الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

الثورة غير المعلنة في العالم العربي

ليزا أندرسون

على الأقل ثورة التغيّر بين الأجيال قد بدأت بالفعل وأصبح الآباء في المنطقة فخورين ومندهشين وأيضا، وهو أمر مفهوم، نادمين على سرعة تخطيهم وانسحاب البساط من تحت أقدامهم.


لعلّ أقل خصائص ما عُرف في مصر بثورة ٢٥ يناير تناولاً هو أن الثورة كانت في الواقع مسألة عائلية، بالطبع كلنا نعلم أن شباب مصر كان لهم نصيب الأسد من تنظيم وقيادة المظاهرات التي نتج عنها الإطاحة بحسني مبارك في النهاية، لكن فور عودة وسائل الاتصالات عبر الانترنت والهواتف المحمولة مرة أخرى في أول أيام الثورة سارع الآباء في أنحاء مصر – بل وفي أنحاء العالم حقيقةً بناءً على ما عرفته من محادثاتي في نيويورك وواشنطن بعد الأحداث بشهر – بالاتصال بأصدقائهم وهم منبهرون من شجاعة وإبداع أبنائهم في تصعيد المظاهرات والحفاظ عليها، كل الآباء والأمهات الذين أعرفهم تقريباً تحدثوا عن زيارتهم لميدان التحرير آخذين معهم البطاطين والطعام وهم مندهشين من إصرار والتزام هذا الجيل الذي كنا نظن قبلها بأسابيع أنه نفر من الحياة العامة وانعزل عن السياسة.


إن فخر الآباء المصريين بأبنائهم الثوريين يعتبر نقطة قوة كبيرة جداً في التحوّل السياسي، وهذه القوة ستدعم أهداف الثورة وتحافظ عليها لفترة طويلة بعد المساومات والخلافات المملة التي تتسبب فيها بداية العملية الديمقراطية على المستوى اليومي مع نشوء الاختلافات داخل الأسرة حول السياسات وتأييد الأحزاب المختلفة، ومع ذلك فهناك نوع من الأسى يختلط مع بهجة الآباء وشيء من الحرج أن جيلهم لم يستطع تحقيق ما فعله أبناؤهم. 


ممكن القول بأن الجيل العربي العالق بين جيل الحكّام أبناء الثمانين والتسعين من العمر وبين جيل المتظاهرين أبناءإن فخر الآباء المصريين بأبنائهم الثوريين يعتبر نقطة قوة كبيرة جداً في التحوّل السياسي، وهذه القوة ستدعم أهداف الثورة وتحافظ عليها لفترة طويلة بعد المساومات والخلافات المملة التي تتسبب فيها بداية العملية الديمقراطية على المستوى اليومي مع نشوء الاختلافات داخل الأسرة حول السياسات وتأييد الأحزاب المختلفة العشرين والثلاثين هو جيل مفقود، لا شك أن هناك أموراً فعلوها تستحق الفخر، فاستثمارهم في تعليم أبنائهم قد أتى ثماره بوضوح، وليست هذه ملاحظة تافهة فاستثمارات التعليم هذه كانت واقعية ويمكن حسابها بسهولة، ففي أنحاء مصر وأماكن أخرى كثيرة في العالم العربي ليس التعليم مجانياً بما في ذلك التعليم الحكومي متوسط الجودة، لأن الأسرة تجد أنه من الضروري الاستعانة بالدروس الخصوصية التي تتكلف أموالاً كثيرة لتعويض الأطفال عن سوء مستوى التعليم في الفصل المدرسي في النظام الحكومي العام، وقد دفعوا الأموال بالفعل اقتناعاً منهم برغم الظروف أن التعليم يحمل معه الطريق إلى حياة أفضل لأبنائهم.


وبالطبع أصبحت هذه القناعة حقيقة وتأكد ذلك بأسلوب ما كان للآباء أن يتوقعوه أبداً، ربما أن أبناءهم لم يجدوا العمل الذي ظنوا أنهم يستعدون له بالدراسة والتدريب لكنهم وجدوا شيئاً في نفس الأهمية وهو الشجاعة في تحدي السلطة. 


وهذا لأن هؤلاء الشباب، مثل أقرانهم في أنحاء العالم، حصلوا على تعليم إضافي، تعليم مُكمِّل، وشكّل هذا التعليم علاقاتهم ليس ببعضهم البعض فقط و لكن بعائلاتهم وبالسُلطة أيضاً، فهذا هو الجيل الذي علّم أبويه كيف يتعاملان مع جهاز الفيديو (كما نقول في المثال الأمريكي الساخر)، لقد تعلّم هذا الجيل بنفسه أشياءً لم يكن آباؤهم ليحلموا بها فضلاً عن أن يفهموها، وبالتالي فكل أب وأم اليوم قد مرّ بتجربة التعلّم من الأبناء، هم من علّمهم كيف يحصلون على عنوان الإيميل وكيف يتصفحون الانترنت وكيف يستخدمون فيسبوك، فالحال إذاً مختلف عن الآباء الذين نشأوا في قناعة أن آباءهم يعرفون أكثر منهم حتى وصلوا إلى منتصف سن العشرينيات مثلاً، هؤلاء الشباب نشأوا مع آباء لا يعرفون كل شيء بل وفي الواقع يعتمدون على دعم وإرشاد أبنائهم.


استطاعت هذه التجربة، من الاعتماد على الذات والتعلّم من الأقران وانعكاس الأدوار، أن تعطي القوة لهذا الجيلفالحال إذاً مختلف عن الآباء الذين نشأوا في قناعة أن آباءهم يعرفون أكثر منهم حتى وصلوا إلى منتصف سن العشرينيات مثلاً، هؤلاء الشباب نشأوا مع آباء لا يعرفون كل شيء بل وفي الواقع يعتمدون على دعم وإرشاد أبنائهم. الشاب، وسمحت له أن يتحدى السلطة بإصرار وانضباط وحتى بامتنان وقد ظهر الامتنان بطرق مهمة جداً، فهذا الجيل يعلم كيف استثمر فيهم آباؤهم وينوون استرداد العائد على هذا الاستثمار. 


لكنهم سيتخطون آباءهم أثناء سعيهم لتحقيق هذا العائد، ومتوسطو العمر في العالم العربي اليوم قد يجدوا أنفسهم يتأخرون خلف الشباب بطرق لا تلاحظ بسهولة وربما تكون مؤلمة أحياناً، لقد انتظروا دورهم في السلطة بصبر وهدوء والآن يجدون أن قواعد اللعبة تغيرت وأنهم لا يملكون المهارات ولا العلاقات ولا السلطة في ممارسة النفوذ الذي طالما انتظروه واستعدوا له، لكن الجيل الثاني و هم أبناؤهم  قد يثبت أنه أكثر استعداداً وأن علاقاته أوسع وأنه أقوى، ولا شك أن نجاح الأبناء سيعطي الآباء سبباً للفخر والتفاؤل والسعادة، ومن المفهوم والمغفور أن يشعر جيل الآباء بشيء من الندم، فمن ناحية لم يصبحوا أبطالاً يُسعِدون آباءهم أثناء شبابهم عندما اجتاحت العالم موجة عملاقة من تحرير الأوطان والعدالة الجماعية في منتصف القرن العشرين، ومن ناحية أخرى لم يتحوّلوا إلى أنصار عمليين للحرية الشخصية والكرامة كما حدث لأبنائهم.


هناك الكثير من الأمور المؤسسية التي من شأنها أن تحافظ على إنجازات ثورة ٢٥ يناير وأخواتها في المنطقة العربية، مثل كتابة الدساتير وتأسيس الأحزاب وخوض الانتخابات وإصدار التشريعات وضمان الحقوق، ولهذا السبب يتردد الكثير منّا  في تسمية هذه الانتفاضات ثورات إلى أن تتم طريقها، ولكن على الأقل ثورة التغيّر بين الأجيال قد بدأت بالفعل وأصبح الآباء في المنطقة فخورين ومندهشين وأيضا، وهو أمر مفهوم، نادمين على سرعة تخطيهم وانسحاب البساط من تحت أقدامهم.

عُينت ليزا أندرسون رئيسة للجامعة الامريكية بالقاهرة في يناير ٢٠١١.

أقرأ المزيد لـ:  ليزا أندرسون

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم