الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

القرصاية ...

داليا يوسف


التحمل اليومي لهذه المظالم  و محاولة الاحتفاظ بتركيبة الشخصية المتفهمة للاوضاع والمتحايله عليها بالصبر و التضامن مهمة غير سهلة و نتائجها غير مضمونة .. لأن البشر طاقة قد تنفذ


لحقنا بورشة رسم للاطفال نظمتها مجموعة لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين صاحبة الجهود التضامنية المتعددة حيث لا تقف عند حد الدعم القانوني و الاجرائي و لكن تمتد لتقيم تواصل انساني مع أصحاب المظالم ..

عشوائية البناء غالبا ما لا تمتد لتشمل البنى الاجتماعية و سلوكيات أهل الجزيرة .. إذ وقف "رشاد" الرجل الصعيدي التي استوطن الجزيرة منذ ما يقرب من عشرين عاما مؤكدا أن الجزيرة مجتمع يعرف بعضه بعضا ولا يقبل بوافد إلا إذا حسنت سيرته
 كانت الورشة في مرسم و معرض للفنان محمد عبلة الذي يواصل تضامنه بالمعايشه و   المشاركة لأهالي الجزيرة و ذكرني حنانه الحاسم مع الاطفال بالدكتور أحمد عبد الله رزه  ( عرفني عليه سميه ال د/ أحمد محمد عبدالله) و كان د.رزه  قد أسس مركز الجيل في عين الصيره و ضمن أبرز أنشطته استقبال الاطفال الذين  يعملون في المحاجر و توفير فرص لهم للرسم و تعلم الموسيقى و الكمبيوتر ... في ذلك الوقت كان يجلس د/ رزه في فناء المركز معلنا أنه قد حرر  هذا الجزء من الوطن (أي المركز) ليحقق عبره ما فشلت السياسة في تحقيقه ربما كان يقصد  " الاحساس بتغيير حقيقي" ...


 المهم أن مفهوم  " الارض" ايضا حاكما في قصة جزيرة القرصايه لكن الزيارة و لو لمرة تجعلك تتعرف على الاهم " الناس" من أصحاب هذه الارض ، و كان فضل التعرف أقرب و أعمق بالناس يعود ل صديقتي رحمة إذ كانت المتميزة "هبة" التي تعمل معها مدخلنا لناس من القرصايه تجمعهم ب "هبة" صلة قرابة.


 يمكنك أن تكتشف بسهولة  أن جزيرة القرصاية مجتمع تقليدي قسمته طبيعة العمل إلى فلاحين وصيادين ..  و بمتابعة سريعة لقضية الجزيرة تدرك معنى أن تهبط سلطة على مجتمع بهذه المواصفات فلا ترى أو تتفهم وجود بشر لهم ظروف اجتماعية  و نمط معيشة يخصهم و في الوقت نفسه مقومات للتطور والتنمية – لمن أراد تحقيق تنمية - وفق المكان الذي الفوه و تاريخ تجاربهم و شبكة العلاقات التي تحكمهم 

ضيق الرزق و قسوة الاوضاع جعلت الناس تتعارك و تضيق ببعضها
( في حالة القرصايه كانت السلطة هي سلطة عسكرية متمثلة في  ادعت أحقيتها في التمركز على قطعة أرض على الجزيرة والسيطرة على حدودها  اعقبه اعتداء على الاهالي الذين انتفعوا بالارض باعتبارها حق ليذهب أحد أبناء الجزيرة ضحية هذا الاعتداء بعد إطلاق النار عليه من القوات التي باغتت الأهالي ليلا  و تم القاء القبض على عدد منهم ليعرضوا على المحاكم عسكرية  رغم حصول أهل الجزيرة على أحكام قضائية سابقة  تؤكد على أن تصرف وزارة الدفاع في هذا الشأن غير مبرر)


لكنك و مع مزيد من الوقت تدرك أن المظالم  أعمق و أقدم، فالعشوائية و قسوة الاوضاع  يمكن أن تلحظها إذا ما اخترقت الشوارع الضيقة الخانقة التي تتجاور مع طبيعة شديدة الجمال   .. عشوائية  في نمط بناء البيوت التي لم تدخلها مياه الشرب إلا مؤخرا و لم تصل إليها خدمات الصرف الصحي إلى الآن ناهيك عن أي خدمات صحية أو تعليمية لأهل وأطفال الجزيرة و تجاهل طلب بناء كوبري مشاه يسهل عليهم الانتقال خاصة وأن المدارس و والوحدات الصحية والحصول على أشياء أساسية أمر يتطلب العبور من الجزيرة  و لا يمكن أن يتم هذا إلا عبر المعدية (و في حالة القرصاية هي مركب قديم يجر عن طريق سلسلة حديدية بشكل يدوي و وفقا لاهل الجزيرة فالمعديه تعمل ٢٤ ساعه) ... الأمر الاكثر استفزازا هو برج تقوية المحمول الذي يعتلي أحد البيوت في شارع ضيق مكتظ بكبار السن و الاطفال و أشك أنه قد تم مراعاة أي معايير صحية أو بيئية ليتم تركيبه ... غالبا ما  تسبق الشركات التجارية والمصالح الضيقة تقديم الخدمات .. و تغيب الدولة لتظهر كسلطة تنازع الناس على أرض !! 

أنه حتى مع أحداث الانفلات الامني كانت الجزيرة كبيت واحد إذ وقف الجميع ليدفع عن الجزيرة ضد أي ضرر محتمل
لكن عشوائية البناء غالبا ما لا تمتد لتشمل البنى الاجتماعية و سلوكيات أهل الجزيرة ..  إذ وقف "رشاد" الرجل الصعيدي التي استوطن الجزيرة منذ ما يقرب من عشرين عاما مؤكدا أن الجزيرة مجتمع يعرف بعضه بعضا ولا يقبل بوافد إلا إذا حسنت سيرته .. و أنه حتى مع أحداث الانفلات الامني كانت الجزيرة كبيت واحد إذ وقف الجميع ليدفع عن الجزيرة ضد أي ضرر محتمل ..   وقف "رشاد" يحكي بطلاقة عن قضية أرض القرصايه و في الخلفية بناء مهجور .. حينما سألت اتضح أنه كان مصنع لبناء السفن .. نكتشف مع الوقت أنه لا توجد أي نشاط لتنمية ملائمة لطبيعة الجزيرة فعلى الاطراف مصنع وحيد لاحد رجال الاعمال من أهل الجزيرة وقد توقف عن العمل بعد محاولة  لتشغيله .. و لم يأت أحد – وفقا ل رشاد – ليقدم لاهل الجزيرة أي تصور لتحسين أوضاع الناس و ذلك حتى أثناء الانتخابات ، قال أن بعضا من ممثلي حزب الحرية و العدالة مروا لكن دون عقد أي مؤتمرات و قدموا دعم عيني أو ما شابه أثناء الحملات الانتخابية .. قادنا "رشاد" لبيت "دعاء" التي حكت عنها الصديقة "ساره خورشيد" و رسمت لها صورة قلمية فيها تقدير كبير تستحقه "دعاء"  لأنها تمارس صمود يومي مثل كثيرات على الجزيرة      و لكنها تفعل ذلك بحيوية و بشاشة رغم الانهاك المستمر 


التحمل اليومي لهذه المظالم  و محاولة الاحتفاظ بتركيبة الشخصية المتفهمة للاوضاع و المتحايله عليها بالصبر و التضامن مهمة غير سهلة و نتائجها غير مضمونة .. لأن البشر طاقة قد تنفذ .. الشكوى من الاوضاع الاقتصادية السيئة متزايدة خاصة مع نقل أغلب بائعي السمك لسوق العمرانية البعيد و التي يكثر فيه البائعين و تقل فيه نسبة الربح .. و حينما وقفنا على الشاطئ ننتظر عبور صديقتنا سمعنا عن عراك دار في هذا السوق بين بائعي سمك من الجزيرة ( تربطهما قرابة ) و وقف أحد أهالي القرية يسرد التفاصيل .. علقت "دعاء" بأن ضيق الرزق و قسوة الاوضاع جعلت الناس تتعارك و تضيق ببعضها .. كان تعليق "دعاء" يحمل نبرة حرج و اعتذار عما سمعنا ( كأنها هي من تحتاج للاعتذار !) ... 

أقرأ المزيد لـ:  داليا يوسف

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم