السبت، ١٥ ديسمبر، ٢٠١٨ 

الإقتصاد

فلاحو مصر المنسيون

ماريا جوليا

وبخلاف لحظة ما في بداية العهد الناصري لم تقدم أي حكومة مصرية على خطوات مستنيرة بشأن العلاقة والتفاعل بين الأرض وموارد الطاقة والمياه وبشأن الموازنة بين استخدام الزراعة والصناعة والبناء من جانب واحتياجات النمو السكاني من جانب آخر

 

في المرة القادمة التي تقطِّع فيها ثمرة طماطم حمراء جميلة تذكَّر أن ريف مصر ينزف ويوشك على الموت، الأراضي الصالحة للزراعة تختفي بسبب انتشار الحضر والتآكل الساحلي والتملح ونضوب المغذيات وكذلك الأسمدة والمبيدات التي تُلوث القليل المتبقي لمصر من المياه (ومصر إحدى أفقر دول العالم من حيث المياه). ويعود الفضل للإصلاحات الزراعية في التسعينيات التي وضعها وزير الزراعة السابق يوسف والي تحت ضغط صندوق النقد والبنك الدولي في أن الفلاحين أصبحوا الآن فئة مجتمعية مهددة بالانقراض بعد أن كانوا في يوم من الأيام مصدر فخر لمصر التي كادت تحقق الاكتفاء الذاتي الغذائي.

 

منذ الأول من يناير عام ١٩٩٧ حرم القانون ٩٦ المزارعين من حيازة الأراضي (عقود الأراضي الموروثة) وعدلها باستئجار قصير المدى ودفع إيجارات بالقيمة السوقية، فارتفعت الإيجارات ارتفاعاً كبيراً من ٥٠٠ جنيه للفدان سنوياً إلى من ٤٠٠٠ إلى ٦٠٠٠ جنيه. ووفقاً لمركز الأرض لحقوق الإنسان - وهو أول منظمة غير حكومية تكرس جهودها لقضية المزارعين - عانى حوالي مليون مزارع من الإخلاء بسبب عدم استطاعتهم أن يدفعوا الإيجار أو بسبب الاستيلاء على الأراضي بدعم الدولة، وبأخذ أعداد الأسر في الاعتبار دخل حوالي خمسة ملايين من الفلاحين في حيز الفقر. 

 

ولم تؤدي الإصلاحات الزراعية إلى إيذاء المزارعين الصغار فحسب لكنها وضعت الدولة بأكملها في خطر، ففي حين انكبت الحكومة على زيادة صادرات مصر الزراعية ونجحت في ذلك بعض الشيء ظلت مصر لا تستطيع تغذية نفسها وهي اليوم إحدى أكبر عشر دول في العالم استيراداً للأغذية 

واضطر الكثيرون لأخذ قروض من بنك التنمية الزراعية بفوائد ابتزازية تراوحت بين ١٥ و ٢٠ بالمائة، وربما ذهبت الفائدة لتمويل المقر الجديد الفخم للبنك، وهو برج زجاجي ضخم بجانب مقر وزارة الزراعة القديم. ووفقاً لمركز الأرض لحقوق الإنسان، فهناك ما لا يقل عن ٢٢٥ ألف فلاح دخلوا السجن منذ عام ٢٠٠٤ بسبب إخفاقهم في تسديد الديون، وزادت نسبة الفقر في الريف زيادة كبيرة عن المتوسط القومي (٧٥٪)، وتقدر نسبة البطالة بـ٦٠٪ في حين أن ٥٢٪ من أطفال المرحلة الابتدائية يعانون من الأنيميا.

 

والعنف كذلك في تزايد كبير في الريف المصري بعد أن كان العنف عادة يرتبط بحياة المدن، ففي عام ٢٠٠٩ وحده كانت هناك ١٥١ حالة وفاة ٨٩٩ إصابة و ١٢٠٤ حالات اعتقال. وبسبب النزاع على الملكية (٤٩ حالة وفاة)، والنزاع على حدود الأراضي (٢٣ حالة وفاة)، وميراث الأراضي (١٩ حالة وفاة)، ومشاكل المياه (١٠ حالات وفاة). ومن أكثر الأمور الداعية إلى القلق النزاعات بين الجيران بدون سبب محدد (٥٠ حالة وفاة)، ومن الأمثلة على ذلك قتل رجل بالرصاص بعد أن تجولت بقرته في أرض شخص آخر، وعربة يجرها حمار دهست قدم أحد الأشخاص فقامت على إثر ذلك حرب قبائل أودت بحياة الكثيرين.

 

ولم تؤد الإصلاحات الزراعية إلى إيذاء المزارعين الصغار فحسب، لكنها وضعت الدولة بأكملها في خطر، ففي حين انكبت الحكومة على زيادة صادرات مصر الزراعية ونجحت في ذلك بعض الشيء ظلت مصر لا تستطيع تغذية نفسها، وهي اليوم إحدى أكبر عشر دول في العالم استيراداً للأغذية (ومعها لبنان وليبيا والجزائر والسعودية والمغرب)، وبينما عدد السكان ينمو وتنمو معه احتياجاته ترتفع أسعار الطعام العالمية بشدة وتتسبب في اضطرابات في كثير من الدول.

 

وفي مصر في صيف ٢٠١٠ الساخن ارتفعت أسعار الطماطم من سعرها المعتاد عند ٣-٢ جنيه للكيلو إلى أعلى معدلاتها على الإطلاق فوصلت إلى ١٥-١٢ جنيه للكيلو، فنزل المتظاهرون إلى الشوارع احتجاجاً على أسعار الغذاء التي ارتفعت إلى حوالي ثلاثة أضعاف في أقل من عامين، وهتف المتظاهرون «كيلو اللحمة بالتقسيط» وأيـضاً «علِّي علِّي في الأسعار خلِّي مصر تولَّع نار»، وحدث ذلك بالفعل بعد ستة أشهر. وكانت زيادة الأسعار تعود جزئياً إلى تجار المحاصيل منعدمي الضمير الذين لا يخضعون إلى تنظيم أو رقابة (ويسميهم أحد المزارعين «العصابة الخفية»)، لكن الطقس المدمر للمحاصيل كان له دور كبير أيـضاً، فإن التغيّر المناخي يعيث فساداً في المحاصيل في كل أنحاء العالم، ومصر تحديداً معرضة لتبعات هذا الخطر.

 

أحياناً يمكن لارتفاع الأسعار العالمية أن يعود بالنفع على المزارعين المصريين لكن هذا لا يحدث، فالسكر على سبيل المثال ارتفعت أسعاره عام ٢٠٠٩ من ٤٠٠ إلى ٨٠٠ دولار في الطن. ويقول أستاذ الموارد الزراعية في جامعة القاهرة نادر نور الدين إن: «فارق السعر بين أسعار المنتجين وأسعار السوق تم تحصيله عن طريق الشركة القابضة للصناعات الغذائية كأرباح سنوية وتم توزيعها على العاملين ولم يذهب شيء إلى المزارعين». والأسمدة أيـضاً (وهي أحد أكبر التكاليف التي يتحملها المزارع) انخفضت أسعارها العالمية عام ٢٠٠٩ لكنها لم تنخفض في مصر حيث تتحكم بعض الشركات في احتياجات قطاع الزراعة وتضع الأسعار كما يحلو لها، ومخططات التربح تركزت في القاهرة وتجاهلت المحافظات الزراعية مما أدى إلى زيادة الفقر في الأرياف، وهذه إحدى أفظع جرائم نظام الحكم التي لم يحاسب عليها، وكأن المصاعب التي يتعرض لها المزارعون تحدث في كوكب آخر، إلى هذه الدرجة ينفصل رأس مصر عن جسدها ويبتعد عنه.

 

لحسن الحظ أن الانتفاضة المصرية لم تنس الفلاحين تماماً، فهناك قرار حديث لوزارة القوى العاملة يسمح للعمّال بإنشاء النقابات المستقلة، وقد يثبت هذا القرار أنه مهم جداً لكل من الديمقراطية والإنتاجية الزراعية في مصر، فبالرغم من القانون الذي يمنع المظاهرات والإضرابات يمكن للمزارعين أن ينظموا جهودهم ويعرضوا مطالبهم معاً. وتشمل هذه المطالب منح الأراضي لصغار المزارعين والإعفاءات الضريبية وإلغاء ديون بنك التنمية الزراعية وإخلاء سبيل المسجونين بسبب الديون. 

 

وعندما تغيب الاستراتيجيات الذكية من أعلى إلى أسفل يأتي التغيير بالضرورة من أسفل إلى أعلى، فقد بدأت الثورة المصرية في المدن لكن حياة الوطن تعتمد حقيقةً على جذوره الشعبية، ففكر في هذا في المرة القادمة التي تقطع فيها ثمرة طماطم: إذا لم تتذكر رأس مصر جسدها، ستصبح معدتها فارغة وستفقد قلبها. 

ومركز الأرض لحقوق الإنسان يقود الجهود لإنشاء نقابات بين المزارعين رغم أن العاملين في المركز لا يزيدون عن ٢٠ موظفاً يعملون تحت الإدارة الدؤبة للمدير كرم صابر. واستطاع المركز أن يساعد مجموعات من المواطنين في ٤٠ قرية ومركز على تقديم أوراقهم للموافقة عليها (وهم مزارعون صغار وصيادون وعمال مصانع في مجال الزراعة)، وورش العمل التي تقام لهذا الغرض تبدأ بلحظة حداد على أرواح الشهداء الذين فقدوا أرواحهم للإطاحة بنظام الحكم، وحتى الآن ما الذي فعله مركز الأرض هو رصد وتوثيق الأوضاع في الريف وعرض مظالم المزارعين على النائب العام، وليست هذه مهمة سهلة إذا أخذنا في الاعتبار أن المزارعين يشكلون حوالي ثلث قوة العمل، ومع ذلك ليس لهم أي صوت حقيقي بداخل الحكومة.

 

ووفقاً للدستور في مصر منذ عام ١٩٥٦ فإنه يشترط أن يكون نصف أعضاء البرلمان الـ ٥١٨ من العمال والفلاحين، ويتم تعريف الفلاح على أنه «شخص مصدر رزقه الأساسي الزراعة ويقيم في الريف»، لكن على عكس ذلك يكون الأعضاء الفلاحون عادة من رجال الأعمال أو التجار أو أصحاب الأراضي الكبيرة أو المهندسين أو رجال الجيش المتقاعدين، أي أنهم أشخاص يستطيعون تمويل الحملات الانتخابية. ووفقاً لدراسة مستقلة حديثة فقد تم إنفاق حوالي ١٩ مليار جنيه مصري (حوالي ٣٫٣ مليار دولار) على الدعاية الانتخابية أثناء انتخابات برلمان ٢٠١٠ بعد أن كانت ٦ مليارات جنيه في الدورة البرلمانية السابقة. ويتساءل أحدنا كم من هذا المبلغ ذهب في شراء أصوات الناخبين. 

 

وفي الانتخابات البرلمانية يجدر بنا أن نتذكر أن المزارعين الصغار في مصر يمثلون كتلة انتخابية مهمة لأي حكومة مستقبلية تريد لنفسها الشرعية. إن أصواتهم الانتخابية قوية ومظالمهم مشروعة جداً، فهم دليل حي على سوء الإدارة وسلب الحقوق في مصر على مدار نصف قرن من الزمان. 

 

ليست هناك سياسة زراعية حقيقية في مصر، تماماً كعدم وجود حكومة حقيقية، فكبار المسئولين الذين كان يتم تعيينهم على أساس الولاء أو المصالح بدلاً من الكفاءة أو إجماع الشعب، كانوا بطبيعة الحال يسعون وراء أهداف قصيرة المدى ويتنافسون مع القطاعات والوزارات الأخرى بدلاً من التعاون معها لتنفيذ استراتيجيات طويلة المدى.

 

وبخلاف لحظة ما في بداية العهد الناصري لم تقدم أي حكومة مصرية على خطوات مستنيرة بشأن العلاقة والتفاعل بين الأرض وموارد الطاقة والمياه وبشأن الموازنة بين استخدام الزراعة والصناعة والبناء من جانب واحتياجات النمو السكاني من جانب آخر، وكذلك لا يعكس نظام التعليم الحاجة الملحة إلى إدارة بيئية أفضل – بما في ذلك الطاقة البديلة وخطط الزراعة والري – على المستويين الوطني والإقليمي، وهذه مجالات يجب على  مصر أن تكون في صدارتها، لكن لا يوجد أي تنسيق مؤسسي أو رؤية شاملة، وكل ما يحدث هو سقوط مستمر نحو الدمار البيئي والفقر وسوء التغذية.

 

وعندما تغيب الاستراتيجيات الذكية من أعلى إلى أسفل يأتي التغيير بالضرورة من أسفل إلى أعلى، فقد بدأت الثورة المصرية في المدن لكن حياة الوطن تعتمد حقيقةً على جذوره الشعبية، ففكِّر في هذا في المرة القادمة التي تقطِّع فيها ثمرة طماطم: إذا لم يتذكر رأسُ مصر جسدها، ستصبح معدتها فارغة وستفقد قلبها. 

 

نشرت هذه المقاله لأول مرة بجريدة المصرى اليوم

 

 

ماريا جوليا أقامت في مصر لفترة طويلة وهي مؤلفة كتابي « القاهرة: مدينه الرمال» و «التصوير الفوتوغرافي ومصر» تعمل مراسلة دائمة لجريدة الشرق الأوسط بالمملكة المتحدة. وكاتبة في نيو انترناشيوناليست إكسفورد

أقرأ المزيد لـ:  ماريا جوليا

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم