الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

النقابات العمّالية المصرية بعد الدستور الجديد

جول بينن

في خضم الاضطرابات السياسية التي أعقبت المرسوم الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي في ٢٢ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي ومنحَ نفسه بموجبه سلطات شبه ديكتاتورية، لم ينتبه أحد عملياً للمرسوم ٩٧ الصادر في ٢٥ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي الذي أدخل تعديلات إلى قانون النقابات العمّالية.


في خضم الاضطرابات السياسية التي أعقبت المرسوم الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي في ٢٢ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي ومنحَ نفسه بموجبه سلطات شبه ديكتاتورية، لم ينتبه أحد عملياً للمرسوم ٩٧ الصادر في ٢٥ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي الذي أدخل تعديلات إلى قانون النقابات العمّالية. فهو يُقيل كل المسؤولين الذين يتخطّون الستين من العمر في الاتحاد العام لنقابات عمّال مصر الذي ترعاه الدولة، على أن يتم استبدالهم بمرشّحين نالوا ثاني أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات النقابية الوطنية التي أُجريَت في العام ٢٠٠٦ وتُعتبَر على نطاق واسع بأنها كانت مشوبة بدرجة كبيرة من الفساد. في آب/أغسطس ٢٠١١، ثبّتت وزارة القوى العاملة والهجرة إقالتهم من مناصبهم، وحلّت مجلس الإدارة في الاتحاد العام لنقابات عمّال مصر.


ويُجيز المرسوم أيضاً لوزير القوى العاملة والهجرة، خالد الأزهري، المنتمي إلى "حزب الحرية والعدالة" التابع للإخوان المسلمين، تعيين أشخاص في المناصب الشاغرة في النقابات في حال لم يكن هناك مرشّحون حلّوا في المرتبة الثانية في التصويت. فالجدير ذكره في هذا الإطار هو أن المسؤولين الأمنيين في الدولة منعوا آلاف النقابيين المعارِضين من الترشّح في العام ٢٠٠٦، ولذلك خاض مئات المرشّحين الانتخابات النقابية من دون أي منافسة. وهكذا يمكن أن يصل عدد أعضاء "الإخوان المسلمين" المعيَّنين في مناصب في النقابات الوطنية الأربع والعشرين التابعة للاتحاد العام لنقابات عمّال مصر إلى ١٥٠ شخصاً، في حين أنه ستتم إقالة ١٤ عضواً من مجلس الإدارة المؤلّف من ٢٤ عضواً.


عُيِّن الجبالي المراغي، وهو من الحرس القديم، رئيساً للاتحاد مكان أحمد عبد الظاهر الذي كان من أشدّ المؤيّدين لنظام مبارك. وأصبح يسري بيومي، العضو في "الإخوان المسلمين"، أميناً للصندوق. لايزال هناك ثلاثة أعضاء فقط من مناصري العمل النقابي المستقلّ في مجلس الإدارة. وفي ٢٤ كانون الأول/ديسمبر الماضي، أصدر الرئيس مرسي قراراً بتعيين المراغي في مجلس الشورى في خطوة يعتقد كثرٌ أنها تهدف إلى مكافأته لعمله مع "الإخوان المسلمين".

تأسّست نحو ١٠٠٠ نقابة جديدة مستقلّة عن الاتحاد منذ اندلاع الانتفاضة ضد نظام الرئيس السابق حسني مبارك في ٢٥ كانون الثاني/يناير ٢٠١١.
 وينصّ المرسوم ٩٧ أيضاً على تمديد ولاية الأعضاء الحاليين في مجلس الإدارة في الاتحاد العام لنقابات مصر ستّة أشهر إضافية أو حتى موعد الانتخابات المقبلة للاتحاد إذا حلّ قبل انقضاء مدّة الستة أشهر. سوف يتولّى "الإخوان المسلمون" والحرس القديم في الاتحاد الإشراف على تلك الانتخابات، وغالب الظن أنهم سيؤكّدون سيطرتهم المشتركة عليه.


الواقع هو أن هذا الاتّجاه يغلب على الممارسات السياسية لجماعة "الإخوان المسلمين" في الآونة الأخيرة. فبدلاً من إصلاح المؤسّسات ومراكز النفوذ التي كانت قائمة في عهد مبارك، يسعون إلى بسط سيطرتهم عليها. لكن كما في الميادين الأخرى، لايملكون برنامجاً ملموساً أو طاقماً مدرّباً كما يجب لإدارة الاتحاد العام لنقابات عمّال مصر. ولذلك يتقاسمون السيطرة عليه مع أشخاص من حقبة مبارك. والمصلحة المشتركة التي تجمع بينهم هي مصلحة بيروقراطية قبل كل شيء، من أجل البقاء في مناصبهم. ويسعى "الإخوان المسلمون" أيضاً إلى الحد من نطاق العمل النقابي المستقل لأنه يمكن أن يقف في وجه أيديولوجية السوق الحرّة التي يروّجون لها.


تأسّست نحو ١٠٠٠ نقابة جديدة مستقلّة عن الاتحاد منذ اندلاع الانتفاضة ضد نظام الرئيس السابق حسني مبارك في ٢٥ كانون الثاني/يناير ٢٠١١. وقد انضم عددٌ كبير منها إلى واحد من الاتحادَين النقابيين الجديدين: الاتحاد المصري للنقابات المستقلة ومؤتمر عمال مصر الديمقراطي. يشار إلى أن هذين الاتحادين وعدداً كبيراً من النقابات التابعة لهما تعاني من الضعف في الموارد والقدرات التنظيمية، ومن أبرز الأسباب أنه ليست لدى مصر أي تجربة مع النقابات الديمقراطية بين مطلع خمسينيات القرن العشرين والعام ٢٠١١. بيد أن وجود الاتحادَين والنضالات البارزة التي يخوضها عدد كبير من النقابات التابعة لهما - مخمِّنو الضرائب العقارية البلدية، عمّال المترو والباصات في القاهرة، المعلّمون، عمّال الحديد والفولاذ والسيراميك، عمّال مرفأ العين السخنة - وضعا المطالب المرفوعة من أجل قيام نقابات ديمقراطية، ومنح العمّال حرّية التجمّع والحق في التفاوض بصورة جماعية، على جدول الأعمال السياسي. وقد دعمت منظمة العمل الدولية واتحاد النقابات العالمي، هذه الأهداف. لكن مصر تضرب عرض الحائط باستمرار باتفاقيات منظمة العمل الدولية التي صدّقت عليها قبل وقت طويل، والتي تتضمّن تأكيداً لهذه المبادئ.


تعارض النقابات المستقلّة بشدّة المرسوم ٩٧. في ٢٨ تشرين الثاني/نوفمبر، عقدت دار الخدمات النقابية والعمّالية مؤتمراً تحت عنوان "لا لأخوَنة النقابات العمّالية". وقد توجَّهَ المنسّق العام للدار كمال عباس إلى الحضور بالقول "رفضُنا لقانون الحريات النقابية الذي أصدره مرسي ليس دفاعاً عن مَن هم فوق سنّ الستين، بل لأن لائحة التنظيم النقابي لاتسمح إلا بصعود الفاسدين ليحلّوا مكانهم". 


في الأسبوع الواقع بين جولتَي الاستفتاء على الدستور المصري الجديد (١٥-٢٢ كانون الأول/ديسمبر الماضي)، نفّذت ثلاث مجموعات كبيرة واستراتيجية من العمّال الصناعيين إضراباً. وقد نجحت اثنتان منهما في تحقيق مطالبهما الأساسية على وجه السرعة. تحتكر الشركة الشرقية للدخان، وهي شركة حكومية تتّخذ من الجيزة مقراً لها، إنتاج السجائر في مصر. وقد تمكّن عمّالها البالغ عددهم ١٣ ألفاً، من استعادة حوافزهم الإنتاجية التي قُلِّصَت بعدما خفّضت الشركة إنتاجها تحسّباً لضرائب جديدة على السجائر. كذلك، نجح ٨٠٠٠ عامل في شركة مصر للألومنيوم، وهي شركة حكومية تقع في نجع حمادي، من استعادة عمولاتهم في صرف الأرباح السنوية، التي كانت قد خُفِّضَت من مجموع الأجر الأساسي عن ١٢ شهراً إلى ٤٥ يوماً.


وفي خطوة تدحض التمييز الشائع بين المطالب "السياسية" و"الاقتصادية"، طالب عمّال "الشرقية للدخان" أيضاً بإقالة الرئيس التنفيذي للشركة الذي عُيِّن في حقبة مبارك، متّهمين إياه بالفساد. وقد عُيِّن رئيس تنفيذي بالوكالة، وسوف يجري التحقيق في الاتهامات الموجَّهة إلى سلفه. فضلاً عن ذلك، فإنّ وزير الاستثمار، أسامة صالح، وهو تكنوقراطي شغَلَ مناصب رفيعة في عهد مبارك، تدخَّلَ شخصياً في الإضرابَين وأصدر تعليماته لتلبية مطالب العمّال. سوف تتحمّل خزينة الدولة ٧٠ مليون جنيه مصري لتلبية مطالب عمّال الألومنيوم، وملايين إضافية لتلبية مطالب عمّال "الشرقية للدخان".

على الرغم من هذه الانتصارات، لايزال مستقبل النقابات المستقلّة والحركة العمّالية ملتبساً في ظل الدستور الجديد الذي تنصّ المادة ٥٢ منه على مايأتي: "حرية إنشاء النقابات والاتحادات والتعاونيات مكفولة". لكن القانون الوحيد المطبَّق في هذا الإطار هو القانون الرقم ٣٥ الصادر في العام ١٩٧٦، والذي يمنح الاتحاد العام لنقابات عمال مصر احتكاراً في مجال التنظيم النقابي. وتجيز المادّة نفسها أيضاً حلّ النقابات ومجالس إدارتها بحكم قضائي. ويبدو أن المادّتَين ٦٣ و٧٠ من الدستور المصري الجديد تجيزان بعض أشكال السُخرة وعمل الأطفال، التي من شأنها أن تشكّل انتهاكاً لاتفاقيات منظمة العمل الدولية التي وقّعتها مصر (الرقم ٢٩ و١٠٥و١٣٨ و١٨٢).

تدّعي بعض المكوّنات في "جبهة الإنقاذ الوطني" التي تشكّلت لمعارضة الدستور، تمثيل مصالحهم، لكن القياديّين في الجبهة لم يبذلوا جهوداً فعلية لحشد الدعم على مستوى القواعد الشعبية العمّالية.
استقال وزير القوى العاملة والهجرة السابق، الدكتور أحمد البرعي، من منصبه في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١١ احتجاجاً على رفض المجلس الأعلى للقوات المسلّحة السماح للحكومة بإقرار قانون "الحريات النقابية" الذي أعدّته وزارته بإسهام من النقابات العمّالية المستقلّة. وفي ٢٢ كانون الأول/ديسمبر الماضي، صرّح البرعي لصحيفة "الشروق" أن الدستور يشكّل انتهاكاً لاتفاقيات منظمة العمل الدولية التي تضمن للعمّال حرّية التجمّع والحق في التفاوض بصورة جماعية (الاتفاقيتان الرقم ٨٧ و٩٨) والتي صدّقت عليها مصر. لذلك قد تُدرِج منظمة العمل الدولية مصر من جديد على "اللائحة السوداء"، بحسب التسمية التي يطلقها الناشطون المصريون المدافعون عن العمل النقابي الديمقراطي على لائحة "الحالات الخاصة" التي تضعها المنظمة.


شهد العام ٢٠١١ نحو ١٤٠٠ إضراب وسواه من الاحتجاجات العمّالية. ووفقاً للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، سُجِّل ٣١٥٠ تحرّكاً جماعياً للعمّال في الأشهر الثمانية من العام ٢٠١٢ التي جمع المركز إحصاءات بشأنها. تملك هذه الحركة الاجتماعية المتواصلة القدرة على تعطيل الخطة الهادفة إلى إنعاش الاقتصاد المصري المتعثّر التي اعتمدها في المبدأ تكنوقراط مصريون ومن صندوق النقد الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١١. من شأن تطبيق الاتفاق أن يُتيح لمصر الحصول على قرض قدره ٤.٨ مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، كما يُرجَّح أن تحصل على مساعدات من الاتحاد الأوروبي تصل إلى ٥ مليارات دولار، وكذلك على ١.٤ مليارات دولار من المساعدات الخارجية والضمانات المالية من الولايات المتحدة (إلى جانب المساعدات العسكرية البالغة ١.٣ مليارات دولار في السنة). لكنه سيؤدّي إلى ارتفاع الأسعار، وتراجع الدعم الحكومي للسلع الاستهلاكية والإنتاجية، وفرض ضرائب جديدة على المبيعات، وخفض أعداد الموظّفين الحكوميين. ومن شأن هذا البرنامج التقشّفي أن يتسبّب بتفاقم مشكلة البطالة أكثر فأكثر، مع العلم بأن نسبة البطالة تبلغ الآن ١٢ في المئة بحسب الأرقام الرسمية، وبارتفاع التضخّم الذي يسجّل حالياً نحو ١٠ في المئة في السنة.


ولذلك، عُلِّق تنفيذ الاتفاق بعد المعارضة الحاشدة وغير المتوقَّعة للمرسوم الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي في ٢٢ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. فقد تعهّد مرسي بأن القرض الذي سيقدّمه صندوق النقد الدولي لمصر لن يكون مقروناً بأي شروط، إلا أن لهذه الشروط تاريخاً معروفاً في مصر وأماكن أخرى. وهو لايملك التفويض الضروري لتطبيق برنامج تقشّفي لن يلقى تأييداً في الأوساط الشعبية، وغالب الظن أنه سيؤدّي إلى تزايد الإضرابات والاحتجاجات العمّالية.


يحيط الالتباس بمستقبل النقابات العمالية وعلاقات العمل في مصر، كما بمستقبل المشهد السياسي والاقتصادي الأوسع. يشكّل العمّال الصناعيون أحد القطاعات التي تعارض الدستور الجديد بشدّة من دون أن يكون هناك بالتأكيد إجماعٌ بين مختلف الأطراف في هذا القطاع. فضلاً عن ذلك، شاركت أعداد كبيرة من الأشخاص المتقاعسين الذين لم يكونوا مسيَّسين سابقاً، في التظاهرات ضد المرسوم الصادر عن الرئيس مرسي في ٢٢ تشرين الثاني/نوفمبر والدستور المُقترَح.


واقع الحال هو أن العمّال لم يشكّلوا عنصراً قوياً في المشهد السياسي الوطني في حقبة مابعد مبارك. تدّعي بعض المكوّنات في "جبهة الإنقاذ الوطني" التي تشكّلت لمعارضة الدستور، تمثيل مصالحهم، لكن القياديّين في الجبهة لم يبذلوا جهوداً فعلية لحشد الدعم على مستوى القواعد الشعبية العمّالية. يأمل عدد كبير من أنصار الجبهة بأن تخوض الانتخابات النيابية المقبلة ككتلة موحَّدة، الأمر الذي من شأنه أن يخلق توازن قوى مختلفاً عن ذاك الذي ولّدته الانتخابات التشريعية الأولى بعد سقوط مبارك والتي أسفرت عن سيطرة الإسلاميين بأغلبية ساحقة على مجلس الشعب. في تلك الحالة، من شأن التجاذب لرسم مستقبل البلاد أن يحدث داخل مجلس الشعب، كما في الشارع وأماكن العمل. وإلا فسيستمرّ الحراك في الشارع وأماكن العمل كما هو حاصل منذ عامَين.

جول بينن أستاذ في مادة تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ستانفورد. يستند هذا المقال إلى ماورد في الصحافة وإلى مقابلات أُجريَت في القاهرة في كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٢. شكر خاص لكلّ من دينا بشارة وأحمد شكر على آرائهما وتعليقاتهما القيّمة.

أقرأ المزيد لـ:  جول بينن

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم