الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الإقتصاد

الآثار الاقتصادية للثورة العربية

نورييل روبيني

إن المخاطر كبيرة، فالتحولات السياسية غير المستقرة يمكن أن تؤدي إلى مستويات مرتفعة من الخلل الاجتماعي والعنف المنظم والحرب الأهلية مما سيغذي المزيد من الاضطراب الإقتصادي و السياسي


نيويورك – الاضطراب السياسي في الشرق الأوسط له تداعيات اقتصاية ومالية قوية، خاصة وأنه يرفع من أخطار كل من الركود والتضخم، وهي تركيبة قاتلة من تباطؤ النمو وتضخم حاد في الأسعار، وبالفعل، إذا نشأ هذا الخطر المزدوج سيصبح لدينا خطر حقيقي من انزلاق الاقتصاد العالمي في كساد ينحدر مرتين إلى الأسفل وهو الاقتصاد الذي قد خرج بصعوبة بالغة من أسوأ أزماته في العقود الماضية منذ فترة قريبة جداً. 


نعلم أن الاضطرابات الشديدة في الشرق الأوسط كانت تاريخياً هي السبب في ارتفاعات حادة لأسعار النفط التي كانت بدورها السبب وراء ثلاث أزمات من الأزمات الخمس السابقة للكساد العالمي، فقد تسببت حرب اكتوبر عام ١٩٧٣  في ارتفاع حاد لأسعار النفط مما أدى إلى التضخم والركود العالميين اللذي تبعاها في ١٩٧٤-١٩٧٥ ، وكذلك الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ تسببت في ارتفاع مشابه لأسعار النفط مؤدية إلى ذات النتيجة وهي ركود عامي ١٩٨٠-١٩٨١، ثم أدى غزو العراق للكويت في أغسطس ١٩٩٠ إلى ارتفاع أسعار النفط في وقت كانت أزمة البنوك في الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل في دفع الدولة نحو الكساد.


وقد لعبت أسعار النفط دوراً كذلك في الكساد العالمي المدفوع بعمليات التمويل البنكية، فبحلول صيف ٢٠٠٨ ومباشرة قبل انهيار «ليمان براذرز» تضاعفت أسعار النفط على مدار ١٢ شهراً حتى وصلت إلى ذروتها عند ١٤٨ دولار للبرميل، وكان هذا بمثابة الضربة القاضية التي قضت على الاقتصاد العالمي الذي كان بالفعل ضعيفاً تواجهه صعوبات كثيرة بعد توالي الصدمات المالية عليه. 


لا نعلم حتى الآن ما إذا كانت العدوى السياسية في الشرق الأوسط ستنتشر إلى بلاد أخرى، فلا يزال احتواء الاضطراب ممكناً ومن شأن ذلك أن يعيد أسعار النفط إلى مستوياتها المنخفضة، لكن هناك احتمالات جادة بأن الانتفاضات ستنتشر وتؤدي إلى عدم استقرار في البحرين والجزائر وسلطنة عمان والأردن وحتى السعودية بمرور الوقت. 


حتى قبل بداية صدمات الشرق الأوسط السياسية الأخيرة صعدت أسعار النفط إلى مستوى يفوق ٨٠-٩٠ دولار للبرميل، ولم تكن الزيادة مدفوعة فقط بالاقتصادات الناشئة المتعطشة للطاقة ولكن أيضاً بسبب عوامل غير أساسية مثل: حائط من السيولة يطارد الأصول والسلع في الأسواق الناشئة بسبب قيمة تقترب من الصفر للفوائد البنكية وتسهيلات ائتمانية بكميات كبيرة في الاقتصادات المتقدمة، وأيضاً بسبب قوة الدفع وسلوكيات القطيع، وإمدادات من النفط محدودة وغير مرنة، وإذا انتشر خطر اضطراب الإمدادات النفطية إلى أبعد من ليبيا، أو حتى مجرد احتمال انخفاض في الإمدادات، فسوف يرفع ذلك من «فرق قيمة الخوف» من خلال التخزين الوقائي للنفط الذي يقوم به المستثمرون والمستهلكون النهائيون.


إن الارتفاعات الأخيرة في أسعار النفط – والارتفاعات التي تصحبها في أسعار السلع الأخرى وأهمها أسعار الغذاء
إن فترة التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط ستكون في أفضل الظروف فترة مليئة بالمطبات وعدم الاستقرار، فالدول التي عانت شعوبها من كبت رغبته في حياة أفضل يمكن لحماسة الديمقراطية فيها أن تؤدي إلى عجز كبير في الموازنة ومطالبات مبالغ فيها من الأجور وتضخم كبير في الأسعار مما قد ينتج عنه أزمة اقتصادية حادة. -  تنبئ بعدد من العواقب غير الحميدة (حتى إذا تجاهلنا مخاطر الاضطرابات الأهليه).


أولاً، ستنمو ضغوطات تضخم الأسعار في اقتصادات الأسواق الناشئة حيث تمثل أسعار النفط والغذاء حوالي ثلثي سلة الاستهلاك، وبأخذ مستويات الطلب المتدنية في الاقتصادات المتقدمة بطيئة النمو في الاعتبار يصبح من الممكن لأسعار السلع المرتفعة أن تؤدي إلى تضخم مبدئي في مجال تأثيرها الأول هناك ولا تؤدي إلا إلى تأثير طفيف من التضخم الحقيقي (خارج أسعار النفط والغذاء) في مجال تأثيرها الثاني، لكن الدول المتقدمة لن تخرج سالمة من هذه العملية. 


والخطر الثاني الذي تشكله أسعار النفط المرتفعة – وهو عبارة عن صدمة تتعرض لها التجارة و الدخل المتاح للأفراد في كل البلدان التي تستورد الطاقة والسلع، و سيضرب بقوة الاقتصاديات المتقدمة خاصة أنها بالكاد قد خرجت من حالة الكساد ولا تزال تمر بمرحلة نقاهة دقيقة.


أما الخطر الثالث فهو أن تنخفض ثقة المستثمرين بسبب أسعار النفط المتزايدة فينفرون من المخاطرات ويؤدي ذلك إلى حركات تصحيحية في البورصة سيكون لها الأثر السلبي على الإنفاق سواء الاستهلاكي أو الرأسمالي، والراجح أيضاً أن ثقة الشركات والمستهلكين أيضاً ستتأثر مما سيزيد من انخفاض مستويات الطلب بشكل عام.


فإذا ارتفعت أسعار النفط كثيراً – مثل الأسعار القصوى التي رأيناها عام ٢٠٠٨ – ستتباطأ الاقتصاديات المتقدمة بشدة لدرجة أن بعضها قد ينزلق مرة أخرى في الكساد، وحتى إذا استمرت الأسعار عند مستوياتها الحالية لمعظم هذا العام سيتباطأ النمو العالمي وسترتفع نسب التضخم. 


فما هي السياسات التي يمكن أن تُتبع كرد فعل بهدف الحد من خطر الركود والتضخم؟ بالنسبة للمدى القصير تلك السياسات محدودة جداً ومنها أن ترفع السعودية مستوى إنتاجها (وهي الدولة الوحيدة في الأوبك التي لا تنتج بأقصى طاقتها) وأن تستخدم الولايات المتحدة احتياطها الاستراتيجي من النفط حتى ترفع من مستوى العرض.


ومع الوقت الذي يمكن ان يستمر لسنوات يمكن للمستهلكين أن يستثمروا في موارد الطاقة البديلة وأن يقللوا من الطلب على الوقود الحفري من خلال ضرائب الكربون والتكنولوجيات الجديدة، ولأن الأمن الغذائي والنفطي يتعلقان بالاستقرار الاجتماعي والسياسي وليس فقط الاقتصادي فإن السياسات التي تحد من تقلب أسعار السلع من شأنها أن تصب في مصلحة المنتجين والمستهلكين. 


لكن وقت التحرك  هو الآن، إن فترة التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط ستكون في أفضل الظروف فترة مليئة بالمطبات وعدم الاستقرار، فالدول التي عانت شعوبها من كبت رغبته في حياة أفضل يمكن لحماسة الديمقراطية فيها أن تؤدي إلى عجز كبير في الموازنة ومطالبات مبالغ فيها من الأجور وتضخم كبير في الأسعار مما قد ينتج عنه أزمة اقتصادية حادة.


لذلك يجب تصميم برنامج مساعدات جريء وجديد للمنطقة على غرار خطة مارشال في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية أو على غرار الدعم المقدم لأوروبا الشرقية بعد سقوط حائط برلين، ويجب على التمويل أن يأتي من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة التعمير والتنمية إضافة إلى الدعم المبني على العلاقات الثنائية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين ودول الخليج العربي، ويجب أن يكون الهدف هو دعم الاستقرار الاقتصادي في هذه الدول بينما هي تتعامل مع التحولات السياسية الدقيقة.


إن المخاطر كبيرة، فالتحولات السياسية غير المستقرة يمكن أن تؤدي إلى مستويات مرتفعة من الخلل الاجتماعي والعنف المنظم والحرب الأهلية مما سيغذي المزيد من الاضطراب الإقتصادي و السياسي، وعلماً بمدى حساسية أسعار النفط فالآثار المؤلمة لن تقتصر على الشرق الأوسط.

 نورييل روبيني هو خبير اقتصادي أمريكي. يُدرس في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك و هو رئيس مجلس إدارة روبيني الاقتصادية العالمية، وهي شركة استشارات اقتصادية. 

أقرأ المزيد لـ:  نورييل روبيني

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم