الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

العالم

صنع الديمقراطية

اف دبليو دي كليرك

اثناء وضعهم للدستور الديمقراطي، يمكن لقادة مصر الجدد التعلم من جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري في هذا الصدد يكتب اف دبليو دي كليرك الرئيس السابق لجنوب افريقيا والحائز على جائزة نوبل للسلام

‎تعتبر التطورات الأخيرة في تونس ومصر وعلى نحو متزايد في بقية أنحاء العالم العربي تطورات مشجعة بالتأكيد وتثير أسئله حاسمة لما سيحدث بعد ذلك. كيف يمكن لهذه الدول الإنتقال من النظم الإستبدادية للنظام القديم التي فقدت مصداقيتها إلى النظم الديمقراطية الجديدة التي يطالب بها الناس في جميع أنحاء المنطقة؟ ‎


المشكلة هي أن الأنظمة الإستبدادية، بحكم تعريفها، لا تمتلك الآليات اللازمة للتحول السلمي إلى الديمقراطية. ‎ولا يوجد بصفة عامة الإطار الدستوري للديمقراطية الحقيقية، وقد تم قمع الرأي السياسي لفترة طويلة حتى أن أحداً لا يعرف حقاً أي مجموعة أو حزب يتمتع بتأييد حقيقي. ويبدو أن الحل الواضح هو إجراء إنتخابات – ولكن من هم المشاركين وعلى أي أساس، وضمن أي إطار دستوري؟ ‎


تقدم المفاوضات الدستورية في جنوب أفريقيا في أوائل التسعينيات من القرن الماضي مثالاً مفيداً للدراسة لهذه الديمقراطيات الجديدة. فخلال هذه العملية في جنوب أفريقيا، أجتمع الاطراف الذين يتمتعون بتاريخ طويل من العداء والشك معا ووضعوا نظام دستوري جديد في ظل ظروف شديدة الصعوبة وشملت المفاوضات كلا من المؤتمر الوطني الافريقي (حزب المؤتمر الوطني الافريقي) بزعامة نلسون مانديلا ، والخصم اللدود التقليدي، وهو الحزب الوطني الحاكم ، تحت قيادتي. ومن بين المشاركين الآخرين كان حزب انكاثا للحرية المكون من الزولو والحزب الشيوعي لجنوب أفريقيا والأحزاب التي تمثل عشر حكومات «البانتوستانات» التي أنشئت في ظل نظام الفصل العنصري. ‎


ولن يكون اختيار المشاركين للمناقشات الدستورية  سهلاً في مصر. فالتغيير في جنوب أفريقيا كان متوقعا منذ سنوات، وكان استنتاج مسلم به ان يفوز حزب المؤتمر الوطني الافريقي الذي يمثل غالبية السود في اول إنتخابات ديمقراطية. إلا ان التغيير في مصر جاء بشكل غير متوقع – ولا يعلم أحد هل سيكون الإخوان المسلمين، او اليسار او الحزب الحاكم الحالي هو المجموعة المهيمنة. ومع ذلك، فإن تجربة جنوب أفريقيا تؤكد على أهمية مشاركة جميع الأطراف ويجب إدخالها فى الإعتبار .


‎وبالرغم من الأزمات وعمليات الانسحاب المتكررة، فقد نجحت المحادثات في جنوب أفريقيا التوصل الى دستور غير عنصري وديمقراطي ينظر إليه بشكل واسع بانه من ضمن أفضل الدساتير في العالم. إذاًً كيف فعلنا ذلك؟  ‎


لقد أشتملت المفاوضات على ثلاثة مراحل مميزة. ‎
المرحلة الاولى وهي التمهيدية، جاءت بعد خطابي في البرلمان في ٢ فبراير ١٩٩٠ الذي اعلنت خلاله عن الإنتهاء الرسمي لنظام الفصل العنصري وإطلاق مانديلا من السجن بعد تسعة أيام. وقد تضمنت هذه المرحلة إجتماعات تمهيدية في كاب تاون وبريتوريا تعلقت بشكل رئيسي بمنح الحصانة إلى ثوار حزب المؤتمر الافريقي لتمكينهم من العودة من المنفى وتعليق الكفاح المسلح للمجموعة الدائر منذ عشرات السنوات. وسوف تكون هناك ضرورة أيضاً في مصر لتحديد كيفية مشاركة المجموعات المحظورة في السابق – مثل الإخوان المسلمين- في العملية الإنتقالية.


وتناولت المحادثات التمهيدية أيضاِ العنف العنصري المتصاعد الذي كان يشكل عائقاً خطيراً طوال مدة المفاوضات. وقد قمنا بحل هذه المشكلة من خلال إقرار اتفاق السلام الوطني في ١٤ سبتمبر ١٩٩١. وقد قام الإتفاق بتأسيس الأمانة العامة للسلام الوطني ولجنة السلام الوطني التي تضم كافة الموقعين على الإتفاق ومفوضية السلام الوطني تحت رئاسة القاضي ريتشارد جولدستون وهو رئيس القضاة بالمحكمة العليا، لغرض التحقيق في العنف والتهديد وتقديم تقارير بشأنهما.  



أما المرحلة الثانية من المفاوضات، وهي محادثات الإتفاقية المتعددة الأطراف من أجل جنوب افريقيا الديمقراطية (كوديسا)، بدأت في ٢١ ديسمبر ١٩٩١، من خلال إقرار اعلان النوايا. وقد حدد الإعلان الإطار العريض لنوع الدولة التي يرغب فيها كافة الأطراف، بما في ذلك : نظام سياسي موحد وديمقراطي وغير عنصري وغير متحيز ضد المرأة، ودستور يتم حمايته بقضاء غير متحيز، وديمقراطية متعددة الأحزاب بناء على التمثيل النسبي، والفصل بين السلطات مع مراجعات وتوازنات مناسبة، وإقرار اللغات والثقافات والعلاقات المتنوعة لجنوب أفريقيا، وميثاق الحقوق لمساواة الجميع أمام القانون. ‎


وقد تناولت مفاوضات الكوديسا قضايا شائكة لا تعد ولا تحصى، بما في ذلك إنشاء وسائل الإعلام والمناخ السياسي لإتاحة المشاركة الحرة ، وإعادة دمج الأوطان السوداء، وضمان انتخابات حرة ونزيهة، وكانت اصعب المفاوضات هى من أجل إعداد دستور جديد. وكانت المشكلة الرئيسية هي اصرار حزب المؤتمر الوطني الافريقي بأنه ينبغي وضع الدستور من قبل جمعية وطنية منتخبة، في حين أصرت أحزاب الأقلية بان الإتفاق على الدستور ينبغي ان يسبق الإنتخابات الأولى. وتم حل المأزق في نهاية هذه العملية عن طريق فكرة عبقرية وهي إعتماد دستور مؤقت يتم إجراء الإنتخابات الأولى وفقا لأحكامه، وفيما بعد يقوم البرلمان المنتخب حديثاً بإعتماد الدستور النهائي. ولتهدئة مخاوف الأقليات، ينبغي ان يتوافق الدستور النهائي أيضا مع المبادئ الدستورية الـ ٣٥ غير القابلة للتغيير.  ‎


ومما يذكر ان المحادثات الدستورية انهارت في ١٧ يونيو ١٩٩٢ نتيجة للإخفاق في التوصل الى اتفاق حول النسب المئوية التي يتم بموجبها اقرار الوثيقة النهائية ونتيجة لتصاعد اعمال العنف. و كان يشتبه ان قادة حزب المؤتمر الوطني الافريقي تحت ضغط من عناصر المجموعة الأكثر راديكالية وراء التنازلات التي تبذل من جانبهم خلال المفاوضات. وقد يكون الإنسحاب وسيلة لتهدئة هذه الفصائل العدوانية بحيث يمكن ان تتقدم العملية إلى الأمام. وأنا لا أعتقد أن قادة المؤتمر الوطني الافريقي كانوا يهدفون حقاً في اي وقت من الأوقات الى عرقلة هذه العملية، على الرغم من انهم قالوا علنا انهم سيجعلون البلاد غير قابلة للحكم من خلال العمل الجماهيري. لكن في نهاية المطاف استؤنفت المحادثات دون اتخاذ تدابير جذرية مثل فرض الأحكام العرفية، مما يدل على أهمية الصبر، حتى في ظل حالات الجمود السياسي.  ‎


وفي ٢٦ سبتمبر ١٩٩٢، فتحت الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الافريقي الطريق الى إستئناف المفاوضات من خلال اعتماد «سجل التفاهم» الذي أيد معظم الإتفاقات التي تم التوصل إليها أثناء عملية كوديسا. وكان من بين المشاكل الرئيسية التي مررنا بها الحفاظ على شمولية العملية. حالما عاد حزب المؤتمر الوطني الإفريقي إلى المحادثات، انسحب حزب إنكاثا والاحزاب اليمينية ولم تعود حتى عشية الإنتخابات. لذلك فمن الضروري أيضاً فى مصر ضمان أنه أيا كانت الإجراءات التي تتم ، فينبغي ان تتضمن العملية كافة الأحزاب التى عندها تأييد كبير.


 ‎وتألفت المرحلة النهائية من المفاوضات من عملية تفاوض متعددة الأحزاب، التي توصلت إلى اتفاق بشأن وضع دستور مؤقت والآليات اللازمة لإجراء إنتخابات حرة ونزيهة. واتفق على أن يتم إقرار الدستور النهائي بأغلبية الثلثين في البرلمان المنتخب حديثا، وإلا فإنه يجب أن يتم إقراره  بأغلبية ٦٠ في المئة في إستفتاء وطني. وتمت الموافقة على الدستور المؤقت من قبل منتدى التفاوض في ١٨ نوفمبر والذي اعتمده البرلمان يوم ٢٢ ديسمبر. وقد أجريت أول انتخابات ديمقراطية وطنية يوم ٢٧ أبريل ١٩٩٤، التي مثلت بشرى الديمقراطية الدستورية غير العرقية الحالية في جنوب أفريقيا.  

ولم يكن من الممكن نجاح هذه العملية بدون عدد من العوامل الرئيسية. أولاً، أن النظام السياسي في جنوب افريقيا كان يعمل في ظل دستور طوال العملية بأكملها،  في حين أن الوضع في مصر بعد إستقالة الرئيس السابق حسني مبارك ما زال غير واضح. وهذا النوع من الإستمرارية يعني أنه لم يكن هناك توقف في عمل المحاكم والخدمات العامة والإتفاقات التجارية أو حقوق الملكية. ‎


ثانياً، كانت العملية بأكملها نابعة من جنوب افريقيا تماما. فنحن لم نتطلب تدخل أو وساطة من أي قوى خارجية - على الرغم من أن تأييدهم للعملية في كثير من الأحيان كان لا يقدر بثمن. فالحلول الناشئة في الداخل غالبا ما تكون أكثر متانة من تلك التي يتم استيرادها أو تكون مفروضة من الخارج. ‎ثالثاً، استفدنا من دعم المستشارين الدستوريين الخارجيين، الذين كانوا في كثير من الأحيان من الأكاديميين والخبراء القانونيين. ورحب جميع الأطراف بنزاهة هؤلاء المستشارين، وتمكينهم من حل المآزق التي تنشأ من وقت لآخر. ‎


وأخيراً، من العوامل التى ساعدتنا كثيراً أن يكون هناك رجل بمكانة نيلسون مانديلا كشريك في هذه العملية. فعقب اغتيال كريس هاني، زعيم الحزب الشيوعى فى جنوب افريقيا، في يوم ١٠ أبريل ١٩٩٣ لعب مانديلا دورا لا غنى عنه في تهدئة اتباعه ومنع نشوب الصراعات على نطاق واسع. وعلى الرغم من أن علاقتنا شهدت توترا شديدا في كثير من الأحيان، مثلما أعلن خطأ وإتهمني بدعم العنف على أيدي قوات الأمن ضد المتظاهرين العزل، ولكن من البداية كان كلانا يعتقد أن هناك أساس للثقة والتعاون المثمر. وما زلنا أصدقاء حتى يومنا هذا. ومن غير الواضح ما إذا كانت هناك أي قادة بمكانة مانديلا في حركة المعارضة المصرية، ولكنه سيكون مثالاً رائعاً للإحتذاء به.  ‎


الوضع الحالي في مصر فريد من نوعه، بطبيعة الحال. ويبقى أن نرى من هم الأفراد والأحزاب  التي ستكون لها مراكز زعامية. ومن الواضح أن القوات المسلحة بحاجة للعب دورا حاسما في خلق وحماية الساحة  خلال المرحلة الانتقالية السياسية. ولكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ بناء على تجربتنا ذات الصلة بعملية التحول التاريخي الجاري في العالم العربي، فإن جنوب افريقيا سوف تكون سعيدة للمساعدة.


أعيد نشره بتصريح من

Foreign Policy  www.foreignpolicy.com  © The Washington Post

 

 

اف دبليو دي كليرك هو الرئيس السابع والأخير في عهد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، خدم من سبتمبر ١٩٨٩ الى مايو ١٩٩٤ 

أقرأ المزيد لـ:  اف دبليو دي كليرك

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم