الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

إعلان المترو الذي يسميني "همجية"

ليندا صرصور

 لقد لجأت جيلر إلى مناشدة غرائزنا البغيضة، ولكنني  آمل ألا تنجح سوى في عزل نفسها وتوحيد صف  أمريكيين  المعترضين ليس فقط على خطابها، وإنما  أيضاً على فكرة أننا يجب أن ندعم إسرائيل بلا حدود  حتى  وهي تقهر ملايين الفلسطينيين.


 تقول إحدى قاطنات نيويورك المسلمات إن الإعلانات  التي وضعتها إحدى المجموعات المناهضة للإسلام  قانونية  تماماً... وغير أخلاقية على الإطلاق.


 بينما أنتظر القطار على الرصيف في إحدى محطات المترو بمدينة نيويورك، أقرأ دائماً الإعلانات الملصقة على  الجدران. فأنا لا أشاهد التلفزيون كثيراً لذلك تساعدني هذه الإعلانات دوماً على مواكبة أحدث إصدارات الأفلام،  والعروض الأولى لمواسم أشهر المسلسلات والبرامج التي تذاع في أوقات الذروة، وأحدث اتجاهات الموضة في  مدينة نيويورك. وبدءاً من هذا الأسبوع، سيفاجئ سكان نيويورك بأمر بعيد بعض الشيء عما اعتادوه... عنصرية  صارخة والاستجابة لها.


ففي يوم الاثنين الموافق الرابع والعشرين من سبتمبر، تم تعليق إعلان في ١٠ محطات مترو بمدينة نيويورك جاء فيه: "في أي حرب بين الإنسان المتحضر والهمجي، ادعم الإنسان المتحضر. ادعم إسرائيل. اهزم الجهاد". سيمر كثير من سكان نيويورك على هذه الإعلانات دون حتى أن تطرف لهم عين، لكني لست من هذه النوعية من سكان نيويورك. فأنا من المؤيدين تماماً للتعديل الأول للدستور الأمريكي وأؤمن من كل قلبي بأن باميلا جيلر، مؤسسة جماعة "أوقفوا أسلمة أمريكا"، إحدى جماعات الكراهية التي أشار إليها "مركز قانون الفقر الجنوبي"، لديها كل الحق في أن تعبر عن نفسها من خلال هذه الإعلانات. ومع ذلك، فأنا أؤمن أيضاً بأن حرية الخطاب تتبعها مسئولية. فهل ستحكم أي محكمة بمشروعية تعليق هذه الإعلانات المفعمة بالكراهية؟ نعم، بالتأكيد. وهل هذه الإعلانات أخلاقية وضرورية؟ لا، على الإطلاق. الأمر لا يتعلق بالمشروعية فحسب، بل بالنواحي الأخلاقية أيضاً. لقد كانت العبودية مشروعة يوماً ما في الولايات المتحدة، ولكن هذا لم يجعلها أخلاقية.


لقد أتيحت لي فرصة المشاركة في مناظرة مع السيدة جيلر في برنامج أذيع على قناة بي بي سي الأسبوع الماضي (أضغط هنا للإستماع الي لقاء  قناة البي بي سي كاملاً) 

فأنا من المؤيدين تماماً للتعديل الأول للدستور الأمريكي وأؤمن من كل قلبي بأن باميلا جيلر، مؤسسة جماعة "أوقفوا أسلمة أمريكا"، إحدى جماعات الكراهية التي أشار إليها "مركز قانون الفقر الجنوبي"، لديها كل الحق في أن تعبر عن نفسها من خلال هذه الإعلانات. ومع ذلك، فأنا أؤمن أيضاً بأن حرية الخطاب تتبعها مسئولية.
الفرق بين مجموعتي الإعلانات هو أن إحداها كانت مجرد حملة سياسية ولم تعمِّم فكرة ما حول مجموعة من الأشخاص أو تمثيلهم بالشياطين، في حين تعمدت الأخرى تصوير مجموعة كاملة من الأشخاص على نحو منحط بوصفهم همجاً ولا يرقون إلى مستوى البشر. وقد استرسلت جيلر قائلة إنه لا وجود لفلسطين – وهو رأي لا يشاركها فيه معظم الأمريكيين. وبوصفي فلسطينية، فقد وجدت هذا التعليق صادماً للضمير، ولكن من الأفضل أن يحافظ المرء على اتزانه بدلاً من أن ينحدر إلى مستوى الخطاب غير المتحضر والقاسي الذي كانت تستخدمه جيلر. وعلى جيلر وحلفائها أن يسعوا إلى المشاركة في نقاش عقلاني بدلاً من الانجراف وراء الغوغائية.


لقد كان استخدام ألفاظ مثل "الهمجي" و"الإنسان المتحضر" متعمداً لإلهاب المشاعر. فكلمة "الهمجي" حافلة بالمعاني التي تستدعي إلى الذهن تجريد الأمريكيين الأفارقة وسكان أمريكا الأصليين من الصفات الإنسانية. ولم تكترث جيلر بهذا التاريخ في محاولة منها لخلق استجابة لإعلانها. إنها تريد أن تثير رد فعل عنيف دون اعتبار لمصالح الولايات المتحدة وشعوب المنطقة.


إن "الإنسان المتحضر" هو كناية عن إسرائيل، أما "الهمجي" فهو إشارة حافلة بالاتهامات إلى المسلمين والفلسطينيين. ومن المثير للدهشة أن من تتهم المسلمين بأنهم غير متحضرين هي ذاتها التي تروج للنقاش بطريقة غير متحضرة ومفعمة بالكراهية. فعندما فجر أندريه بريفيك قنبلة وذهب إلى معسكر شباب في النرويج ليقتل عشرات الأشخاص، لم يستشهد في بيانه بأسامة بن لادن أو انتحاري فلسطيني. كلا، لقد استشهد وأوصى بمقالات لباميلا جيلر ذاتها، المتعصبة التي تقف وراء إعلانات المترو.


لقد شاهدنا مؤخراً آلاف المسلمين حول العالم يحتجون على فيلم من صنع هواة يصور نبينا الحبيب محمد بوصفه زير نساء منجذباً جنسياً نحو الأطفال. وقد أخذ عدد قليل من هذه الاحتجاجات منحنى عنيفاً. وانتقلنا من التهليل لآلاف المتظاهرين بميدان التحرير في أثناء الثورة التي أطاحت بالرئيس المصري مبارك إلى صور من النوع الذي تنشره مجلة نيوزويك لرجال ملتحين غاضبين يحرقون الأعلام الأمريكية. ومن الواضح أن هذه الاحتجاجات لا تمثل شعوب العالم الإسلامي، لكنها عُرضت في البرامج الإخبارية التي تذاع في أوقات الذروة وعلى الصفحات الأولى بجميع الصحف الرائجة. هناك ١,٥ مليار مسلم في العالم؛ ولا شك في أن القلة التي احتجت بعنف على الفيلم لا تمثل كل المسلمين.

فعندما فجر أندريه بريفيك قنبلة وذهب إلى معسكر شباب في النرويج ليقتل عشرات الأشخاص، لم يستشهد في بيانه بأسامة بن لادن أو انتحاري فلسطيني. كلا، لقد استشهد وأوصى بمقالات لباميلا جيلر ذاتها، المتعصبة التي تقف وراء إعلانات المترو.
لقد تحير كثيرون كيف استطاع فيلم ردئ الصنع أن يثير هذا القدر الهائل من الغضب الشعبي. لا يتعلق الأمر بفيلم واحد فحسب، بل بفيلم تم إطلاقه في سياق أكبر. لقد تراكمت الضغوط السياسية والمظالم بعد سنوات من السياسة الخارجية الأمريكية العدائية، والحروب، وعدم الاحترام، والتجريد من الصفات الإنسانية. وينشأ الغضب عن مشاعر التهميش والعزلة.


ويمثل دعم الحكومة الأمريكية الصريح لإسرائيل نقطة خلاف أساسية ومستمرة. فقد حصلت إسرائيل على عشرات المليارات من الدولارات في شكل معونات عسكرية وتجنبت النقد اللاذع من الولايات المتحدة بشأن احتلالها العسكري المستمر لفلسطين. وهذا أمر لا يُغض الطرف عنه؛ فمن الجلي أن السياسة الأمريكية نحو إسرائيل وفلسطين منحازة إلى جانب دون الآخر وتترتب عليها تبعات ليس فقط بالنسبة إلى إسرائيل وفلسطين، بل وبالنسبة إلى العالم العربي والإسلامي بأكمله. ويرى بعض الأمريكيين أن الانحياز إلى جانب واحد صحيح حسب الكتاب المقدس أو أنه انحياز ملائم إلى حليف أو كلا الأمرين معاً، ولكن كثيراً من سكان العالم يرونه بمثابة دعم لدولة تمارس سياسة شبيهة بسياسة التفرقة العنصرية تقهر بها الفلسطينيين.


ومن الأمور المفجعة أنه يبدو أن هناك قبولاً متنامياً للشعور المناهض للمسلمين في الولايات المتحدة. وفي بلدنا، يحق للأفراد أن يكونوا عنصريين ومتعصبين، ولكن حينما يتعدى الخطاب الحدود ليتحول إلى كراهية، فمن المهم أن يضع أصحاب الضمير حداً فاصلاً. ففي الأسابيع الأخيرة، قُتل ستة أمريكيين من السيخ بمعبدهم في ويسكونسن، وأُحرق مسجد بالكامل في جوبلين بولاية ميسوري، ودُنست مقبرة إسلامية في إيلينوي، وأُلقيت زجاجات مولوتوف على دار عبادة إسلامية أخرى، والقائمة تطول.


ورغم ذلك، يبدو أن مجموعات الكراهية هذه تفلت بأعمال العنف التي ترتكبها فيما تستمر أجهزة إنفاذ القانون – من قبيل إدارة شرطة نيويورك – في المراقبة غير المبررة للأمريكين من المسلمين والعرب. لقد استهدفت إدارة الشرطة المجتمعات المسلمة في نيويورك، ونيوجيرسي، وكونيتكت، ليس استناداً إلى أدلة جنائية موثوق فيها وإنما ارتكاناً إلى عقيدتهم فحسب. وقد وثَّقت وكالة أسوشيتد برس برنامج المراقبة هذا في تقرير استقصائي حديث. ويعيش الأمريكيون المسلمون في أكثر بيئة مدنية عدائية شهدها مجتمعنا في الولايات المتحدة على الإطلاق. وفي هذا الوقت الصعب، أطلقت جيلر إعلاناً يبدو أن القصد منه هو إثارة مزيد من العداء في نفوس الأمريكيين.

وإذا وقف رفقاؤنا  الأمريكيون إلى جانبنا وانتقدوا جيلر بسبب إعلاناتها الخبيثة، فسيكون هذا يوماً عظيماً بالنسبة إلى المجتمعات المسلمة، والعربية، والفلسطينية التي تتعرض إلى الاستخفاف والازدراء في كثير من الأحيان بالولايات المتحدة.
وأنا أمريكية فخورة أقدر قيمة الحقوق النابعة من مواطنتي، ولا أريد أن أنتهك الحريات الفردية أو أدعو إلى الرقابة. وأنا لا أؤيد "فرض قيود تكفيرية على حرية الخطاب"، وفي الواقع، أنا لا أطالب بفرض أي نوع من القيود على حرية الخطاب. فهذه الحرية هي أساس قيمنا كأمة؛ فأنت حر في أن تقول ما تريد وأنا حرة في أن أرد عليك. ومع ذلك، آمل ألا تحقق كراهية جيلر الهدف المنشود منها. فكثيرون في المجتمعات التي مررت بها يودون أن يروا استجابة معاكسة تماماً لتلك التي ترغب فيها جيلر. وإذا وقف رفقاؤنا  الأمريكيون إلى جانبنا وانتقدوا جيلر بسبب إعلاناتها الخبيثة، فسيكون هذا يوماً عظيماً بالنسبة إلى المجتمعات المسلمة، والعربية، والفلسطينية التي تتعرض إلى الاستخفاف والازدراء في كثير من الأحيان بالولايات المتحدة.


لقد رأينا بالفعل استجابات مبتكرة عندما أعاد سكان نيويورك صياغة الإعلانات ليصفوها بأنها "خطاب كراهية" و"عنصرية". ومع ذلك، يكمن الخطر في أنه ما زال بإمكان جيلر أن تستميل حفنة من الناس كي تفجر أعمال العنف ضد المسلمين والعرب. وحينئذ، ستدعي جيلر أنها غير مسئولة، ولكنها لا بد أن تكون قد لعبت دوراً فيما سيحدث – تماماً كما فعلت مع بريفيك.


ونحن أبعد ما نكون عن أمريكا خالية من الكراهية، ولكننا ندين إلى أطفالنا بأن نعمل نحو الوصول إلى شيء مختلف... شيء أفضل. لقد لجأت جيلر إلى مناشدة غرائزنا البغيضة، ولكنني آمل ألا تنجح سوى في عزل نفسها وتوحيد صف الأمريكيين المعترضين ليس فقط على خطابها، وإنما أيضاً على فكرة أننا يجب أن ندعم إسرائيل بلا حدود حتى وهي تقهر ملايين الفلسطينيين.

ليندا صرصور هي مرأة عاملة و ناشطة تعمل في خدمة المجتمع وام لثلاثة اطفال .هي فلسطينية امريكية مسلمة . بنت نفسها بنفسها ولدت و ترعرعت  في  نيويورك في حي بروكليين .حاليا هي  منسقة الدعوة و كسب التأييد للشبكة الوطنية للمجتمعات العربية الأمريكية NNAAC) and ACCESS).

وتخدم محليا  كمدير لرابطة وكالة الخدمات الاجتماعية العربية الامريكية بنيويورك التي تخدم المجتمع العربي بنيويورك.

أقرأ المزيد لـ:  ليندا صرصور

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

سمر

Oct 10 2012 6:01:08:563AM

فكرة مميزة
فكرة إدراج برنامج البي بي سي في المقال فكرة مميزة تضيف إلى المقال وتعطيني فكرة أكبر عن فكر الكاتبة وراعية الإعلانات المسيئة للإسلام.

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم