الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الإقتصاد

روح المبادرة: توسيع دائرة الفرص

بروك داهل

الحرية الاقتصادية هي القدرة على اتخاذ قرارات شخصية تخص العمل والتعليم والأسرة والمال وموضوعات أخرى مهمة جداً بما يتناسب مع آمال وطموحات صاحبها


الرغبة في الفرصة موجودة في نبض قلب الديمقراطية، كل إنسان يطمح إلى تحقيق ذاته وتوافر الفرص يسمح بتلبية هذا الطموح، لذلك فالسؤال الحرج للعمل أثناء أي انتقال للديمقراطية يتناول كيفية صياغة إطار عمل يسمح للفرص أن تعرض نفسها وتنتشر، ونعلم أن توافر الفرص أمام المصريين العاديين كان محدوداً بسبب فساد الحكومة والقيود البيروقراطية والتمويل المحدود، وأنا أود أن أتناول كل من هذه الأسباب وأن أعرض بعض الأفكار الموجزة حول كيفية توفير وضمان وجود فرص كثيرة لجيل كامل من المصريين الموهوبين، وليس الهدف أن أقدم قائمة تحصي كل الحلول الممكنة لكن أن أشجع المصريين على أخذ التحديات التي يواجهونها في الاعتبار بداخل إطار من العمل بروح المبادرة وأن نتناقش ونتفق على مجموعة حلول مصرية خالصة لمواجهة تحديات المرحلة الانتقالية. 


إن روح المبادرة، المتمثلة في إنشاء العمل الخاص الصغير وإدارته، تعتبر أحد أعظم سُبُل خلق الفرص في الاقتصادات الحرة، فالقدرة على امتلاك وإدارة العمل الخاص، سواءً كان عبارة عن بيع منتجات غذائية أو توفير خدمات مهمة في التعليم أو الصحة، هي أحد أكثر طرق خدمة المجتمع إرضاءً لصاحبها، لهذا فمن المهم جداً أن تتخذ الحكومة كل الخطوات اللازمة لتيسير قدرة الأفراد على تحويل أفكارهم إلى مشروعات حقيقية، سواء كانت في صورة شركات أو كيانات غير هادفة للربح أو غير ذلك. 


الحرية السياسية التي تشملها الديمقراطية مربوطة ربطاً وثيقاً بالحرية الاقتصادية، ونجد أن المعنى الأصلي لكلمة «اقتصادي» بالانجليزية (economic) يعبّر عن فكرة الأسلوب الأمثل في إدارة كل جوانب حياة الإنسان، إنها تعني أكثر من مجرد المال والأعمال، لهذا فبالإشارة إلى الحرية الاقتصادية أقصد القدرة على اتخاذ قرارات شخصية تخص العمل والتعليم والأسرة والمال وموضوعات أخرى مهمة جداً بما يتناسب مع آمال وطموحات صاحبها، وهناك عدد من الأسباب التي تجعل من هذه النظرة الواسعة لفهم «الاقتصاديات» مهمة. 


أخلاقيات المال

بالطبع تعني الاقتصاديات التعامل مع المال، لكن المال ببساطة عبارة عن وسيلة ورقية لتحويل العمل إلى قيمة، إذا عمل شخص اليوم حصل على أجر مادي، والأجر المادي كناية ملموسة عن العمل الذي قام به، ومن هذا المنطلق فالمال ليس إلا رمزاً على القيمة التي يقدمها الإنسان للمجتمع. 


علاوة على ذلك فالمال أيضاً وسيلة لتحويل مجهودات اليوم إلى قيمة في المستقبل، والسبب أن المال يمكن استخدامه لشراء أشياء في الغد، فالمال إذاً، بدلاً من أن نعتبره شراً، يمكن ببساطة أن يكون طريقة جيدة للإشارة إلى القيمة المضافة إلى المجتمع والتي تسمح لنا بالاستمرار في المساهمة في المستقبل، وبالتالي فالمال الذي نجنيه من إدارة العمل الخاص يساوي أكثر بكثير من مجرد مادة، وهذا ينطبق أيضاً على التبرعات التي تذهب إلى إدارة الكيانات غير الهادفة إلى الربح ومؤسسات المجتمع المدني، تلك التبرعات تعطي قيمة للمساهمة والجهد الذان يبذلهما الإنسان. 


وطبعاً بإمكاننا أن ننسى قيمة المال الحقيقية بطرق مؤذية، فالناس يتقاضون المقابل المادي أحياناً نظير ما لا ينفع المجتمع بالضرورة وليس كل ما ينفع المجتمع يعود بالمقابل المُرضي على صاحبه، ومن السهل أن نرصد سلبيات الحرية السياسية والاقتصادية في المجتمعات الديمقراطية، فنجد دنو الأخلاق والجشع واهتمام زائد بالأشياء المادية في الحياة، لكن مع علم أن الحرية تسمح بسوء استغلال مثل هذه المغريات تظل مميزات النظام الديمقراطي الحر (متمثلة في قدرة المواطنين على تنمية مواهبهم والسعي وراء مستقبل مشرق واستخدام المواهب والمهارات في نفع المجتمع) أهم من أن نضحي بها من أجل إقصاء الخطيئة بكل أنواعها، فعلى من يسعون وراء الفرص والنجاح أن يعتنقوا الديمقراطية بينما يشجعون المواطنين أقرانهم على تجاوز مغريات الحرية، لابد ألا يخافوا من مَنحْ الحرية بسبب التحديات التي ستأتي بها. 


الحكومة تنشئ الإطار الذي يسمح بتوافر الفرص

الحكومات الديمقراطية حقاً ملزمة بإنشاء إطار عمل يضمن توافر الفرص، لابد على الديمقراطية أن توسع دائرة الفرص المتاحة بحيث يمكن للجميع أن يساهم في الحياة الديمقراطية، وهذا يحتاج إلى تأسيس بيئة تنظيمية وقانونية تعطي الناس المساحة التي يستطيعون فيها تحويل أفكارهم إلى واقع وعمل. 

 

لا شك أن الفترة الانتقالية التي تسبق الديمقراطية هي فترة حرجة يتم فيها وضع الأساس المهم الذي يضمن وجودالحكومات الديمقراطية حقاً ملزمة بإنشاء إطار عمل يضمن توافر الفرص، لابد على الديمقراطية أن توسع دائرة الفرص المتاحة بحيث يمكن للجميع أن يساهم في الحياة الديمقراطية، وهذا يحتاج إلى تأسيس بيئة تنظيمية وقانونية تعطي الناس المساحة التي يستطيعون فيها تحويل أفكارهم إلى واقع وعمل.  دائرة متسعة من توافر الفرص بعد ذلك، وإن وقعت الأخطاء في تلك الفترة قد تصبح النتيجة عبارة عن هيكل حكم يقيد توافر الفرص بطرق لم يقصدها أحد، ولأجل التأكد من توافر الفرص على أكمل وجه فيما بعد يجب على المواطنين الاهتمام بثلاثة أمور إذا لم تعالج بنجاح سوف تقف عائقاً أمام توافر الفرص، وهي فساد الحكومة والبيروقراطية المستبدة وصعوبة الحصول على فرص التمويل، وسأناقش الآن أهمية كل منها. 


الوضوح بشأن الفساد

بالرغم من أن مصطلح الفساد كثير الاستخدام فهو ليس مفهوماً بوضوح، الوضع الحالي بالنسبة لحسني مبارك ودائرة المقربين منه ليس إلا مثالاً واحداً من الفساد، وسيطرة أحمد عز على صناعة الحديد تبدو مثالاً على نوع العلاقة التي تؤدي إلى ظلم يمنع توافر الفرص أمام الآخرين والسعي إليها، لكن من المهم جداً أن نفرق بوضوح بين النجاح العادل والنجاح الظالم، فنجاح الأعمال والمشروعات ليس دليلاً في حد ذاته على الفساد، فعندما يطبَّق القانون على الجميع بمساواة وتطبّق اللوائح ثم ينجح فرد أو تنجح مجموعة من خلال العمل الجاد والإبداع فليس هذا إلا نتيجة مواهبهم وقدرتهم على اقتناص الفرص، فهو إذاً من الأهمية بمكان أن نفكر بوضوح حول ما نعنيه من لفظ الفساد. 


الذي يحدث كثيراً هو أننا نستدخدم لفظ الفساد لنصف أشخاصاً في الحكم يفعلون أشياءً لا ترضينا، والمعنى العام وراء فكرة الفساد هو أن مجموعة صغيرة من الناس تسيء استغلال سلطاتها من أجل إثراء أنفسهم ويوقعون الظلم والمعاناة على آخرين بسبب هذا الاستغلال، فبطريقة ما هؤلاء يقيدون دائرة توافر الفرص من خلال استبعاد أشخاص معينة أو مجموعات بدون وجه حق من مجال المنافسة، ومن أجل أن نتأكد من اتساع دائرة توافر الفرص على الوجه المنضبط علينا أن نصيغ بوضوح الأنشطة التي تقيد توافر الفرص. 


والنوع الوحيد من الفساد الذي يمكن محاربته هو ما جاء تعريفه بالفعل في قوانين الدولة، وأكثر الطرق فعالية في إنهاء الفساد هي القبض على الفاسدين ومحاكمتهم، ولا يمكن أن يتم هذا إلا بالاعتماد على قوانين وافية، وقد صرح الدكتور تيمور مصطفى كامل رئيس هيئة النيابة الإدارية مؤخراً في خطاب أمام مجلس الأعمال الكندي المصري أن القانون المصري ليس مؤهلاً الآن لمحاربة الفساد بل إنه معدٌّ لحماية الأقوياء ، وهناك الكثير من الأعمال التي يمكن أن تعدّ فساداً، بعضها واضح كأخذ الرشوة أو تكليف الأقارب والأصدقاء بمشروعات حكومية في تجاوة للإجراءات الرسمية أو اختلاس الأموال العامة، وبعضها غير واضح وتنشأ من خلال هيكل القانون الذي يعطي أفضلية لمجموعات أو حتى أفراد من الناس، فيمكن مثلاً وجود استثناءٍ واحد يكاد لا يلحظه أحد في قانون منع الاحتكار يعطي القوة لشخص واحد أو مجموعة، مثل أحمد عز.


في مراجعة الأسس القانونية للفساد يمكن للمصريين أن يهتموا بمنع الأعمال التي تقيد أو تشوه السعي الشرعي طلباً للفرص، والضروري في أي إطار كهذا هو التطبيق العادل للقانون على كل المصريين، فأي قانون يعطي أفضلية لمجموعة دون غيرها سوف يقيد توافر الفرص أمام مجموعات أخرى، وأيضاً لا ينبغي للقانون أن يعاقب الناجحين على نجاحهم إن كانوا ملتزمين بالقانون والسلوك التنافسي الطبيعي، القوانين إذاً يجب أن تُكتب للتطبيق على الجميع وألّا تستثني أصحاب النفوذ وأن تعطي تعريفات واضحة للأعمال التي تعتبر فساداً رسمياً والعقوبات التي ستُفرض على مرتكبيها، والمواطنون عليهم مسئولية مراجعة هذه القوانين عند إصدارها ومسئولية محاسبة ممثليهم في البرلمان عندما لا يصدرون القوانين الوافية، ومن سبل تركيز اهتمام المواطنين بهذه المواضيع مؤسسات المجتمع المدني التي تنشأ بهدف محاسبة الحكومة وفقاً لهذه المعايير. 


وإضافة إلى حسن صياغة القوانين يجب على المصريين أن يضمنوا أيضاً أن هناك مؤسسات قادرة على التحقيق في المخالفات وتطبيق القانون، ففي البلاد التي ينتشر فيها الفساد كثيراً نجد أن القوانين المكافحة لأعمال معينة موجودة في الكتب لكنها لا تُطبّق، وقد يرجع عدم التطبيق إلى عدد من الأسباب، قد يتعرض النائب العام أو الشرطي للتهديد أو لضغط سياسي شديد يطالبه بعدم التحرك أو حتى أن يتواطأ في الأعمال المخالفة، لكن التأكد من تطبيق القانون يحتاج إلى تفاعل ومشاركة المواطنين، فيجب على المصريين أن يطالبوا البرلمان مثلاً بحسن رصد ومراجعة أنشطة تنفيذ القانون، ويمكن أن ينشئوا مؤسسات مسئوليتها التحقيق في الفساد وتقديم التقارير عنه وعن مشكلات الشفافية في الحكومة، وهناك دور مهم جداً أيضاً يجب أن تلعبه الصحافة الحرة في مراقبة أنشطة الحكومة والكتابة عنها، مثل هذه الرقابة تلعب دوراً مهماً في إبلاغ الناس وفي ضمان أن المسئولين الذين يفكرون في الفساد، أو حتى المسئولين عن مكافحته، يعرفون أن الناس تراقب ما يحدث. 


وبالطبع ليس الفساد وحده الذي يقيد توافر الفرص، حتى الأنشطة الحكومية الشرعية يمكن لها أن تصنع المشاكل. 


محاربة البيروقراطية

المؤسف أن وفقا لتقارير البنك الدولي تضع مصر في المركز ٩٤من حيث سهولة ممارسة أنشطة الأعمال ، وهي بهذا تتأخر عن سبع دول عربية في هذا المجال وهو سهولة إدارة الكيانات التجارية الهادفة للربح، فبالرغم من وجود إجراءات صالحة في عدة مجالات متعلقة بإنشاء العمل الخاص وإدارته هناك قيود شديدة في مجالات أخرى تعطّل هذه العملية، على سبيل المثال قد تستغرق عملية تسجيل قطعة أرض حتى ٧٢ يوماً في مصر ، وفي المقابل تجد أن هذه العملية في تركيا تستغرق ستة أيام فقط ، وتحتاج الشركة متوسطة الحجم في مصر إلى حوالي ٤٣٣ ساعة كل عام في التعامل مع بند الضرائب ، وإذا احتاجت إلى تنفيذ تعاقد بالقوة سوف تقضي ما يقرب من ثلاثة أعوام قبل الحصول على قرار وهذا يضع مصر في أدنى ٢٠% من بلاد العالم من حيث قدرة تنفيذ العقود بالقوة. 


تعوق الحكومة في الأمثلة السابقة إمكانية تحقيق الطاقة الكامنة بداخل أبناء الشعب بدلاً من أن تسهل عملية خروجها إلى النور، وهذه الإعاقة تضيّق من دائرة توافر الفرص بسبب (كما سيأتي النقاش لاحقاً) تكرار ضرورة الحصول على تمويل من البنك لأجل اقتناص الفرص الجديدة، والبنك لا يعطي التمويل إلّا لشركة تأسست بالكامل وانتهت من كل الإجراءات القانونية اللازمة التي تجعلها كياناً رسمياً شرعياً، فقد يطلب البنك مثلاً أن يطلع على عقد امتلاك لقطعة أرض وأن تكون مسجلة كما تقتضي اللوائح، وسيرغب البنك في تقديم القروض لشركات لها علاقة طيبة مع الحكومة وتدفع ما عليها من ضرائب، وسيرغب كذلك في بيئة قانونية يعمل بها المقترض تضمن قدرة تنفيذ العقود بالقوة إذا احتاج الأمر،  والقيود المذكورة سالفاً كلها تعوق الشركات من الانخراط في الاقتصاد الرسمي وذلك ببساطة لأن الانخراط يستنزف وقتاً كثيراً وثمناً باهظاً. 


أضف إلى ذلك أن هذه القيود البيروقراطية تشجع الفساد، ففي بعض الحالات يتحايل الأفراد على القوانين المرهقة الطريق طويل أمام التحول الديمقراطي، وفيه عدة جوانب للصراع من أجل توسعة دائرة الفرص المتاحة، وإذا اهتم الشباب المصري بمكافحة الفساد والحد من البيروقراطية وإتاحة فرص التمويل بشكل أفضل سيعطي هذا دفعة قوية باتجاه زيادة الفرص التي يستطيع بها الشباب أن يحقق ذاته ورفاهيته وأن يساهم في تنمية مجتمعه في نفس الوقت. برشوة المسئولين أو باستخدام العلاقات لاستخراج الأوراق المطلوبة بدون مراعاة الإجراءات الطبيعية، والكثير من عوام المصريين لا يملكون المال ولا العلاقات اللازمة للتحايل على النظام البيروقراطي العتيق، وبالتالي يقعون خارج دائرة توافر الفرص لأنهم عاجزون عن إنشاء عمل خاص بالطريقة الشرعية، وكذلك لا يستطيعون تنفيذ العمل بالطريق غير الشرعي لأنهم لا يملكون العلاقات أو المال أو أنهم غير مستعدين للتنازل عن مبادئهم وأخلاقياتهم. 


لذا فالمصريون أمامهم دور مهم في المطالبة بإجراءات أبسط تسمح بالسعي وراء الفرص وتسهل قدرة تحويل الأفكار إلى ممارسات وعمل، وحتى مع الإجراءات البيروقراطية المبسطة كثيراً ما يحتاج السعي وراء الفرص في ظل اقتصاد حر إلى المساعدة المالية. 


إتاحة فرص التمويل بشكل أكبر

آخر جانب من جوانب توسعة دائرة الفرص هو تيسير قدرة الحصول على قروض لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، علماً أن التعامل مع البنوك يعتمد على العلاقة مع العميل، فيجب على من هو على استعداد لتقديم قرض لصاحب عمل خاص أو صاحب مبادرة اجتماعية أن يثق في ذلك الشخص المقترض، والقانون مهم في تمكين هذه الثقة، لأنه إذا تعاقد بنك مع شركة جديدة لأجل قرض ما ثم أشهرت الشركة إفلاسها فلابد من وجود اطمئنانٍ كافٍ لدى البنك أن المال سيعود إليه بشكل أو آخر، ومن هنا يتضح أن بدون القدرة على تنفيذ التعاقد بالقوة يصبح القدر المطلوب من الثقة أصعب في التحقق، وعندما لا تتحقق الثقة في إطار نظام قانوني يصبح الأمر معتمداً على العلاقات الشخصية بدرجة كبيرة. 


إن اقتصار فرص التمويل على مجموعات من الأشخاص الذين يعرفون بعضهم البعض ويثقون في بعضهم البعض يُعتبر من أشد العوائق أمام توسيع دائرة الفرص المتوافرة، وبينما في بعض الحالات يكون المال مقصوراً على مجموعات محددة بعينها ففي حالات أخرى نجد أن الأمر ببساطة يعود إلى وجود مجموعة صغيرة من الأشخاص هي التي تعرف كيف تحصل على التمويل ولديها العلاقات الضرورية للحصول عليه، بناءً على هذا ندرك أن أحد أهم مقومات توسعة دائرة الفرص هو زيادة قدرة المصريين العاديين على الوصول إلى مصادر التمويل حتى يموّلوا مشروعاتهم الجديدة. 


مصر لا تزال مكاناً لا ترتاح فيه البنوك تماماً عند إقراض المال للناس، عادة الذي يحدث عندما يقدم البنك قرضاً هو أنه يطلب ضماناً، أي أن المقترض يتعهد بأحقية البنك في أصول بعينها يستطيع البنك أن يصادرها في حالة فشل المقترض في السداد، إذاً فقدرة البنك في الاستحواز على الضمان أساسية لارتياحه عند تقديم التمويل، والمؤسف أن القانون كما هو الآن في مصر لا يضمن للبنك حقه في الاستحواز على الضمانات المقدمة إن لم يسترد ماله من المقترض، ولهذا، كما هو الحال مع الفساد والبيروقراطية، يجب على المصريين الشباب أن يضغطوا من أجل تعديل القانون التجاري المصري حتى تصبح فرص التمويل أكثر إتاحةً للجميع. 


أضف إلى تحسين الهيكل القانوني أهمية زيادة وتطوير البنوك التي ستهتم بتقديم القروض للشركات المتوسطة والصغيرة، علماً بأن المؤسسات التي تقدم القروض لتمويل المشروعات الصغيرة (أو المسماة قروض متناهية الصغر) تلعب دوراً جزئياً لكن حجم الأثر الناتج عن أنشطتها محدود فيما يتعلق بالمشروعات التي تستطيع توظيف عدد كبير من الناس، أما المؤسسات المالية الأكبر قليلاً فتستطيع أن تقدم المبالغ التي تسمح بإنشاء شركات قادرة على توظيف أعداد أكبر، أي إتاحة فرص أكثر للمجتمع، ولأجل تيسير هذه العملية البنكية هناك عدد من البرامج التي يمكن أن تبادر بها الحكومة، أولها أن الحكومة تستطيع أن تقدم القروض بنفسها للبنوك التي بدورها تبدأ أو توسع نشاطها في مدن صغيرة أو أماكن أخرى حيث لا تتوافر فرص التمويل بالمستوى الكافي، ويمكن للحكومة أيضاً أن تقدم ضمانات للقروض وهذا نوع من التأمين الذي يدعم القروض في حالات خاصة وتعطي البنوك ثقة أكبر عند إقراض من ليس لهم خبرة في إنشاء المشروعات وإدارتها، وبالتالي توفر هذه الاختيارات فرص التمويل إلى مجتمعات جديدة وأفراد جدد من أصحاب الأفكار لكن صعوبة الوصول إلى فرص التمويل كانت تعوقهم. 


الخاتمة

تقف مصر على مشارف عهد جديد من الحرية والفرص المشرقة، وقد عرضت هنا فكرة أن الشركات الصغيرة والمبادرات الخاصة يمكن أن تكون وسيلة يستطيع المصريون من خلالها خدمة مجتمعهم مع تحقيق ذاتهم ونجاحهم الشخصي في نفس الوقت، لكن الحكومة المصرية يجب أن تلعب دوراً مهماً في تيسير مثل هذه الفرص، والشعب عليه أن يضغط على الحكومة للقيام بهذا الدور من خلال الانتخاب والرقابة. 


صحيح أن الفساد في مصر كان جزءً كبيراً من المشكلة في الماضي لكن خلق الفرص أمام المصريين سيحتاج إلى أكثر بكثير من ملاحقة المسئولين الفاسدين، محاربة الفساد بفعالية ستحتاج من المصريين أن يضعوا تعريفاً واضحاً له ثم أن يدرجوا التعريفات في القانون، وأن يعملوا أيضاً على حسن تطبيق هذا القانون، ومما يعوق التقدم بنفس الدرجة اللوائح البيروقراطية التي تكبل قدرة المصريين على إدارة عملهم الخاص المسجل في الاقتصاد الرسمي، ومن ثم يجب على الحركة الديمقراطية أن تمارس الضغط على الحكومة حتى تعدّل القيود البيروقراطية وتسمح لدرجة أكبر من الحرية، وأخيراً فزيادة قدرة السعي وراء الفرص كثيراً ما تحتاج إلى زيادة فرص التمويل، وقدرة الحصول على التمويل ليست في أحسن صورها الآن بسبب القانون الذي لا يمنح القدر الكافي من الثقة وبسبب القيود العملية على استعداد البنوك التجارية أن تتوسع في إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة، لذا يجب على الحركة الديمقراطية أن ترمي إلى تعديل قوانين البنوك وإلى تحفيز الحكومة لتقدم برامجاً تيسّر أنشطة البنوك المجتمعية. 


الطريق طويل أمام التحول الديمقراطي، وفيه عدة جوانب للصراع من أجل توسعة دائرة الفرص المتاحة، وإذا اهتم الشباب المصري بمكافحة الفساد والحد من البيروقراطية وإتاحة فرص التمويل بشكل أفضل سيعطي هذا دفعة قوية باتجاه زيادة الفرص التي يستطيع بها الشباب أن يحقق ذاته ورفاهيته وأن يساهم في تنمية مجتمعه في نفس الوقت.

بروك داهل عمل سابقا في بغداد مع الفريق المشترك بين وكالات العمليات في أفغانستان مع وزارة الخزانة الأمريكية. درس اللغة العربية و قام بالعمل الأكاديمي في مجال الاقتصاد السياسي ، والفساد ، وقضايا حقوق الإنسان في مصر ولبنان والأردن وتركيا وأفغانستان.

أقرأ المزيد لـ:  بروك داهل

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم