الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

الأمر المحال

يمني خطاب

نعم أؤمن بأن الكنز في الرحلة نفسها، في الحكمة في الحب في الخوف في الأمل في كل ماسوف تمر به  على مدار رحلتك.


هي من أكثر رباعيات عمنا جاهين  قرباً إلى قلبي. طالما كنت مؤمنة بها وبالحكمة العميقة وراءها  . تسألت كثيرا هل هي فعلاً تدعو  للتفاؤل كما أعتقد ام هي مجرد دعوة للسلبية والإكتفاء بما لديك دون السعي إلى المزيد . كنت اربط دائما بينها وبين حكمة باولو كويلو التي يؤمن بها الكثيرون: الكنز في الرحلة. نعم أؤمن بأن الكنز في الرحلة نفسها، في الحكمة في الحب في الخوف في الأمل في كل ماسوف تمر به  على مدار رحلتك.  صلاح جاهين لخص تلك الحكمة في أرْبعة سطور عظيمة :

أنا اللي بالأمر المحال اغتوى 

شفت القمر نطيت لفوق في الهوا

طلته مطلتوش إيه أنا يهمني 

وليه... مادام بالنشوة قلبي ارتوى


قلبي هذه الأيام مليء بنشوى ليس لها حدود. أرى الجميع مشغول بالإعلان الدستوري والانتخابات البرلمانيةلم احلم بدولة مدنية ولا إسلامية ولا علمانية، لم ارغب في الغاء المادة اثنين ولا الإبقاء على الخمسين في المئة عُمال وفلاحين. لا أؤيد البرادعي ولا عمر موسي ولا البسطويسي، لم يكن محاسبة رجال النظام أو الإفراج عن المعتقلين يوماً من أولوياتي . ماحلمت به في الواقع هو حياة ديمقراطية حرة ومتحضرة، والرئيس القادم. الجميع يتحدث عن جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين والإتلاف وفلول النظام البائد. الجميع قلق متوتر مترقب متحمس غاضب ساخر ثائر. 


أما أنا... سعيدة. 

مستمتعة بكل لحظة أعيشها خلال هذه المرحلة، بالطبع مشغولة بأوضاع تتسم بالفوضى وعدم الاستقرار، ومؤكد تنتابني حالات من القلق لا يمكن إنكاره من مستقبل مجهول حتى هذه اللحظة، ولكن إحساس قوي بالتفاؤل والأمل هو المسيطر علّي هذه الأيام. صوت  بداخلي يؤكد علّي مراراً وتكراراً أني لن أتذكر من هذه المرحلة سوى تلك الأيام . صوت يدعوني إلى التفاؤل والاستمتاع بكل دقيقة كلما مرت على لحظة إحباط أو خوف. سؤال يصر ان يقفز في  رأسي : ما أسوأ شئ يمكن ان يحدث؟ واجابة سريعة لاتلبث ان تأتيني : لاشيء


طالما كنت أتمنى أن أعيش في حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي. عصر عبد الناصر الذهبي كما أحب ان أطلق عليه. أواجه باتهامات كثيرة لا تحصى فحواها ان عصر ناصر لم يكن ذهبي بالمرة . فترة مليئة بالمساوئ والهزائم والنكبات وكبت الحريات. وكان ردي دائما هو ان كل ذلك لا يهمني. ما يهمني هو تلك الحالة التي عاشها الشعب المصري خلال هذه الفترة من تاريخنا. هدف واحد كضوء خافت يطل من بعيد يجتمع الناس حوله ويسعوا نحوه بكل ما أوتوا به  من إيمان و قوة وحماس. كان لمصر في تلك الفترة حلم واحد وهدف سامي وسياسية داخلية وخارجية واضحة . كان هناك زخم سياسي ووطني .كانت هناك مشاعر تجتاح الكل في وقت واحد . مع خطاب التأميم الكل يطير فرحا وتعلو الأصوات باسم مصر ومع خطاب التنحي تذرف العيون دمعا ويهتف الجميع أيضا باسم مصر. لا أنكر انها فترة كانت مليئة بمشاعر سلبية متعددة . ولكن مشكلتي أنا مع النظام السابق هي عدم وجود مشاعر من الأساس. حالة من الركود كانت منتابة الشعب المصري طوال ثلاثين عاما مضت. لا يوجد هدف قومي يوّحد الجموع حوله .تلك الجموع التي فقدت الحماسة والإحساس بالانتماء ومعنى الوطن.   


اجتاح الشعب المصري منذ ٢٥ يناير مشاعر جياشة لم يختبرها من قبل . مشاعر ايجابية مليئة  بالامل والحماسسوف اعيش كل لحظة من هذه المرحلة بكل جوارحي وروحي وحماسي ووقتي  وقلبي، لايهمني إذا طلته أو مطولتوش مادام بالنشوة قلبي ارتوى والايمان في مستقبل أفضل وحياة حرة كريمة. مشاعر ايجابية يشوبها قلق وخوف وصراع وتعاطف وسخط . أيامنا التي نعيشها الآن آتت لي بكل ما كنت أتمناه. بناء دولة ديمقراطية حديثة أصبح هو الهدف الذي لا يختلف عليه اثنين، شعار الحرية والعدالة الاجتماعية أصبح هو دستور الشعب الجديد. الوزراء والمفكرين والسياسيين وقادة الجماعات الإسلامية أصبحوا أشهَر من لاعبي كرة القدم. أصبح الجميع يستيقظ على قراءة الصحف وينام على نشرة أخبار منتصف الليل. حالة من الزخم السياسي والثقافي تعيشه البلاد هذه الأيام. الحديث الرسمي في كل الملتقيات الاجتماعية والعائلية والعملية هو الحديث السياسي. الكل مهتم متحمس لديه نهم للمعرفة يشعر بالمسئولية ويرغب في المشاركة الفعالة. 


لم احلم بدولة مدنية ولا إسلامية ولا علمانية، لم ارغب في الغاء المادة اثنين ولا الإبقاء على الخمسين في المئة عُمال وفلاحين. لا أؤيد البرادعي ولا عمر موسي ولا البسطويسي، لم يكن محاسبة رجال النظام أو الإفراج عن المعتقلين يوماً من أولوياتي . ماحلمت به في الواقع هو حياة ديمقراطية حرة ومتحضرة، قالت لي احدى صديقاتي بصوت مليء بالامل والحماسة  يوم الاستفتاء …يمنى لقد تحقق حلمك، كنت قد تحدثت مع هذه الصديقة في الأيام الأولى من الثورة وقلت لها  لايهمني ان يخرج مليون مصري لميدان لإسقاط نظام طالما انهم لن يخرجوا  بعدها لصناديق الانتخاب لبناء نظام . ففي ايام الانتخابات خرج ملايين المصريين إلى كل ميادين مصر يقفون امام صناديق الانتخاب بابتسامة مشعة لاتفارق وجوههم  يشعرون بمنتهى اليقين ان صوتهم له وزن وقيمة وثقل في تحديد مصير بلادهم. وصف الجميع هذه الأيام بأنها عرس للديمقراطية في الوقت الذي وقف فيه أحد الكتاب ليقول هذا اليوم كان عرس ولكن بدون ديمقراطية، وأنا اتفق تماما معه الديمقراطية لن تأتي في يوم وليلة  أمامنا طريق طويل حتى نصل إلى مانسعى اليه ونطمحه. ولكني مستمتعة بهذا الطريق، مستمتعة بذلك الشغف السياسي الذي يجتاح الجميع، مستمتعة بالندوات السياسية والثقافية، بـلقاءات كبار الكتاب والسياسيين والمثقفين، بالاجتماعات الشعبية للأحزاب الجديدة و بالنزول إلى الشارع في حملات توعية سياسية. 


أشعر اننا على الطريق السليم ولكني قررت الا اشغل بالي بما سيحدث في المستقبل  وان اعيش كل لحظة من هذه المرحلة بكل جوارحي وروحي وحماسي ووقتي  وقلبي، لايهمني إذا طلته أو مطولتوش مادام بالنشوة قلبي ارتوى. 

يمني خطاب هي خبيرة اقتصادية في وحدة السياسات المالية الكلية، بمكتب وزير المالية بمصر. 

أقرأ المزيد لـ:  يمني خطاب

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم