الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

أي نوع من الديمقراطية؟

جون إنج

مؤسسات المجتمع المدني الناضجة توفر الضوابط والتوازنات، كما تسمح للتفكير والتشاور في المجال العام، ‎وتيسر ظهور ثقافة مبنية على الفضيلة وليس الطمع، وترسخ مبدأ الخدمة وليس الأنانية

إنه أمر يدعو إلى الاحتفال أن الديمقراطية أصبحت تدريجياً من الاشياء المرغوبة أكثر و أكثر في شعوب العالم، وهي الديمقراطية الحقيقية ليست المسرحية الهزلية التي اعتبرها البعض ديمقراطية في بعض بلاد العالم لمدة طويلة، كان من المؤثر جداً أن نرى التضحيات التي قدّمها المصريون وغيرهم في الشرق الأوسط في إطار كفاحهم من أجل الديمقراطية والحرية، ويؤسفني أننا في المملكة المتحدة ننسى قيمة مثل هذه الأمور ونعتبرها من مسلمات الحياة.


كان و سيظل المصريون في عقلي ودعائي و هم يدخلون مرحلةً جديدة وحرة من تاريخهم، ولا شك أن المسألة ستستغرق وقتاً قبل أن يتحدد بشكل نهائي نوع الديمقراطية الأفضل لمصر، ففي المملكة المتحدة لا نزال نتجادل حول نفس الشيء علماً بأننا أقدم ديمقراطية برلمانية في العالم لقد أقمنااستفتاءً لنقرر إذا كنا سنستمر في استخدام النظام الانتخابي الذي يفوز فيه صاحب الأصوات الأكثر بلا ضرورة أن يحصد الأغلبية (first-past-the-post voting) أو أننا سنستبدله بنظام «الاقتراع التفضيلي» (alternative vote)، والمثير للاهتمام أن ٦٩% من الناخبين اختاروا بقاء النظام الحالي، وهو نظام يُنتقَد بأنه غير ديمقراطي فطيلة حياتي لم أشهده يأتي بحكومة حظت بتأييد أغلبية الناخبين، وهذا لأن في ظل النظام القائم إذا كان هناك ثلاثة مرشحين أو أكثر سيفوز صاحب العدد الأكبر من الأصوات حتى وإن كان العدد لا يمثل أغلبية الأصوات، فعلى سبيل المثال إذا كان هناك إجمالي ١٠٠ صوت وحصل المرشح الأول على ٣٥ صوت والثاني على ٣٣ صوت والثالث على ٣٢ صوت سيفوز الأول بالرغم من أن ٦٥ صوتاً كانت ضده، إذا فهو من الطبيعي أن يرى بعضنا أن هذه ديمقراطية غريبة النوع لكن كما يبدو هذا ما يحبه الناس هنا.


‎ومع ذلك فما يثير الإهتمام أكثر من نتيجة الإستفتاء أو موضوعه هو أن الإستفتاءات نادرة جداً عندنا وكان آخرها منذ جيلٍ مضى، هذا لأننا لسنا «ديمقراطية مباشرة» مثل سويسرا حيث الاستفتاءات مستحبة ومتكررة لكننا 
في تعليق تشرشل الشهير: «الديمقراطية هي أسوأ أنواع الحكم باستثناء كل البدائل التي تم تجربتها بين حين و آخر «ديمقراطية تمثيلية» حيث ننتخب ممثلين لنا كل خمس سنوات ونعطيهم حق إتخاذ القرارات نيابة عنا، وكما أشارت مجلة الإيكونوميست فالجدال حول مميزات كل من الديمقراطية المباشرة والديمقراطية التمثيلية يعود إلى العصور القديمة: «لأجل التبسيط، اختار الآثينيون الديمقراطية النقية (وهي «حكم الشعب» إلا أن في الواقع كانت الكلمة الأخيرة كثيراً للأقلية الحاكمة)؛ واختار الرومان الجمهورية، بوصفها أمراً عاماً حيث يقوم الممثلون بحساباتهم لأجل الصالح العام ويحاسبوا على مجمل إنجازاتهم.»


‎أياً كانت اختلافاتهم مع المملكة المتحدة، مهد الديمقراطية البرلمانية، اختار المؤسسون الأمريكيون نموذج الديمقراطية التمثيلية، فما هو النوع الذي يجب على مصر اختياره؟ لعل ما قد يدعو إلى إعطاء سلطات أكبر للشعب أمور مثل نفاد الصبر بالساسة من كل الأنواع حول العالم، والتكنولوجيا التي تجعل الاستفتاءات أسهل، لكن تجربة كاليفورنيا في الولايات المتحدة قد تنذر بالحذر، فقد أفلست الحكومة بسبب أنها اتبعت النموذج السويسري في الديمقراطية المباشرة في كل مرة واستفتت الشعب في أمور تطلبت إتخاذ قرارات اقتصادية صعبة تأتي النتيجة دائماً بالرفض وتحل الفوضى بسبب ذلك، فأصبحت الولايه غير قابلة للحكم.


‎أما نظامنا فيضع قدراً هائلاً من السلطة في أيدي الحكومة المنتخبة وأحياناً يؤدي إلى ما يوصف بأنه «ديكتاتورية منتخبة» والتي في أحيان كثيرة يكون انتخابها عن طريق أقلية من الشعب، ويأتي التمثيل النسبي كحل لهذه المشكلة إلا أنه ينتج أحياناً حكومات إئتلافية تكون بلا هوية قوية وغير مستقرة.

لكن أهم ما في الديمقراطية كما يعرف المصريون من تجربتهم المريرة ليس كيفية انتخاب الحكومة أو اتخاذ القرارات ولكن أن يستطيع الشعب التخلص من الحكومةالمشكلة أن مع اختلاف أوجه ممارستها تظل الديمقراطية نظام حكم لا يوفّي بكل ما هو مطلوب، وكما جاء في تعليق تشرشل الشهير: «الديمقراطية هي أسوأ أنواع الحكم باستثناء كل البدائل التي تم تجربتها بين حين وآخر»، لكن أهم ما في الديمقراطية كما يعرف المصريون من تجربتهم المريرة ليس كيفية انتخاب الحكومة أو اتخاذ القرارات ولكن أن يستطيع الشعب التخلص من الحكومة.


‎أضف إلى هذا شيئاً آخر مهماً لأداء المجتمع الديمقراطي المتحضر وهو مؤسسات مجتمع مدني ناضجة تمارس دوراً حقيقياً في الرقابة والمحاسبة، وتسمح بالتفكير والتحاور بين الجماهير في الشأن العام وتيسر نشوء ثقافة مبنية على الفضيلة وليس الطمع، وعلى الخدمة ليس الأنانية، ونصيحتي لشعب مصر، إن كان لي أن أقدم النصيحة، هي أن تبذلوا الوقت والجهد في بناء مثل هذه المؤسسات بدلاً من القلق الزائد حول نوع الديمقراطية الذي يجب اعتناقه.

الاسقف د. جون إنج، أسقف ورسيستر - انجلترا

أقرأ المزيد لـ:  جون إنج

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم