الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

الشخصية الفاشية

قدري حفني


اصطلاح الفاشيّة "fascism" مشتق من الكلمة الإيطالية fascio، وهي تعني حزمة من الصولجانات كانت تُحمَل أمام الحكام في روما القديمة دليلًا على سلطاتهم، و استخدمها موسوليني لوصف الجماعة البرلمانية المسلحة التي شكّلها في أثناء الحرب العالمية الأولى


 وكان نشوء المذهب الفاشي في إيطاليا عام ١٩٢٠، على إثر اضطرابات عمالية حاول فيها العمال الاستيلاء على عناصر الإنتاج. وفعلا قاموا بالاستيلاء على بعض المصانع ومنها مصانع شركة (فيات) للسيارات مما أدى إلى شل حركة السوق الاقتصادية، وأوشكت البلاد أن تنهار، وعلى أثر ذلك قام موسوليني بتأييد من جماعات كبيرة وأعاد النظام إلى نصابه وتولى الحكم عن طريق القوة، ومنذ ذلك الحين اقترنت الفاشية باسمه.


و لقد انشغل المتخصصون في العلوم السياسية طويلا بالتفرقة الدقيقة بين النظم الفاشية و النازية و الدكتاتورية إلي آخره. و لكن تناول الموضوع من زاوية علم النفس قد لا يقف كثيرا أمام تلك المقارنات و يصبح علينا الإجابة علي أسئلة محددة: هل ثمة ملامح شخصية تجمع بين الفاشي و الدكتاتور و النازي؟ و هل توافر تلك الملامح مجتمعة قاصر علي الحكام الدكتاتوريين و النازيين و الفاشيين أم أنه يشمل جماهيرهم؟ و هل تلك السمات مجتمعة قاصر علي تلك الجماعات فحسب أم يمكن أن نجدها أيضا عند مجموعات تمارس أنشطة أخري متنوعة؟


لقد بدأ اهتمام علماء النفس بمحاولة فهم الشخصية الفاشية منذ الثلاثينيات علي يدي فلهلم رايخ Wilhelm Reich الذي حاول المزج بين الأفكار الفرويدية و الماركسية في تفسيره للتطورات السياسية في ألمانيا . و في عام ١٩٤١ أصدر عالم النفس الشهير اريك فروم كتابا ذاع صيته و تجاوزت أعداد طبعاته الحد المألوف, و كان عنوانه "الهروب من الحرية". لقد استوقفت فروم ظاهرة التفاف غالبية مواطنيه من أبناء الشعب الألماني حول هتلر الدكتاتور العنصري الذي لم يخف يوما عنصريته أو دكتاتوريته. و هاجر فروم من وطنه الأصلي ميمما صوب الولايات المتحدة الأمريكية حصن الحرية و ملاذ الأحرار, و لم يمض زمن طويل و إذا به يكتشف نفس الظاهرة تفصح عن نفسها جلية في أعماق من تعامل معهم من الأمريكيين. و توصل فروم إلي أن المجتمع في مرحلة معينة من مراحل تطوره السياسي الاجتماعي الاقتصادي يشكل أبناءه و ينشئهم علي النفور من الحرية, بحيث يضيقون بحريتهم أشد الضيق, و يسعون ما وسعهم الجهد لاكتشاف "البطل" الذي يتيح لهم التخلص من أغلالها, فيسارعون إلي الالتفاف حوله و السير وراءه. 

لقد بدأ اهتمام علماء النفس بمحاولة فهم الشخصية الفاشية منذ الثلاثينيات علي يدي فلهلم رايخ Wilhelm Reich الذي حاول المزج بين الأفكار الفرويدية و الماركسية في تفسيره للتطورات السياسية في ألمانيا .
و تلي ذلك قيام علماء مدرسة فرانكفورت بتجسيد مفهوم "الشخصية التسلطية" في كتاب يحمل هذا الاسم عام ١٩٥٠ و قد واجه هذا المفهوم العديد من الانتقادات لسنا بصدد الخوض في تفاصيلها ولنطل علي جهد مصري في هذا الصدد غير منبت الصلة بالجهد العالمي.


لقد حظت دراسات الأبعاد النفسية لظاهرة التعصب في المجتمع المصري باهتمام ملحوظ تجلي في العديد من الدراسات الميدانية و النظرية؛ و قد كان مما استوقفني في نتائج واحدة من بحوث الماجستير التي أشرفت عليها عام ١٩٨٤ أن للمتعصب سمات شخصية ثابتة لا تتغير بتغير موضوع تعصبه، فسمات المتعصب لنادي رياضي لا تختلف عن سمات المتعصب لفكرة دينية.


و لم يمض زمن طويل حتي تطورت الفكرة لدي فعالجتها علي مستوي آخر في دراسة بعنوان العنف السياسي : رؤية نفسية في: ظاهرة العنف السياسي من منظور مقارن خلصت فيها إلي أن ملامح الصورة الذهنيّة لدي كل طرفٍ عن الطرف الآخر من ممارسي العنف السياسي، أو ما يمكن أن نطلق عليه "ثقافة العنف"• تتمثل فيما يلي :


١- إنّ الآخر إمّا عميلٌ مأجور ، أو ساذج جاهل  فليس من المنطقيّ ، أن يوجد شخصٌ عاقلٌ نزيه ، يمكن أن يقبل بتلك الترّهات التي يقول بها الجانب الآخر 


٢ - لم يعد الحوار مع الآخر مجديًا  لقد استنزفنا معه كافة إمكانيات الحوار  إنه لا يفهم إلّا لغة القوّة إنه البادئُ بالعدوان  إن التفاهم معه لا يعني سوي الضعف و التخاذل 


٣ - الآخر هو الخارج علي الأصول الصحيحة : الشرعيّة القانونيّة ، الإسلام الصحيح ، الاشتراكيّة الصحيحة ، المسيحية الأرثوذكسية ••••الخ  المهم ، أنه هو الخارج دومًا عن الأصول ، ونحن الملتزمون دومًا بتلك الأصول 


٤ - الآخر لا يمثّل إلّا أقليّة ، أمّا الغالبيّة ، فإنها تتعاطف معنا بكل تأكيد وأيّة مؤشّرات تشير إلي غير ذلك فإنها -أيا كانت - مجرّد زيف.


٥ - مهما قال الآخر ، أو حتى فعل ، لكي يوهمنا بأنّه قد تغير ، فإنه يظل في جوهره كما هو 

٦ - الآخر يريد لنا الاغتراب عن الواقع ، اندفاعًا إلي مستقبلٍ غريبٍ عنّا ، أو انسحابًا إلي ماضٍ سحيقٍ لم تعُد لنا علاقةٌ به 


٧ - لا ينبغي أن نفرّق في مواجهتنا لهم بين " المفكّرين " و " المنفّذين " ، أو بين " الموافقين " و " المعارضين " في صفوفهم ، فكلهم أعداء  بل ولعلّ ما يبدونه من تنوّع في المواقف ليس سوي نوع من الخديعة 


٨ - ينبغي أن ننقّي صفوفنا من أولئك المتخاذلين الذين يدعون إلي حوارٍ مع أعدائنا  إنّهم إمّا سُذّجٌ مضلّلون ، أو عملاءٌ مندسّون ، أو ضعافٌ ترعبهم المواجهة الشاملة  

انشغل المتخصصون في العلوم السياسية طويلا بالتفرقة الدقيقة بين النظم الفاشية و النازية و الدكتاتورية إلي آخره. و لكن تناول الموضوع من زاوية علم النفس قد لا يقف كثيرا أمام تلك المقارنات
و خلال انشغالي بتلك الدراسة جري حوار ممتد مع أستاذي الراحل رشدي فام في أوائل التسعينات حيث استغرقنا في مناقشة مشكلة بدت لنا آنذاك بالغة الأهمية: لقد لاحظنا أن بعض أصدقائنا ممن لا ينقصهم الذكاء و لا الخلق الطيب، يتعصبون غاية التعصب لما يتصورونه الصواب، و مهما جادلتهم و حاولت أن تعرض لهم وجهة نظر أخري، استشاطوا غضبا رافضين مجرد مناقشتها. و امتدت رؤيتنا إلي هموم الوطن و تبينا أن ما نلحظه في تفاعلنا مع أصدقائنا يكاد يكون هما من هموم الوطن


و مضت مناقشاتي مع رشدي لهموم الوطن و كيف نسهم من موقعنا كمتخصصين في علم النفس. لم يكن رشدي عالما تقليديا. كان عالما ناقدا. واعيا بسلبيات علم النفس المعاصر و مدركا لأهمية هذا العلم إذا ما وضع في خدمة قضايا الوطن: الحرية, و الديموقراطية, و قبل ذلك كله وحدة أبناء هذا الوطن. 


و من هنا بزغت في عقل رشدي فكرة إعداد مقياس مقنن لقياس "أحادية الرؤية"، باعتبار أن خطر التفتيت يحتل مكانة متقدمة في قائمة الأخطار التي تحيق بالوطن, و أن أداة ذلك التفتيت تتمثل في ترسيخ الرؤية الأحادية الرافضة لحوار لدي أبناء المجتمع بحيث تصبح المناخ الوطني محتقنا جاهزا لانفجار العنف لدي أول شرارة. و بعد أن استعرضنا الجهود السابقة من الثلاثينات حتي التسعينات، بدا لنا تعبير الرؤية الأحادية أنسب للتعبير عما نحن بصدده باعتباره أشمل من مصطلح الشخصية السلطوية. 


و واجهنا خلال المناقشة قضية بالغة الخطورة ، ترى هل تعدد الرؤى يجعل صاحبها بمنجاة تماماً من إمكانية استبعاده للآخر؟ قد يبدو للوهلة الأولى أن الإجابة المنطقية يجب أن تكون بالإيجاب؟ إذ كيف يمكن لمن يتبنى فكراً متفتحاً متعدد الرؤى أن يسعى لاستبعاد الآخر؟ يكفى أن نستقرئ وقائع التاريخ ، بل والحاضر المعاصر أيضا ليتبين لنا بوضوح أن الأمر ليس على بساطته تلك ، ألا تستبعد الثقافة الغربية التى صدعت آذاننا بالديمقراطية والتعددية تيارات أخرى واعتبرتها معادية لها بالرغم من ادعاءاتها المتكررة بالتعددية؟ ألا يمكن أن تستبعد الثقافات المؤسسة على التعددية التيارات الأحادية الرؤى والأصولية لمجرد أنها مختلفة عنها فى زاوية الرؤية وفى الأيديولوجية والتوجهات حتى ولو لم تستبعدها أو تهددها تلك الأصوليات؟ إن التاريخ المعاصر يقدم لنا فى هذا الصدد نماذج لا تخطئها العين الفاحصة ، وتفوق الحصر وتمتد من الجزائر إلى ألمانيا ومن فرنسا إلى هولندا .و انتهينا إلي أنه ليس كل أحادى الرؤية يكون مستبعداً للآخر بالضرورة ، فقد يؤمن بأن له دين وللآخرين دينهم، وليس كل من ينادى بالتعددية ويتشدقد بها يكون قابلا للتعايش مع الآخر بالضرورة. 


و تمكنا في النهاية من إنجاز مقياس "أحادية الرؤية"، و قام كوكبة من أبنائنا بتضمين هذا المقياس في بحوثهم و في أطروحاتهم الجامعية, و مازال الجهد مستمرا.


ويتمثل مفهوم الأحادية فى خمسة أبعاد رئيسية هى :

أ- أحادية المدخلات : بمعنى أن الشخص الأحادى لا يرتضى إلا مصدرا واحدا يستقى معلوماته منه ، ويمثل إطاره المرجعى الوحيد حتى لو ثبت له وجاهة المصادر الأخرى، وفى المقابل تعددية المدخلات أى تعددية المصادر التى يستقى منها الفرد معلوماته. ويتم تعريف أحادية المدخلات إجرائيا بأنها : "الدرجة التى يعبر بها الشخص عن مدى نظرته الخطية من حيث أحادية المدخلات" .

هل ثمة ملامح شخصية تجمع بين الفاشي و الدكتاتور و النازي؟ و هل توافر تلك الملامح مجتمعة قاصر علي الحكام الدكتاتوريين و النازيين و الفاشيين أم أنه يشمل جماهيرهم؟ و هل تلك السمات مجتمعة قاصر علي تلك الجماعات فحسب أم يمكن أن نجدها أيضا عند مجموعات تمارس أنشطة أخري متنوعة؟
ب- الإطلاقية : وتمثل البعد الثانى من أبعاد مفهوم الأحادية وتتمثل فى ادعاء احتكار الحقيقة، بمعنى أن الذى له مدخل واحد لمصادر المعلومات يعتقد لدرجة اليقين أنه وحده الذى يمتلك ناصية الحقيقة ، كل الحقيقة ، وما عداه غير حقيقى . ويتم تعريف الإطلاقية إجرائياً بأنها "الدرجة التى يعبر بها الشخص عن مدى نظرته الإطلاقية الاستعلائية من حيث تصوره لاحتكار الحقيقة وحده" .


جـ- التمامية : يقصد بها أنها ما دام الشخص الأحادى الإطلاقى يدعى أنه يمتلك الحقيقة إذن فليس هناك داع إلى تصحيح المسار لأنه لا يخطئ أبداً وهذا يمثل البعد الثالث من أبعاد الأحادية ، ويتم تعريف التمامية إجرائياً بأنه "الدرجة التى يعبر بها الشخص عن مدى نظرته التمامية من حيث رفضه لتصحيح المسار" وتتكون جماع الأحادية من مجموع درجات (أحادية المدخلات + الإطلاقية + التمامية) .


د- استبعاد الأحادى للمتعدد : بمعنى أن الأحادى لا يطيق أن يخالفه أو يعارضه أحد فى رأى ، وإذا فعل أحد ذلك فإنه يقصيه بدرجة أو بأخرى من درجات الإقصاء ، والتى تتراوح فى حدها الأدنى من التجنب والتجاهل إلى حدها الأقصى المتمثل فى تصفيته جسدياً ، ويتم تعريف استبعاد الأحادى للمتعدد إجرائياً بأنها "الدرجة التى يعبر بها الشخص عن مدى رغبته فى استبعاد المتعدد وعدم التعايش معه" .


هـ- استبعاد المتعدد للأحادى : وهو يمثل البعد الثانى فى مقياس الإقصائية وهو على نقيض البعد الأول ، أى لا يطيق المتعدد أن يملى الأحادى الرأى عليه ، أو حتى يخالفه ، وإذا فعل ذلك ، فإنه يقصيه بشكل أو بآخر من أشكال الإقصاء . ويتم تعريف استبعاد المتعدد للأحادى إجرائياً بأنها : "الدرجة التى يعبر بها الشخص عن مدى رغبته فى استبعاد الأحادى وعدم التعايش معه" .


لعلنا نستطيع فى هذا المقام أن نستخدم -من قبيل التشبيه- مصطلحين شائعين فى مجال طب العيون هما مصطلح الجلوكوما أى قصور زاوية الرؤية، ومصطلح الميوبيا أى قصر النظر أو قصور رؤية البعيد . إن صاحب الرؤية الأحادية المنغلقة يعانى من هذين العرضين معاً . إنه لا يرى سوى قطاعاً واحداً ضيقاً من مجال الرؤية المتاح لصاحب البصر السليم ، لا يستطيع أن يحول رؤيته إلى ما حول هذا القطاع يميناً أو يساراً . وهو أيضاً -أى صاحب الرؤية الأحادية المنغلقة- لا يكاد يرى إلا ما تحت أنفه كما يقولون ، إنه يعجز عن رؤية المستقبل مهما كان قريباً . وإذا كان المريض يضيق عادة بحالته ولا يكف عن السعى ملتمسا لها علاجاً ، فإن صاحب الرؤية "الأحادية المنغلقة" يكون غالباً راضيا بحالته غاية الرضى ، متمسكاً بها كل التمسك ، رافضاً لمحاولة تغييرها كأشد ما يكون الرفض عنفاً.


و لعل الأمر بهذه الصورة يخرج صاحب الشخصية الأحادية – سواء كان فاشيا أو إرهابيا أو حتي استشهاديا أو من شباب الألتراس أو حتي ليبراليا لا يطيق التعايش مع أصحاب الرؤي الأحادية- من إطار المرض النفسي، و أيضا من إطار الإجرام الجنائي. إنهم أسوياء تماما ، و لا يمارسون العنف ابتغاء مكسب شخصي. إنهم يرون الآخر بشكل مختلف، و يوقنون أن العالم سيكون أسعد لو تخلي ذلك الآخر عن معتقداته أو اختفي نهائيا من العالم.

مقال منشور بالعدد الخامس من مجلة الطليعة ٢١ الصادر أول مايو ٢٠١٣

أقرأ المزيد لـ:  قدري حفني

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم