الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

من وحي فوضى التحرير

شيترا كالياني

لا تجعلوا التحرير عادة ... لا تجعلوه يفقد قيمته

في أحيان كثيرة أجد انه ليس من حقي التعليق على الكثير من الاحداث الجارية حاليا في مصر، إلا أنني أدركت أنصمتي قد سمح للعديد من الحماقات أن تمر مرور الكرام دون أن يلاحظها أحد أو يعيرها اهتمامًا. وإليكم مثالاً لذلك من محادثة اشتركت فيها مؤخرًا: «فلنذهب إلى ميدان التحرير». «هل تعرف ما الذي يجري هناك؟ لماذا يتجمهر الناس؟». «لا، ولكن فلنذهب فحسب».


وقد وصفت داليا دانش الوضع ببلاغة في مقابلة أجريت معها في وقت سابق حيث قالت «لقد أصبح الاعتصام في ميدان التحرير محض عادة، سرعان ما سيخبو بريقها ويفقد الميدان قيمته.» تلك الحقيقة ندركها جميعاً و لكننا نخشى التصريح بها. فقد أصبح ميدان التحرير قبلة الباحثين عن معاني الحرية والديمقراطية. لقد أصبح منبع المعاني الذي يروي ظمأنا ونستعيض به عن الحب المفقود والوظيفة التي طال انتظارها، وفي ظل سمائه الجريئة و المتفتحه المنفتحة نعتقد أننا عثرنا على الرؤية التي ستحدد مستقبلنا.  فكيف بعد كل هذا يتأتى لنا أن نقول أن هذا الرمز سيغدو أجوفًا دون معنى ويتدنى إلى مرتبة الفن الرخيص؟


أرجوكم لا تحولوا ميدان التحرير إلى شعار على قميص.
لقد حان الوقت لننضج ونعود إلى طاولة التخطيط ونبدأ في التفكير من جديد، ويالها من مهمة صعبة عندما يجب علينا تمزيق أوراقنا القديمة وإعادة التفكير والتخطيط من جديد.


في حديثها عن الآثار النفسية للثورة، أجابت داليا على تساؤلات البعض الخاصة بخوفهم من المستقبل، مؤكدة أنهم يمتلكون من الذكاء ما يسمح لهم باتخاذ القرارات الصائبة. و من المفارقات انه بعد حديثها ارسلت داليا اليّ رساله على جهاز تليفون المحمول قائلة «لقد جعلتني أبدو شديدة الذكاء»، كما لو أنها لم تكن ذكيه.


أنا أيضًا أخشى التصريح بما يجول في خاطري، لأنه هناك دومًا من يتحدث بصوت أعلى وبثقة أكبر حتى وإن كان ما يتفوه به لا يحمل أي معنى.


 عندما كان بيبي عائشة وبرتا في التحرير، لاحظا وجود بعض الأكشاك التي تقوم ببيع السكاكين، الأمر الذي بدا غريبًا خاصة في ظل الأوضاع السياسية الملتهبة. ولكن لم يكن هناك من يهتم بآرائنا أو يكترث للأمر برمته. حيث لم ينشر هذا الموضوع في تعليقات على تويتر، ولم نشاهده يتصدر الأنباء العاجلة إلى جوار الأخبار المتعلقة بالوفيات أو وحشية الجيش. إن تداعيات الخطر دائما ما تظهر و لكن إحتماليات حدوث هذا الخطر في ميدان التحرير لا يعلق عليها أحد.


في بعض الأحيان، يبدو وضع المعتصمين في التحرير مثل من يناضل للحصول على حق قد فاز به بالفعل.لقد أصبح للجميع حق التجمع والمناقشة والنشر إلى جانب الحق في الجلوس في الميدان إلى ما لا نهاية.  


لم يعد الأمر مقتصرًا على محاربة الجيش للشعب، كما أن بذور الفرقة لم تعد تغرس من قبل الجيش بين صفوف الشعب. فاليكم الاسباب الحقيقية التي أدت إلى الانقسام الذي وقع بين من هم داخل الميدان ومن هم خارجه:
الإختناق المزعج مثل عنق الزجاجة الذي عاشه الناس و شوارع القاهرة.


أصبح الناس يقومون برسم علم مصر على وجوه أطفالهم في نفس المكان الذي   سيشهد في الليل إطلاق الناس للرصاص على الشباب.  


أصبح الشباب يقف خلف صديقاتهم من الفتيات لحمايتهم من التحرش الجنسي على الرغم من توقعات البعض بأن عقب الثورة سينتهج الجميع نهج القديسين ولن تُمس امرأة في المظاهرات.  أصبح الناس يتركون الاشياء الثمينه في منازلهم قبل الذهاب إلى الميدان، حتى تلك التي كان من الطبيعي حملها قبل الثورة، لأن المكان تحول إلى ساحة رحبة لممارسة النشل.


لم تعد المشكلة مع السلطات فحسب، بل إنها تتمثل في عملية التواصل. فعندما يشعر المرء بالتعاسة يتوجه للميدان ليعتصم، والكل مدعو للمشاركة في الاعتصام من لصوص ومتحرشين وباعة جائلين وصائدي الأخبار. ولكن علي كل شخص أن يدرك أن الوصول للديمقراطية سيستغرق سنوات وسنوات، وحتى حين يحدث ذلك لن تكون ديمقراطية حقيقة لأن الديمقراطية لا يمكن أن تمثل رؤية شخص واحد.


من أهم الأساسيات التي تعلمتها أنه مع الحرية تأتي المسئولية. أما هذه التصرفات فهي لن تسرق أهداف التحرير الحالية فحسب، بل وستختطف المعنى الذي أعطاه هذا الميدان لماضينا القريب.


أما النصيحة التي أقدمها هنا فهي أنه من المفيد أن نبدأ في الجلوس معًا لنتحدث، بل ولنستمع لبعضنا البعض. فإذا شعرت لاحقًا بأنه لا يوجد من يستمع لأفكارك ويحترم رغباتك، فحينها يمكنك النزول للتظاهر في الشوارع ولكن بعيدًا عن ميدان التحرير. فكما قالت داليا، لا يجب أن يصبح الاعتصام في التحرير عادة حتى لا يفقد الميدان معناه وقيمته.

شيترا كالياني، صحفية مستقلة يمكن متابعة كتاباتها من خلال جريد ديلي نيوز مصر و عن طريق مدونتها chitrakalyani.wordpress.com

أقرأ المزيد لـ:  شيترا كالياني

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم