الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

مجالات العمل السياسي التي تتاح للمرأة في التشريع الإسلامي

عبد الله مبروك النجار

هناك امور مازالت أساس التحضر في المجتمعات الإنسانية المعاصرة في شرق العالم وغربه, وهذا ما قاله الهدهد في وصفه لبلقيس كما حكى القرآن الكريم: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ).


الموضوع الثاني مجالات العمل السياسي التي تتاح للمرأة في التشريع الإسلامي ويتكون من محورين


المحور الأول

حديث القرآن الكريم عن التجارب السياسية الناجحة للنساء

لقد تحدث القرآن عن عدد من التجارب النسائية الناجحة. بما يرتقى بتلك التجارب لأن تكون مثلاً يقتدى به من الرجال, بل وتعد سنداً تشريعياً لبعض المبادئ السياسية السائدة في الأنظمة السياسية المعاصرة, ومن أوضح التجارب التي سجلها القرآن الكريم تجربة مملكة سبأ التي كانت من أزهى الممالك السياسية في عهد نبي الله سليمان الذي أعطاه الله من الملك والمعجزات والخوارق ما لم يعطه لنبي قبله, فقد علمه الله منطق الطير والنمل, وسخر له الجن, والريح وغير ذلك من المخلوقات التي هداها الله له. وحقق بها دعوته حين دعا ربه قائلاً: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ).


ومن ملامح القوة في تلك التجربة النسائية التي سجلها القرآن الكريم, أن ملكة تلك المملكة جاءت معاصرة في فترة حكمها, لفترة حكمه على تلك الممالك التي لم تقتصر على الأرض وما عليها, بل تعدت الإنسان للجن, والطير والنمل والريح, حيث كانت قوى كل تلك الخلائق موجهة لتدعيم ملكه وترسيخ دعوته.

الملكة والمملكة:

(أ‌)أما المملكة:

ومن ملامح السياسة الملكية عند بلقيس أنها لم تكن مندفعة متسرعة تتحين الفرص للدخول في مواجهات حربية أو نزاعات مسلحة لما تقدره من المآلات في تلك المواجهات وما تسفر عنه من إراقة الدماء وإتلاف البناء وتخريب العامرفهي مملكة سبأ التي تتحد معالمها بمنطقة مأرب اليمنية, وقد بلغت هذه المملكة شأنا تاريخياً وحضارياً وجمالياً فائقاً اختصه القرآن الكريم بالذكر في قول الله تعالي: (قَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) ومن خلال هذه الآية الكريمة يبدو أن معالم تلك المملكة الحضارية تتمثل في أمور هي:


(١)المساكن الفارهة بمقياس عصرها, ولعل ذلك ما تشير إليه الآية الكريمة, فقد جاء الحديث عن المسكن مضافاً إليهم, فأظهر ذلك مبدأ الملك الخاص, ووصف المسكن بالآية يدل على النسق الهندسي البارع, وقد كان لهم حظ وافر منه, كما كان لهم حظ وافر في بناء السدود مثل سد مأرب الذي حول تلك المملكة إلى جنة بل جنتين.


(٢)الوفرة الاقتصادية التي لا تقتصر على توفير القوت الضروري, بل ما يضيف إلى المعيشة قدراً فائقاً من الترف, فإن إحدى الجنتين تتمثل كما قال المفسرون: في وفرة الفواكه التي لم تكن تحتاج إلى جني أو قطاف بل كانت تتساقط وحدها, ويجمع الناس من صنوفها ما يشاءون, وقد كان الواحد منهم يحمل آناء على كتفه ويمر تحت أشجار الفواكه فيقع في الإناء ما يحتاج إليه المار.


(٣)النظافة الفائقة حتى قال المفسرون, إن هوام الحشرات التي تصيب الإنسان والحيوان كالقمل والقراض والبراغيث وغيرها لم تكن تحيا في تلك المملكة, وإذا وفد إليها شخص وعلى جسمه منها شيء فإنها كانت تموت من شدة النظافة وخلو المملكة من القذارة التي تمثل بيئة صالحة لنموها واستمرارها, فإذا دخلها شخص وعليه قذر أو أذى فإنه يخرج من تلك المملكة نظيفاً معافى.


ومن خلال تلك المظاهر الثلاثة التي أشارت إليها الآية الكريمة تبد ومعالم الحضارة فيها, وهي فخامة المسكن وكثرة الخيرات ووفرة النظافة, ولعل تلك الأمور الثلاثة مازالت هي أساس التحضر في المجتمعات الإنسانية المعاصرة في شرق العالم وغربه, وهذا ما قاله الهدهد في وصفها كما حكى القرآن الكريم: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ).


(ب‌)وأما الملكة:

كانت تلك الملكة تدير شئون مملكتها بمنهج ديمقراطي فائق التقدم, ودليل ذلك أن نبي الله سليمان عندما بادرها بإنذاره القوي الذي حمله الهدهد إليها والذي قال فيه كما حكى القرآن الكريم: (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)فهي بلقيس بننت الهدهاد بن شُرحبْيل, وقيل هي: يَلْمَقَة بنت (إليشَرْح) ينتهي نسبها إلى يعرب بن قحطان من قبيلة حمير, ولدت في منطقة (مأرب) باليمن وتولت ملك سبأ بعد أبيها وقد حوربت في ملكها من أحد منافسيها وهو: عمرو بن أبرهة ذا الإذعان, فهزمها في أول حربه عليها, لكنها عادت وانتصرت عليه, وواصلت انتصاراتها حتى خضع لها اليمن كله, وجعلت مدينة سبأ عاصمة لملكها, وهي على بعد ثلاثة أيام من صنعاء أي ما يقرب من مائة كيلو متر بالتقدير المعاصر.


ولم يعلم سليمان بها ولا بمملكتها إلا بعد أن تفقد الطير ولم يجد الهدهد فتوعده بالعذاب الشديد أو الذبح, وما كان للهدهد أن ينجو من هذا الوعيد إلا بما يدفعه من المقابل الثمين الذي سيفدي به حياته, وهو حديثه عن مملكة سبأ فقال لسليمان – عليه السلام -: (جِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ), وفي قول الله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ), ما يلخص معالم الحضارة التي صنعتها تلك الملكة لبلدها. وقد كان ذلك الخبر هو الذي حفز نبي الله سليمان لغزوها حيث كان يرى أنه لا ينبغي أن يكون على الأرض مملكة تضارع مملكته, وكان ممن حبب إليهم الجهاد والغزو, فما كاد الهدهد يبلغه بخبرها حتى أخذ بشرع في غزوها, وقد كان لهذا التصادم السياسي أثر في إبراز مدى ما تتمتع به تلك الملكة من حكمة وحنكة وقدرة سياسية تجعل تجربتها في الحكم محل عظة واعتبار, كما برزت من خلاله ملامح سياسية واضحة مازالت تمثل مصدراً تشريعياً لما هو معمول به من مبادئ السياسة في وقتنا المعاصر, ومن تلك الملامح ما يلي:


(١)مبدأ الشورى أو الديمقراطية بإصطلاح العصر:

كانت تلك الملكة تدير شئون مملكتها بمنهج ديمقراطي فائق التقدم, ودليل ذلك أن نبي الله سليمان عندما بادرها بإنذاره القوي الذي حمله الهدهد إليها والذي قال فيه كما حكى القرآن الكريم: (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ), وكما يبدو فإنه إنذار قوي يهدد مملكتها بالغزو والاستيلاء, ويمثل تهديداً للأمن القومي لبلدها, لم تنشأ أن تتخذا قراراً منفرداً, بل جمعت أهل الرأي عندها من أصحاب السلطة التشريعية, وقالت كما حكى القرآن الكريم: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) ورجوعها إلى الملأ م قومها لاستطلاع رأيهم في تلك القضية الوطنية الملحة يظهر مبدأ الديمقراطية التي أقامت عليه حكمها.


(٢)مبدأ الفصل بين السلطات:

ومن المبادئ السياسية التي أقامت عليها تلك الملكة دعائم حكمها: اختصاص كل سلطة بواجباتها, ولا تدخل اختصاصات سلطة في اختصاصات الأخرى, يدل على ذلك ما جاء في إخبار القرآن الكريم, حين طلبت الرأي من قطاع الدفاع في بلدها, فقالوا لها كما قال الله تعالى: (قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) وهذا القول يشير إلى أن هيئة الدفاع يحسن لها عدم المشاركة في السياسة حتى لا يصرفها الاشتغال بها والتعصب لها والخلاف فيها إلى شق الصف في أداء الواجب الدفاعي, ويبدو أن هذا المبدأ كان مقرراً ومحترماً من كافة هيئات المملكة, ولهذا لم تكد تأخذ رأي هيئة الدفاع حتى بادروها بما يعلمون أنه من الواجبات المقررة وفقاً لمبدأ الفصل بين السلطات.

ومن المبادئ السياسية التي أقامت عليها تلك الملكة دعائم حكمها: اختصاص كل سلطة بواجباتها, ولا تدخل اختصاصات سلطة في اختصاصات الأخرى, يدل على ذلك ما جاء في إخبار القرآن الكريم, حين طلبت الرأي من قطاع الدفاع في بلدها, فقالوا لها كما قال الله تعالى: (قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)
(٣)مبدأ أدب الحوار السياسي:

وهذا المبدأ واضح من كلامها لمرؤسيها عندما راحت تستطلع رأيهم فيما يجب عمله لمواجهة تلك الكارثة الوطنية الماحقة وذلك حين وصفت الإنذار الموجه إليها بالتسليم والخضوع من نبي الله سليمان بأنه كتاب كريم, وقد سجل لها القرآن الكريم هذا الأدب في الخطاب السياسي في قول الله تعالى: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وهو قول يظهر مدى الحنكة والرصانة والثبات في وقت الأزمات. وضبط الأعصاب واللسان الذي يتفوه بهذا الكلام الوقور في هذا الموقف العصيب, يحق من يهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور, وأتصور أنه لو كان أحد حكام العصر مكانها في ذلك الموقف العصيب لبادر إلى الهجوم والسباب, وجيَّش ما لديه من وسائل الإعلام والأقلام للردح السياسي الذي يتدنى إلى قاع السياسي في الخطاب والرد.


(٤)دفع مخاطر المواجهات الحربية المسلحة قدر ما يمكن:

ومن ملامح السياسة الملكية عند بلقيس أنها لم تكن مندفعة متسرعة تتحين الفرص للدخول في مواجهات حربية أو نزاعات مسلحة لما تقدره من المآلات في تلك المواجهات وما تسفر عنه من إراقة الدماء وإتلاف البناء وتخريب العامر, ولم تكن تتمنى لقاء العدو ولهذا اقترحت على قومها أن تبدأ بمديد السلام مع سليمان, لتدرأ المواجهات الحربية قدر استطاعتها, ولتختبر بذلك مدى حرص خصمها على الحرب وإصراره على المواجهة, فقالت كما حكى عنها القرآن الكريم: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ), فلم ترد على الوعيد بوعيد مثله, بل بغصن الزيتون تمده بيد وهدايا التقدير والمودة وتصفية الأجواء باليد الأخرى, وهذا الذي نذكره إنما هو غيض من فيض يكفي ذكره لبيان الأقر السياسي لتلك التجربة النسائية التي حكاها القرآن الكريم وما أسفرت عنه من تلك المبادئ وأمثالها.

الأستاذ الدكتور عبد الله مبروك النجارأستاذ رئيس قسم القانون الخاص بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهرعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ومحام بالنقض.

أقرأ المزيد لـ:  عبد الله مبروك النجار

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم