الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

العالم

عودة الحضارة العظمى

جافيد أحمد

 حتى وقت قريب، كانت أهمية مصر يُعنَى بها القائمون على متاحف التاريخ الطبيعي الحديثة ومؤلفو مناهج التاريخ لطلاب المرحلة الثانوية؛ أو كجزء من القصص الخيالية التي تروي أمرًا "حدث منذ زمن بعيد في أرض بعيدة جدًا جدًا" وتتضمن صورًا لأشياء رائعة مثل الأهرامات. ولكن فجأة حدث "الإنفجار الكبير" حين جاءت ثورة ٢٠١١؛ فقد مثَّلت تسارع مجنون للأحداث حيث اصطف الملايين في ميدان التحرير لمدة ١٨ يوم بشكل غير مسبوق. ولأول مرة منذ زمن بعيد جدًا جدًا، تركزت أنظار العالم على دولة كان لها رصيد مزمن من الأداء السيء، فمصر لديها تعداد سكاني أكبر بقليل من تركيا ولكن الناتج المحلي الإجمالي لها يعادل ثلث الناتج المحلي لتركيا فقط. وأقترح أن يقوم أحدهم بتشغيل إحدى أغاني سلسلة أفلام روكى كخلفية مناسبة لتفعيل قدرة هذه الأمة العظيمة على الإنجاز مرة أخرى. فما يحدث يشبه قصة العودة للمجد على نمط هوليوود أو بوليوود، ولكنه ذو أبعاد تاريخية ملحمية.      


إن مفتاح العودة للمجد يكمن في المواطنين المصريين أنفسهم. فعلى مدار تاريخهم، كان المصريون موالين لحكم فاسد حيث تغاضوا عن ضعف وجشع حكامهم. وتقدم لنا كتب التاريخ أمثلة تدل على أنه من الواضح أن المصريين يعانون من "الأعراض الدائمة لمرض المواطن المضطهد". وقد قام الفراعنة بذلك بل واستمتعوا بمثل هذا الفعل. ابحث عن اسم رمسيس في أي من الأسر الفرعونية القديمة، وسوف تجد نفس القصة مكررة. وبهذا فإن الفرعون حسنى مبارك قد أخذ فصلاً مباشرة من إحدى كتب التاريخ. قد لا تكن هذه القصة مستغربة في إحدى ديكتاتوريات دول غرب أفريقيا أو جنوب الصحراء الكبرى، ولكن دولة بحجم وتاريخ مصر ان تتحمل حكم مثل هؤلاء القادة الفاسدين بحكمها في العصر الحديث، فإن هذا الأمر يعد بمثابة حماقة. إليكم هذا الجانب الجيد والمليء بالأمل حيث تمكن ثوار ميدان التحرير أخيرًا من طرح القضية دون مواربة، وكانوا كوقود الصاروخ لعودة مصر بأقصى سرعة للمجد مرة أخرى. فقد أدرك المصريون أن تقديم ولاءهم للغوغاء لن ينفع، وهم الآن يطالبون بالتغيير، ويستطيعون بالفعل تحقيقه.      


إذن، أين شخصيات مصر القائدة أمثال سوسيلو بامبانج أو أتاتورك أو باراك أوباما؟ أحد المقالات نُشر مؤخرًا في مجلة "فانيتى فير" بعنوان "إيقاظ الأسد"  تناول قصص العديد من المصريين الشجعان الذين قادوا الثورة، وسيرتهم الذاتية رائعة؛ بدءًا من وائل غنيم (المدير التنفيذي في شركة جوجل ذو الثلاثين عامًا) والذي كان واقفًا على أسطح أحد البنايات محاطًا بالعديد من أطباق الإستقبال الفضائي ومعه كمبيوتر محمول وعلم مصر، وكان يرتدي الجينز وقميص بغطاء للرأس، وهذه الملابس هي بمثابة زي الراب الأصلي للثورة، وكان واحدًا من الوجوه اللامعة لثورة الفيس بوك التي لم يمثلها وجه واحد بعينه. أيضًا كان من ضمن هذه الشخصيات د. رشاد البيومى (نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين ذو الأربعة وسبعين عامًا)، والذي لديه دائمًا إبتسامة حميمية وبدا عليه إستعداد تام للتفاعل مع الطاقة الجديدة للثورة. وبهذه الطاقات الرائعة المتوفرة لمصر، فإن الأمر أشبه بصنع السيارة التي سيتم دفعها إلى الأمام بواسطة وقود الصاروخ من خلال هذه الجماهير.      


تمر مصر الآن بمرحلة مجهولة محفوفة بالمخاطر. يُمسِك الجيش بمقاليد السلطة في الوقت الراهن، ولكن من سيقوم بهندسة وتخطيط المسار السريع المؤدي لتشكيل حكومة ممثِّلة ويعمل على صياغة معادلة تحقق الإزدهار الإقتصادي؟ إن القضايا التي ستواجه النظام القادم تتراوح بين الفساد الممنهج، وإرتفاع معدلات البطالة، إلى الدعم الحكومي الضخم للغذاء والوقود لإسترضاء الشعب. والحزب السياسي الوحيد الذي لديه بنية تحتية تمكنه من وضع السياسات كان الحزب الوطني الديمقراطي الذي تم استئصاله تمامًا مع قياداته التي أصبحت سمعتها ملوثة الي الأبد. وفي الوقت الذي يتبارى فيه الشعب المصري في تأسيس أحزاب سياسية، فإن المطلوب هو تدخل في شكل خطوات ثلاث:      


أولاً، لابد أن توفر القوات المسلحة الأمن للمواطنين. ثانيًّا كما هو الحال في باكستان ، يحتاج النظام القضائي والمحامون إلى الإنفصال عن السلطات التنفيذية سواء السابقة أو الحالية أو المستقبلية، ، وهذا الأمر أساسي من أجل إرساء الضوابط والتوازنات المطلوبة في النظام السياسي والتي ستحول دون تمكن الغوغاء من التلاعب بالنظام في المستقبل. وأخيرًا، يحتاج المواطنون إلى تقديم حكومة تمثيلية تجمع كافة المصريين المعطائين والذين يسعون لتقديم أنبل ما يكون في حدود الأوضاع الراهنة على أرض الواقع.        


على المستوى الشخصي، أعتقد أن "الإنفجار الكبير" المصري سوف يعيد إحدى أعظم الحضارات في تاريخ الإنسانية، وأخذاً في الإعتبار هذا الطرح، فإنني أنوي شراء عدد من الأسهم في البورصة المصرية  (EGX30) وأحتفظ بها على المدى الطويل. احترسوا أيها القوى الصاعدة الأخرى (البرازيل، روسيا، الهند، الصين)، فهناك قوة إقليمية جديدة تتشكل!

جافيد أحمد نشأ في باكستان و درس في جامعات ييل وهارفارد و يعمل حاليا في مجال الطاقة بمدينة لندن

أقرأ المزيد لـ:  جافيد أحمد

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم