الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

فرقاء الثورة

محمود سالم "Sandmonkey"

 يقولون أن جميع الثورات تمر بالدورة ذاتها:  تبدأ في الشتاء، يشتد لهيبها في الربيع، تفتر في الصيف، ثم يأت الخريف بالثورة المضادة والمعركة الأخيرة من أجل المستقبل. إذا آمنا بهذا المبدأ نجد أن الثورة المصرية تسبق ذلك الجدول الزمني ولا تزال الأجواء مشحونة. الأحداث تتوالى بسرعة متزايدة والارهاق ينال منا جميعاً. لقد بات هذا واضحاً في المناخ العام بمصر.  


كلنا يكلم بعضه البعض ولكن لا أحد يستمع لأحد. ولا شك في أن ذلك سيكون له عواقب وخيمة ولكن لا أحد يبدي إهتماماً.  


لقد سئم العامة «غير الثوريين» من الثوار، فهم بالنسبة لهم ليسوا سوى مشاغبين لا يملكون خطة عمل.  

 

في حين يكون رد الثوار على خيبة أمل وريبة المواطن العادى هو آن ذلك حاله منذ فبراير. فبالنسبة لهم المواطن العادي دائماً تعس ولا يوجد لديه حلول واقعية ولا يتحدث عن المشكلة الأساسية بموضوعية، فلما نبالي؟ فهذه الثورة هي الوحيدة في التاريخ التي يتحتم علي الثوار فيها تذكير الشعب بصفة دائمة على أنهم معهم. ولكن حتى ذلك قد توقف.  


وبعيداً عن ذلك كله، فالحقيقة هي أن هذه الثورة ليست مجرد مجموعة من العاطلين، أو صبية تعيسة مدللة  أو فقراء فى ميدان التحرير، هي ردة فعل عنيفة تجاه مشكلة. وهي ليست مشكلة واحدة، هي مجموعة من المشاكل المدمرة لبلدنا والتي إختارت الأغلبية تجاهلها. فلقد إستشرى الفساد بدرجة غير مسبوقة تلازمه إبنة عمه «عدم الكفائة» والكل كان متضرراً ولكن أحداً لم يفعل شيئاً. بل تأقلموا على الوضع ولم يفكروا إلا في اليوم ولم يبالوا بغدٍ حتى جاء اليوم الذى تحركت فيه الأمة كرجل واحد.  


لكن الفساد ليس هو المشكلة التي أدت إلى الثورة. المشكلة الحقيقية هي علاقة المواطن بالدولة على جميع المستويات التي يمكن تخيلها، فمن عدالة القانون وعدم تطبيق العدالة إلى حقوق الفرد الشخصية إلى سوء الخدمات (كالتعليم والرعاية الصحية…إلخ) إلى سوء أو غياب التخطيط الاقتصادي والاجتماعي والعمراني. وهذا ليس بجديد. فلم يكن هناك أي اهتمام بهذا كله منذ زمن بعيد، وإن وجد يكون بصورة رد فعل بحد أقصى. ولأنه لم يكن هناك مسئولية فلم يكن هناك تطوير. لقد جائت هذه الثورة لتنمى مبدأ مسئولية ومسائلة الحكومة أكثر من أي شيء آخر، وللأسف، حتى الآن لا يمكننا تحقيق ولو القليل من هذا الهدف أو القليل من التقدم إلا بممارسة الضغط من خلال التظاهر فهو سلاحك الوحيد.  


آسف يا أمي .. آسف يا أبي .. آسف يا شعب فنحن لا نريد أن نغضبكم بمواجهتكم بمشكلاتكم، فيا ليت بالتمني تزول المشاكل.  


أنت مٌرغم على سجال التحرير حيث عامة الشعب يريدون السلام والهدوء بينما لا يأتي التغيير إلا بمواصلة الضغط الآت من الميدان، لذلك فأنت تواظب على الذهاب هناك ولتحافظ أيضاً على السمة السلمية للتظاهر، إلا أنك دائماً ما تتعرض لإعتداء منظم من «البلطجية». ومع مرور الوقت تعتاد على القتال في الشوارع وعندما ترى مطالبك السلمية لم تزل محلك سر تبدأ في التفكير بأنه ربما لم تعد السلمية وسيلة مجدية. ثم تُجر إلى مواجهة عنيفة الواحدة تلو الأخرى بينما يصرخ الإعلام «تطلعوا، أنظروا، إنهم بلطجية، لا يمكن الوثوق بهم». والبعض يصدقهم بينما يتحسر آخرون على وهم «الثورة السلمية» التى تتبدد أمامهم. وفى أثناء ذلك يفقد الثوريون الدعم الشعبي، يحاصرهم الإرهاق والإنفعال والصراعات الداخلية، وكأنها تراجيديا يونانية مجنونة. إلا أنهم يواصلون المسيرة بينما يتساقط رفقائهم على جانبي الطريق. والأجهزة الأمنية تطيل المعركة لتستنفذ قوى الثورة ليكون لهم النصر المطلق بقتل الثورة، وتعود الأمور لما كانت عليه.  


ولكن الأمر ليس بهذه البساطة...

وخلاصة الموضوع أن المتظاهرون ليسوا أساس الموضوع. فإذا متنا كلنا أو وضعنا في السجون، فلن يتغير شيء، في الواقع نحن لسنا المشكلة. ستبقى المشكلة على الرغم منا لأن الناس لن تقبل بعد الآن بسوء معاملة وظلم الشرطة والجيش لهم. وستظل المشكلة قائمة لأن حتى أكثر المصريين فقراً وأقلهم تعليماً يدرك أن شيئاً ما خطأ ويستوجب التغيير. ومع حتمية موت فكرة «التظاهر السلمي» كوسيلة لتحقيق مطالبنا سوف تَلقى فكرة أخرى، ليست على نفس الدرجة من السلمية، شعبية أكبر. وهى، كالعادة، مسألة وقت.  


لقد قلتها مليون مرة: لقد جائت هذه الثورة لدرء ثورة أخرى، ثورة أكثر عنفاً، يعلم الجميع أنها آتية. كل مطالبنا كانت تهدف لإبطال مفعول هذه القنبلة، وبعدم تحقيق هذه المطالب تتلاشى قدرتنا على منع الانفجار. هذا ليس ترهيباً، إنها الحقيقة.    


لذا نرجو ألا تلومونا حين يحدث ذلك. كل ما نفعله هو دق أجراس الخطر أملاً فى أن تصحوا لتساعدونا في الوصول إلى حلٍ قبل فوات الأوان. بينما أنتم لا تفعلون شيئاً. نحن ندفع بمحاسبة الشرطة لأننا لا نستطيع العيش في بلد يعذَب ويُقتل أهلها بأيدي الشرطة ثم ندعها تمشي. فكيف لنا أن نفخر ببلد كهذه. ماذا نفعل والشرطة متوحشة والمحاكم زائفة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة إما غير قادر أو غير راغب في عزل المسئولين عن قتل المتظاهرين في ٢٥ يناير والنظام لا ينفع أحداً؟ نحن محبوسون بين الرحا ولكن شيئاً ما لابد أن يجدي. هم يريدون أن تكرهونا. يريدون أن تعتقدوا أننا ربما نستحق ما هو آت. وربما هذا هو ما جعلنا نتوقف عن الحوار. لقد افترقنا ولم نعد نصر على أن نبقى معاً.  


يوم ما سينتهى الصراع وتصبح هذه الدراما سوى ذكرى بعيدة لوقت كان العالم فيه يحترق والمستقبل كان مخيفاً وليس أملاً. آمل أن يكون كلانا هناك، في بلد إلتئمت جروحه وأصبح له مستقبل. ولسوف نصل، ليس لأن الثوار على صواب أو لذكائهم، بل لأن الحقيقة التي لا مفر منها ويشهد بها التاريخ ورأيناها تتكرر مراراً منذ ٢٠٠٠ عام هي أنك لن تستطيع قمع شعبك طويلاً، لأنهم دائماً أكثر عدداً من أن تسيطر عليهم  إلى الأبد. فإن الدوائر حتماً تدور. تلك حقيقة يمكنك الإعتماد عليها.

قرد الصحراء ، محود سالم مؤلف و مدون و ناشط يمكن قراءة مدونته من خلال sandmonkey.org و على تويتر sandmonkey@

أقرأ المزيد لـ:  محمود سالم "Sandmonkey"

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم