الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

مصر والعشوائية

تتكون العشوائية من الفقر، فإلى حد كبير تتكون في مصر من هجرة الفقراء من الريف إلى المدينة جريًا وراء لقمة العيش، أو تتكون من فقراء المدينة الذين يتجمعون على أطراف مناطق العمل. وعندما نقتلع سكان الريف من منبتهم تهتز فيهم ثقافتهم المتصلة بجذورهم. فما يساند ثقافة وأخلاقيات الأطفال هو المجتمع بما فيه الجيران والعائلة الممتدة. 


لمن لا يعرف، هناك ١١٠٠ منطقة عشوائية في مصر، وواحد من كل ٤ مصريين يعيش في العشوائيات، كذلك، يعيش٦٠% من سكان القاهرة في العشوائيات.


عندما نتكلم عن العشوائيات تتداعى إلى ذهننا صورة أكوام من القمامة وحواري ضيقة وتكدس سكاني في منازل أو في عشش تنقصها الخدمات، كما هو واضح في صورة القاهرة من جوجل إرث، 

من الصفات الأساسية للعشوائي: 
١- غياب النظام، فالنظام من الصفات المكتسبة التي تربيها الأم في أولادها، وفي العشوائية لا نرى مجهودًا من العائلة لإكساب الأطفال صفات حميدة مثل النظام، بل كثيرًا ما نسمع: "الشارع هو الذي يربي الأطفال!!" 


والعشوائيات مرتبطة بقلة أو غياب المرافق القانونية مثل المدارس والمستشفيات ومراكز الشرطة والمطافئ، وقد يختبئ فيها الخارجون على القانون لذا كانت العشوائيات متصلة بالعنف وبارتفاع معدل الجريمة، والمخدرات، وزنى المحارم وعمالة الأطفال واستغلالهم في البغاء. 


وإذا تمعنا في الأمر نجد أن العشوائيات تنبع من الإنسان نفسه قبل أن تنبع من المكان الذي يعيش فيه. مما لا شك فيه أن الحياة في العشوائيات تضفي صفات العشوائية على الفرد، ولكن أصل العشوائية أنها من صناعة الفرد، ولكي نتغلب عليها يجب أن نبدأ بالفرد نفسه: نفهمه ونفهم لماذا هو كذلك، ونعطي أهمية خاصة للعمل على تغييره. 


فنبدأ بالسؤال كيف تظهر العشوائية أي كيف تتكون؟ 

 تتكون من الفقر، فإلى حد كبير تتكون في مصر من هجرة الفقراء من الريف إلى المدينة جريًا وراء لقمة العيش، أو تتكون من فقراء المدينة الذين يتجمعون على أطراف مناطق العمل. وعندما نقتلع سكان الريف من منبتهم تهتز فيهم ثقافتهم المتصلة بجذورهم. فما يساند ثقافة وأخلاقيات الأطفال هو المجتمع بما فيه الجيران والعائلة الممتدة. 


وإذا كانت الهجرة الداخلية من الريف إلى الحضر هي ما كانت تغذي تكاثر العشوائيات حول الحضر إلا أن السنين جعلت العشوائيات تتكاثر بارتفاع معدل الإنجاب فيها لأن سكان العشوائيات، رجالاً ونساء، يتزوجون وهم صغيرو السن وقد يتزوج الرجال أكثر من زوجة وينجبون العديد من الأطفال. ونتيجة ذلك أن تتكون مجتمعات عشوائية مستقرة، ليست حضرًا وليست ريفًا، ولكن لها قواعدها التي ترتكز إلى حد ما على ثقافة جديدة تنبت من بيئة العشوائيات. 

والإنسان، العشوائي أو غير العشوائي، يُكون إعتزازه بنفسه من إنتاجه في عمله. ولكن ماذا لو لم يعمل؟ في هذه الحالة، إما أنه لن يعتز بنفسه أو سيعوض عن ذلك بطرق اخرى، فيلجأ للقوة لتعطيه الصورة التي يريد أن يرى نفسه فيها.
 من هو العشوائي، ساكن العشوائيات وما هي ثقافته؟ 

أحب أن أؤكد أن هذه الصفات هي صفات عامة ولا تعني أنها تتوافر في كل سكان العشوائيات. 


من الصفات الأساسية للعشوائي: 

١- غياب النظام، فالنظام من الصفات المكتسبة التي تربيها الأم في أولادها، وفي العشوائية لا نرى مجهودًا من العائلة لإكساب الأطفال صفات حميدة مثل النظام، بل كثيرًا ما نسمع: "الشارع هو الذي يربي الأطفال!!" 

٢- غياب المثابرة على العمل، فالعشوائي ملول، لا يواظب على عمل، قد يبدأ العمل بهمة ونشاط ولكن سرعان ما يقل اهتمامه به فيتركه، والعامل يعمل فقط لقوت يومه، إذا أخذ أجره الاسبوعي قد يبقى في منزله حتى تنفد نقوده ثم يجلس على قهوة الحرفيين إلى أن يجد عملاً جديدًا، وهكذا. وقد درست هذه الظاهرة فعرفت أن هذه هي خصائص الإنسان البدائي. لا يدخر للمستقبل، لأنه لا يفكر في المستقبل، ففكرة المستقبل هي فكرة حضارية يجب أن تزرع في الفرد من العائلة والمجتمع وتجاربه وهو طفل صغير. 


وتشتكي كثير من الجمعيات الأهلية التي تهتم بإيجاد عمل لشباب المناطق الفقيرة أنها تمرن الشباب، وتوجد لهم وظائف، ولكن الكثير منهم لا يواظب على العمل وكأنهم لا يريدون أن يعملوا.

سمعت طفلة سنها ١٢ سنة من منطقة شديدة العشوائية تشتكي أن شابة عمرها ١٦ سنة أوقفتها في الحارة وهددتها إن لم تغط شعرها ستلقي ماء نار على وجهها.
٣- غياب الاعتزاز بالنفس والبحث عنه. عندما نحاول أن نفهم لماذا العشوائي لا يواظب على العمل نلاحظ أنه منذ الصغر لم يكن منتجًا لمنتج يعتز به، بدءًا من المدرسة فلم يواظب في الصغر على الدراسة، ولم يظهر اهتمامًا كبيرًا بها، فلم تكن درجاته المدرسية شيئًا يفتخر به، لذلك، لم يكوَن دائرة نظام طبيعي مغلقة بين عمله ومنتجه، ففي وجود هذه الدائرة عندما يعمل الفرد وينتج ويعتز بانتاجه يعتز بنفسه، واعتزازه بنفسه يجعله يعمل لينتج وليعتز بانتاجه فيعتز بنفسه، وهكذا. ولكن الشاب الذي لم يتعود الاعتزاز بعمله قد يعمل وينتج ولكن لأنه لم يتعود أن يعتز بمنتجه، ولا أن يستمد اعتزازه بنفسه من منتجه فدائرة النظام عنده لا تغلق، وسرعان ما يمل العمل ويكف عنه.


والاعتزاز بالنفس هي الصورة التي يكونها الفرد عن نفسه، وهي من احتياجات الإنسان العليا كما نرى في التسلسل الهرمي للاحتياجات الذي قدمه "مازلو" في الأربعينيات من القرن الماضي:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 فأول احتياجات الإنسان هي احتياجاته الفيسيولوجية من مأكل وملبس، ثم يأتي احتياجه للأمان، ثم يأتي احتياجه للحب أو الانتماء، ويأتي بعد ذلك احتياجه للاعتزاز بالنفس وأخيرًا احتياجه لتحقيق الذات من تفنن وأخلاقيات، إلخ.


والإنسان، العشوائي أو غير العشوائي، يُكون إعتزازه بنفسه من إنتاجه في عمله. ولكن ماذا لو لم يعمل؟ في هذه الحالة، إما أنه لن يعتز بنفسه أو سيعوض عن ذلك بطرق اخرى، فيلجأ للقوة لتعطيه الصورة التي يريد أن يرى نفسه فيها، فيصبح بلطجي الحي، أو يلجأ للفهلوة ليرى نفسه أكثر فهلوة من أي شخص آخر، أو يصبح المدافع عن الدين في إيميل التعليق على مقالات الجرائد الإلكترونية، أو يستعمل المعلومات البسيطة التي تعلمها من شيخه ويصبح من أنصار "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فوراء كل هذه التصرفات وهذه الموجة من العنف في تطبيق الدين يختبئ شبح البحث عن الاعتزاز بالنفس لأن الدين متصل حميمًيا بالهوية، وبالاعتزاز بمن نحن! 

طبائع العشوائية قد تسربت من المناطق العشوائية إلى باقي المناطق غير العشوائية، فأصبحنا نتقبل القمامة في الشارع ونتقبل أن تسير العربات في الطريق المعاكس، وتقبلنا في مسلسلات رمضان الشتائم والمفردات اللغوية البذيئة متعللين أن هذا يعكس الواقع متناسين أن تكرار الصورة في التلفزيون يخلق واقعًا جديدًا لأن التلفزيون من أكثر أدوات تغيير الثقافة. 
 وقد سمعت طفلة سنها ١٢ سنة من منطقة شديدة العشوائية تشتكي أن شابة عمرها ١٦ سنة أوقفتها في الحارة وهددتها إن لم تغط شعرها ستلقي ماء نار على وجهها. هل الشابة تتصرف بدافع ديني؟ طبعًا لا. هي تستعمل القوة والإرهاب لتقول لنفسها أنها مهمة، أي لتُكون صورة لنفسها تعتز بها، وهو نفس الدافع الذي دفع إلى قتل الشاب الذي كان مع خطيبته في حديقة في السويس، ونفس الدافع الذي دفع مدرسة الأقصر إلى قص شعر الطالبتين عندما رفضتا تغطية شعرهنا، ونحن نعيش في وقت يستعمل فيه الدين كقوة إرهاب من عشوائيين يريدون أن يعتزوا بأنفسهم وليس عندهم إنجاز عمل يعطيهم هذا الاعتزاز. 


٤- غياب الحب. في تسلسل مازلو للاحتياجات نرى أن الحب له مكانة أكثر أهمية من الاعتزاز بالنفس ويأتي مباشرة بعد الأمان، وقد رأينا بالفعل أن الأطفال في العشوائيات متعطشون للاهتمام بهم وبحبهم، وسنقدم هذا الموضوع في مدونة أخرى. 


٥- صفات متنوعة مثل ضياع ثقافة المنبت، فقد لاحظنا أن أولاد الريف مثلهم مثل أولاد الحضر يريدون عندما يكبروا أن يكونوا في وظائف تقليدية: دكتور، مهندس، ضابط، إلخ..، ولكن معظم أولاد العشوائيات يريدون أن يحترفوا لعب الكرة أو أن يمثلوا أو يغنوا، وإذا سألتهم: "لماذا؟" يقولون: "حتى نأخذ فلوس كثيرة دون أن نذاكر!" 


قبل أن أنهي هذه المقالة احب أن أشير إلى موضوع مهم، وهو أن طبائع العشوائية قد تسربت من المناطق العشوائية إلى باقي المناطق غير العشوائية، فأصبحنا نتقبل القمامة في الشارع ونتقبل أن تسير العربات في الطريق المعاكس، وتقبلنا في مسلسلات رمضان الشتائم والمفردات اللغوية البذيئة متعللين أن هذا يعكس الواقع متناسين أن تكرار الصورة في التلفزيون يخلق واقعًا جديدًا لأن التلفزيون من أكثر أدوات تغيير الثقافة. 


وهنا قالت شهرزاد: "يطول الكلام في مشكلة العشوائيات" وسكتت عن الكلام المباح. 

 

أقرأ المزيد لـ: 

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم