوع مفيد من الفضول وتؤدي بالتالي إلى زيادة الوعي والمعرفة.
الفوضى سوف تهدأ. 
من المعلومات الذي أصبح متوفراً في كل مكان، وأصبح الانترنت وعاءً ضخماً تُصب فيه المواد الخام للدراسة، وبرامج الحوار التليفزيونية وقنوات الأخبار تقوم بعمل رائع الآن وقد حصلت أخيراً على قدر هائل من حرية التعبير، فأنا أؤمن أننا إذا قرأنا واستمعنا وناقشنا هذا الكم من المعلومات المتناثر حولنا سنستطيع أن نوازن بين إيجابيات وسلبيات النظريات المختلفة بحيث نخرج بمنطق واضح يناسب كل واحد منّا على حدة.


ومن الرائع أيضاً ذلك الكم من الندوات والمؤتمرات والمحاضرات التي تُعقد بانتظام في كل المدن المصرية، وبالاستماع إلى من هم أقل حيرة منّا نرى أن هناك أمل في الخروج من هذا النفق المظلم إلى النور، لكنه من الأهمية بمكان أن نتذكر ضرورة تشكيل آرائنا الخاصة، فمن السهل جداً والمغري أن ننضم إلى أيديولوجية معينة أو حتى حزب سياسي معين لمجرد أن أعضاءه جديرون بالاحترام والإعجاب، فإلي أي حد يعجبنا حقاً هذا الفكر؟ وما هو الذي دعانا إلى الاعتقاد بأن هذا الحزب أو ذاك يستحق الانضمام إليه أو تأييده؟


بالطبع قد نشعر جميعاً بالحيرة اليوم لكننا قطعاً لن نظل حائرين في المستقبل القريب، وكما أن الثمانية عشر يوماً الأولى من الثورة مضت بكل حيرتها واضطرابها فهذا أيضاً من شأنه أن يمضي، فالصورة تكتمل مع كل يوم يمر وتحدث أشياء جديدة كل أسبوع ونجد القيادات في السياسة والاقتصاد والإصلاح ينيرون عقولنا بشيء جديد في كل وقت.


فلنشاهد، ونستمع، ونستوعب.

ويمكن حتى أن نفاجأ بأن كل الحركات المختلفة الموجودة والنظريات والأحزاب تسعى إلى ذات الشيء، ويمكن للتحليل المتعمق أن يقدم لنا واجهة موحدة بمناهج مختلفة للوصول إلى ذات الهدف، فكلنا نريد لمصر أن تكون أفضل من السابق ولا نختلف إلا حول السبيل لتحقيق ذلك.


إن الحيرة، بدون الذعر، تتسبب في نوع مفيد من الفضول وتؤدي بالتالي إلى زيادة الوعي والمعرفة.


الفوضى سوف تهدأ.

سيستقر تزاحم الجماهير والأصوات العالية وتدريجياً لن يبقى إلا الصادقون.

هذه هي الحياة أثناء التغيير. 

 يسرا بدر المحررة بمؤسسة الدعاية و الاعلان العالمية "JWT" ، كاتبة مصرية بدأت مسيرتها المهنية أثناء دراستها في الجامعة في أواخر عام ١٩٩٠ في مجال الفنادق والضيافة

أقرأ المزيد لـ:  يسرا بدر

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم