الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

نحـو آفـاق أوسـع مصر بين عمران الأرض السوداء وعمران الأرض الصفراء

أبوزيد راجح

إن العمران الذي نشأ على أرض مصر هو العمران الزراعي الذي بدأ منذ الاستقرار البشرى الأول على ضفاف النيل واستمر خلال عصورها التاريخية المتعاقبة حتى بلغ نهاياته في العصر الحديث وعلى وجه الدقة في نهاية الألفية الثانية للميلاد .


العمران في هذه المقالة هو "عمارة الأرض" بكل ما تعنيه هذه العبارة الموجزة من تنمية وحضارة وارتقاء بالحياة .

فالعمران من ناحية يمثل الحيز المكاني الذي يشيده الإنسان ليعيش فيه كفرد وأسرة وجماعة ، ويمارس فيه نشاطاته الحياتية ، ويحقق فيه احتياجاته المادية والحسية والوجدانية. ومن ناحية أخرى فهو يمثل ضرورة اجتماعية يؤثر فيها ويتأثر بها . فقد انبثق العمران في كل حقبة تاريخية من النسق الاجتماعي الاقتصادي السائد في هذه الحقبة ، وفى إطار المحددات الجغرافية للحيز الذي نشأ فيه. وحركة العمران هي حركة التفاعلات المستمرة عبر التاريخ بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه. فالعمران في حقيقة الأمر قراءة في جغرافية المكان ، وقراءة في تاريخ المجتمع.


إن العمران الذي نشأ على أرض مصر هو العمران الزراعي الذي بدأ منذ الاستقرار البشرى الأول على ضفاف النيل واستمر خلال عصورها التاريخية المتعاقبة حتى بلغ نهاياته في العصر الحديث وعلى وجه الدقة في نهاية الألفية الثانية للميلاد .

الأمر اختلف تماماً بعد منتصف القرن العشرين وحتى الآن أي خلال الستة عقود الأخيرة . فقد زاد عدد سكان مصر من ٢٠ مليون نسمة إلى ما يزيد على ٨٠ مليون نسمة في الوقت الحالي.
 لقد كان عدد سكان مصر خلال تاريخها الطويل وحتى بداية القرن التاسع عشر حوالي ثلاثة ملايين نسمة يعيشون على مساحة تبلغ حوالي مليونين فدان من الأراضي الزراعية . وكانت هذه النسبة بين عدد السكان ومساحة مجالهم الحيوي ثابتة تقريباً خلال تاريخ مصر الطويل . وخلال المائة والخمسين سنة التالية أي حتى منتصف القرن العشرين زاد عدد السكان إلى ٢٠ مليون نسمة وزادت مساحة الأرض المنزرعة إلى ٦ مليون فدان . أي أن الزيادة السكانية خلال هذه الفترة صاحبتها زيادة مكانية بنفس النسبة تقريباً . وبتعبير آخر فإن الزيادة السكانية واكبها بنفس المعدل اتساع مكاني ، وسار الاثنان معاً في تناسق وتوافق .


ولكن الأمر اختلف تماماً بعد منتصف القرن العشرين وحتى الآن أي خلال الستة عقود الأخيرة . فقد زاد عدد سكان مصر من ٢٠ مليون نسمة إلى ما يزيد على ٨٠ مليون نسمة في الوقت الحالي. ومن المنتظر أن يبلغ تعداد مصر عام ٢٠٥٠ حوالي ١٤٠ مليون نسمة أي بزيادة قدرها ٦٠ مليون عما هو عليه الآن . ولم يواكب هذه الزيادة المضاعفة في هذه الفترة القصيرة زيادة  مكانية مناسبة بل واكبها تآكل مكاني شديد الخطورة . فقد فقدت مصر خلال النصف الأخير من القرن العشرين ١.٥ مليـون فـدان أي حوالـي ٣٦% من الأراضـي الخصبـة نتيجـة للامتدادات البنائيـة المستمـرة للمدن والقرى على الأراضـي الزراعيـة المحيطـة بهـا .


وتفقد مصر بسبب هـذه الامتدادات حوالي ٤٠ ألف فـدان سنويـاً . ولو استمر تآكل الأراضي الزراعية بنفس المعدل فسوف تختفي الأراضي الزراعية في الوادي والدلتـا من الوجود والى الأبد في فترة بين عام ٢٠٧٠ وعام ٢١٠٠ .


 ويمثل منتصف القرن العشرين النقطة الحرجة التي بلغ عندها الاتزان بين الإنسان والمكان منتهاه والتي بعدها بدأ المكان يضيق تدريجياً بساكنيه إلى حد الاختناق . ومع الانفجار السكاني على حيز مكاني يتآكل ذو قاعدة تنموية أحادية ، بدأت مصر ولأول مرة في تاريخها أن تفقد الاتزان بين الإنسان والمكان بدرجة خطيرة وأصبح هذا الخلل المكاني السكاني يهدد وجود مصر ذاته . وليس أمام المصريين الآن –إذا ما أرادوا استمرار حضارتهم- إلا الخروج إلى آفاق جديدة رحبة خارج واديهم . إن التحدي الذي سوف يواجه المصريين في ترويض الصحراء شديد الشبه بالتحدي الذي واجه أسلافهم الأولون عندما استقروا على ضفاف نهر النيل وأقاموا حضارتهم الأول الخالدة على ضفافه . وسوف تقام حضارتهم الثانية نتيجة هذا التحدي إذا ما اعتبرنا أن ما ذهب إليه المؤرخ ارنولد توينبي صحيحاً وهو أن الحضارة هي وليدة التحدي الذي يواجه الإنسان.

لقد أصبح العلم والمعرفة والتقنية الحديثة متاحة للإنسان في تعامله مع الأرض والبيئة وفى صياغته لحياته مما يجعله أكثر قدرة على مواجهة تحديات شديدة الصعوبة ما كان ليستطيع مواجهتها من قبل ، مثل ندرة المياه وندرة الموارد وندرة الطاقة وتطرف المناخ
 إن الحيز الجديد له سمات تختلف كثيراً عن سمات الحيز الأول . أولها انه ليس حيز شريطي ذو بعد واحد بل حيز رحب يمتد في الاتجاهات الأربع . وثانياً أنه حيز بالغ التنوع في مناخه وبيئته وطبيعته الإيكولوجية . فمنه الساحلي ، ومنه الصحراوي ، ومنه المنخفض السهلي ، ومنه أيضاً المرتفع الجبلي . كما أنه بالغ التنوع أيضاً في إمكاناته الظاهرة منها والباطنة ؛ مما سيؤدى بالضرورة إلى التعدد في أنماط التنمية ومجالاتها .


لقد أصبح العلم والمعرفة والتقنية الحديثة متاحة للإنسان في تعامله مع الأرض والبيئة وفى صياغته لحياته مما يجعله أكثر قدرة على مواجهة تحديات شديدة الصعوبة ما كان ليستطيع مواجهتها من قبل ، مثل ندرة المياه وندرة الموارد وندرة الطاقة وتطرف المناخ .


الحيز العمراني المأهول الحالي: يشتمل الحيز العمراني الحالي على الوادي في الجنوب والدلتا في الشمال ، وتبلغ مساحته حوالي ٥.٧% فقط من مساحة مصر الكلية ، ويسكنه ٩٨%من سكانهـا .


ويعانى هذا الحيز مشاكل خطيرة متفاقمة - في مدنه وقراه - تهدد بتآَكل سريع لهذا الحيز، مع حياة حضرية متدنية عادة ما توصف "بالعشوائية" في أغلب مناحيها . ومن أمثلة هذه المشاكل مايلي:

- عدم قدرة هذا الحيز على استيعاب مزيد من السكان وتجاوزه درجة التشبع السكانى القصوى  بمراحل كبيرة.


- الكثافة السكانية العالية والتى تكاد أن تكون من أعلى الكثافات السكانية فى العالم . تبلغ الكثافة السكانية فى القاهرة ٤٢ ألف نسمة فى الكيلو متر المربع ، بينما تبلغ هذه الكثافة فى العواصم الأوربية ما بين ٨-١٠ الآف نسمة ، أى أن كثافة القاهرة تبلغ حوالى خمس مرات نظيرتها فى العالم الغربى ، (وفى بعض أحياء القاهرة تصل الكثافة السكانية إلي ١٠٠ ألف نسمة فى الكيلو متر المربع مثل باب الشعرية) .


- تآكل الأراضي الزراعية نتيجة للامتدادات العمرانية للمدن والقرى عليها . لقد تراجع الغطاء الأخضر في الوادى والدلتا امام الزحف الخرسانى المستمر عليه بمعدلات متزايدة ، وهو في سبيله إلى الزوال في فترة ما بين عامي ٢٠٧٠ و٢١٠٠ كما سبقت الإشارة اليه .


- الخلل الواضح فى المنظومـة العمرانيـة والذى يتمثل فى عدم تسلسل أحجام المدن التسلسل الطبيعى المعترف به فى علـم العمـران، مع طغيان البؤرة القاهرية على المنظومة العمرانية بأكملها .إذ يبلغ عدد سكانهـا خمس مجموع السكـان فى مصـر وتستحوذ وحدها على ما يقرب من ٤٠% من مجموع الاستثمـارات في مجال الانتـاج والخدمـات.


- النمـو العشوائـى بصورة متزايـدة . فقد تمكنت ظاهـرة النمو العشوائـى من بنيـة العمـران المصرى المعاصر. ولم تعد ظاهرة استثنائية يمكن احتواؤها وعلاجها ، بل صارت ظاهرة كل المدن وكل القرى . فأصبحت بذلك حقيقـة قائمـة وجدت لتبقى ، بكل ما يعنيه ذلك من آثار اجتماعية بالغة الخطورة .

 

ويهدف التخطيط التنموى للحيز الحالى إلى إيجاد الحلول الملائمة لهذه المشاكل المتفاقمة  وإصلاح الخلل الواضح فى منظومة العمران .


الحيز غير المأهول (المهجور): يشمـل هـذا الحيـز صحـراوات مصـر وسواحلهـا خـارج الوادى والدلتـا . ويتكـون مـن أقاليـم متفاوتـة بيئيـاً وإيكولوجيـاً مـن صحـراوات ومنخفضات وهضـاب ومرتفعـات وسواحـل. وكذلـك يتكـون مـن مناطـق متعـددة الإمكانـات التنمـوية ، ومناطـق أحاديـة الإمكانـات ، ومناطـق ليـس لها إمكانات تنمويـة معروفـة. وتبلـغ مساحـة هذا الحيـز حوالـى ٩٤% من المساحـة الكلية لمصـر كمـا سبقـت الإشـارة .


ولما كان الحيز الحالـي قد تجاوز درجة التشبـع القصـوي للسكـان ولم يعـد قادراً على استيعـاب مزيد منهم ، فلابـد أن تتجـه الزيـادة السكانيـة المتوقعـة خلال الأربعيـن سنة القادمـة – والسابـق تقديرهـا بستين مليون نسمة- إلـى محـاور تنمويـة جديدة خـارج الوادي والدلتـا ، إذا مـا أردنـا أن نحتفـظ بالبقيـة الباقيـة من أراضى هذا الحيـز المأهـول الحالـي . 


ولتحديد مجـالات التنميـة في الحيـز المكانـي الجديد يلزم معرفة ودراسـة المـوارد السطحيـة والجوفيـة الكامنـة فيه من حيث المـواد الأوليـة والمعادن والميـاه والطاقـة بمصادرهـا المختلفـة . ولا تقف الدراسـة عند تحديد أنواع الخامـات وكمياتها بل يجب دراسة خواصهـا الكيميائيـة والطبيعيـة والميكانيكيـة لمعرفـة وتحديد استخداماتها المختلفـة. كمـا يلـزم استعـراض الطبيعـة الإيكولوجيـة من منـاخ وبيئـة وجغرافيـا لمعرفة ملائمـة هذه الطبيعـة للأنشطـة التنمويـة والمعيشيـة . وتشتمل الدراسـة البيئيـة على إمكانية استخدام العناصـر الطبيعيـة من رياح وأشعـة شمـس فى توليـد الطاقـة والاستفـادة من الامطار والآبـار في الزراعـة والرعي .


وتمثل هذه الدراسـات البنيـة التحتيـة للتنميـة والتي علي اساسهـا ستتحدد النوعيـات والتقنيـات الملائمة لمجـالات التنميـة من صناعـة وزراعـة وسياحـة وغيرها وكذلك مناطـق توطينهـا .


وتتبـع هذه الدراسـة تحديد النمـط المعمـاري والتخطيطي الأمثـل للمستقـرات البشريـة في محـاور التنميـة الجديدة وتدرجهـا الحجمـي والعددي وعلاقاتهـا الوظيفيـة فيما بينهـا. 


ويحدد النمط العمراني نمط النشاط المعيشي بجانبية الاقتصادي والاجتماعـي فضـلاً عن تأثيـر العناصر البيئيـة والمناخيـة على التخطيط الحضـري ونظم الإنشاء والتصميم المعمـاري .

ولتحديد مجـالات التنميـة في الحيـز المكانـي الجديد يلزم معرفة ودراسـة المـوارد السطحيـة والجوفيـة الكامنـة فيه من حيث المـواد الأوليـة والمعادن والميـاه والطاقـة بمصادرهـا المختلفـة
 وتتطلب التنميـة العمرانيـة ربـط الحيـز الجديد بالحيـز القديـم لكي تكون مصـر بكافـة مسطحهـا الجغرافي وحدة تنمويـة واحـدة . 


ويعنـى ما سبـق أنه خـلال الأربعيـن سنـة القادمـة يجـب أن تمتـد مساحة المعمـور  المصـرى من ٥.٧% إلـي ١٢% من المساحـة الكليـة لمصـر ، ويستلزم ذلك إنشـاء حوالـى ١٥٠ مدينـة جديـدة قادرة على استيعـاب الزيـادة السكانيـة المتوقعـة.


مما سبق يتضح أننا أمام نقطة تاريخية فاصلة تتمثل في أن مصر تعيش الآن في نهاية دورة حضارية زراعية امتدت لآلاف السنين وأقامت ما يمكن أن يطلق عليه "عمران الأرض السوداء" في الوادي والدلتا ، وفى بداية دورة حضارية جديدة تختلف تماماً عن الدورة الأولى وسوف تتطلب عمران جديد يمكن أن يطلق عليه "عمران الأرض الصفراء" في الصحراوات والسواحل .


كما تواجه مصر في هذه النقطة الحرجة من تاريخها وجغرافيتها ضرورة الانتشار السكاني بصورة لم يسبق لها مثيل –ليس في تاريخ مصر بل ربما على مستوى تاريخ العالم- من حيز قديم مأهول إلى حيز جديد غير مأهول بمعدل كبير : ١.٥ مليون نسمة سنوياً بعدد إجمالي قدره ٦٠ مليون نسمة خلال الأربعين عاماً القادمة . هذا الانتقال يستلزم توفير أنشطة تنموية : إنتاجية وخدمية ومستقرات بشرية لاستقبال هذا الكم الكبير من السكان في هذه الفترة الوجيزة من الزمن .


إن مشكلة مصر الحقيقية تتمثل في أنها تعيش بين حيز قديم بلغ مرحلة الشيخوخة وحيز جديد لم يولد بعد . 

وقد واكب ذلك –إما بطريق المصادفة أو كحتمية تاريخية- ثورة عارمة اندلعت أخيراً بالبلاد أنهت إلي الأبد نمط للحكم يتمثل من تابع لا يملك من أمره شيئاً ومتبوع يملك سلطة مركزية مطلقة على تابعية وتسعي إلى الانتقال إلى نمط جديد لإدارة الدولة يكون الحكم فيه من الشعب وبالشعب ومن أجل الشعب .   

أقرأ المزيد لـ:  أبوزيد راجح

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم