الثلاثاء، ١٩ يونيو، ٢٠١٨ 

السياسه

خواطر حول استقلال السلطة القضائية

المستشار أحمد ذهني

أصبحت السلطة القضائية أحد السلطات الرئيسية في أية مجتمع بشري إلى جانب السلطة التنفيذية والتشريعية. ومن أهم خصائصها أن تكون مستقلة عن باقي السلطات الأخرى.


منذ قديم الأزل وهناك وسيلتين رئيسيتين للشخص لأخذ حقه، إما بلجوء الشخص للقضاء بشكايته طالباً صون حقوقه وفقاً لصحيح القانون، وإما باللجوء للقوة عند عدم وجود الوسيلة الأولى أو فشلها. والوسيلة الأولى هي الوسيلة السائدة في  المجتمعات البشرية المتحضرة. وأضحى مبدأ سيادة القانون هدف أساسي تصبو إليه هذه المجتمعات، وأحد ركائز هذا المبدأ وجود قضاء عادل مستقل لأن مجتمع القانون لابد له من قضاء يحرسه ويحرس القواعد القانونية التي ارتضاها أفراد هذا المجتمع ويرد أي جموح للمصالح أو الأفراد إلي حظيرة القانون.


ومن ثم أصبحت السلطة القضائية أحد السلطات الرئيسية في أية مجتمع بشري إلى جانب السلطة التنفيذية والتشريعية. ومن أهم خصائصها أن تكون مستقلة عن باقي السلطات الأخرى. واستقلال القضاء قضية شغلت أهل الفكر والقانون منذ زمن بعيد وأصبح استقلال القضاء جزء من الضمير الإنساني بحيث لم يعد من المقبول إغفاله أو إنكاره، وغدا تعميق هذا المبدأ وترسيخه أمرا حتميا لتأمين العدالة وكفالة الحقوق وصون الحريات والحرمات والقضاء علي القفز فوق القوانين وحماية المواطنين.

بصرف النظر عما يفعله القضاة أو لا يفعلونه فإن الجدل حول مسألة تدخل السلطة السياسية وغيرها من السلطات في أعمال السلطة القضائية سيستمر دائما لأن القضاء لا يعمل في فراغ
وتمت في مصر على مراحل جهود نحو تحقيق الاستقلال للقضاء كان آخرها صدور القانون رقم ١٤٢ لسنة ٢٠٠٦ بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢ بحيث أصبح للقضاء والنيابة العامة موازنة مستقلة. فأصبح مجلس القضاء الأعلى، بالاتفاق مع وزير المالية، يعد مشروع الموازنة ويتولى مجلس القضاء الأعلى تنفيذ هذه الميزانية فور اعتماد الموازنة العامة للدولة، ويباشر مجلس القضاء الأعلى السلطات المخولة لوزير المالية في القوانين واللوائح بشأن تنفيذ موازنة القضاء والنيابة العامة في حدود الاعتمادات المدرجة لها، كما يباشر رئيس المجلس السلطات المخولة لوزير التنمية الإدارية ولرئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، كما يعد مجلس القضاء الأعلى الحساب الختامي لموازنة القضاء والنيابة العامة في المواعيد المقررة، ثم يحيله رئيس المجلس إلى وزير المالية لإدراجه ضمن الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة وتم إعمال أثر هذا التعديل اعتباراً من موازنة عام ٢٠٠٨.


وفيما يلي خطوات أخرى هامة لضمان استقلال السلطة القضائية عن باقي سلطات الدولة يجب إنجازها في أقرب فرصة ممكنة:


أولاً: التفتيش القضائي

نقل الميزانية لمجلس القضاء الأعلى كان خطوة عملاقة نحو تعميق استقلال القضاء، ولكن كانت هناك خطوة أخرى على قدر كبير من الأهمية وهي تعديل قانون السلطة القضائية بحيث يتم نقل تبعية التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلى، ذلك أنه في وضعه القانوني الحالي يتبع وزير العدل والأخير جزء من السلطة التنفيذية على عكس مجلس القضاء الأعلى المكون من سبعة من رجال القضاء هم بطبيعة مراكزهم وأقدمياتهم عل القمة من مدارج التنظيم القضائي وبالتالي أكثر خبرة ودراية بأوضاع السلطة القضائية وشئون القائمين عليها وأعمق فهماً للمقاييس الصارمة التي يتعين أن يُؤدى العمل القضائي في إطارها وأنفذ على الضوابط الكامنة في طبيعة الوظيفة القضائية وما يرتبط بها من القيم الرفيعة التي ترد عنها  شبهة تنال منها، وأيضاً لتحرر القضاء من وجود جهة رقابية عليه فتستخدم هذه الرقابة للتدخل بشكلٍ أو بآخر في شئون القضاء سواء بالترغيب أو التهديد مع ضرورة خضوع القضاة لنظام محاسبة داخلي مقنن يضمن لهم الحرية في العمل دون معوقات مع وجود رقابة فعالة على أعمالهم وتصرفاتهم.


ثانياً: التعيين في القضاء

التعيين في القضاء يبدأ بأعضاء النيابة العامة الجدد. لذا فإن اختيار أعضاء النيابة العامة يجب أن يكون من جانب مجلس القضاء الأعلى ويقتصر دور السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الجمهورية على إصدار قرار جمهوري بالتعيين، لأنه أحد مسوغات التعيين القانونية حالياً، دون أن يكون له الحق في تعديل، سواء الإضافة أو الحذف، أو مراجعة المجلس في اختياراته ومن ثم يكون اختيار أعضاء السلطة القضائية من جانبها ذاتها وبمنأى عن أي تدخل خارجي لاختيار أشخاص بعينهم وفقاً لأية توجهات أو اعتبارات مهما تكن ومن ثم يصبح  التعيين من اختصاص هيئة قضائية مستقلة تتوافر لديها جميع الضمانات ولا يمكن التأثير عليها ويتم الاختيار وفقاً لمعايير مجردة محددة قانوناً.

القانون يسعى إلي جعل الضعفاء أقوياء وجعل الأقوياء عادلين وبعبارة أخرى فإن ما يعتبره المجتمع عادلا وسليما ينبغي أن يترجم إلي قانون من خلال السلطة التشريعية المنتخبة من الشعب
ثالثاً: تعديل قانون السلطة القضائية

إن أية تعديل مُقترح لقانون السلطة القضائية، بغض النظر عن مصدره، يجب تقديمه لمجلس القضاء الأعلى باعتباره الجهة القضائية القائمة على شئون القضاء والذي يتولى بدوره طرحه للمناقشة في إطار الجمعيات العمومية لجميع المحاكم، الابتدائية والاستئنافية والنقض، وجمع المقترحات. ثم يعقب ذلك طرح التعديل للاستفتاء عليه من جانب جموع القضاة على أن يتم ذلك تحت إشراف مجلس القضاء الأعلى والوصول لمقترح نهائي يقدم للسلطة التشريعية لإصداره.


رابعاً: العمل السياسي

نصوص قانون السلطة القضائية والتعليمات العامة للنيابات تؤكد على حظر العمل السياسي على القضاة وأعضاء النيابة العامة لما في طبيعة العمل السياسي من جود مناصرة لآراء واتجاهات في مقابل آراء واتجاهات أخرى وهو ما قد ينزع عن القاضي أو عضو النيابة صفتي التجرد والحيدة اللازمتين له في عمله وعلى أساس هذا المبدأ اقتداءً به يجب تنزيه القضاء وعدم الزج به في أتون العمل السياسي من قريب أو بعيد. وأقل ما يقدم تدليلاً على ما سبق أن العمل السياسي تكتنفه العديد من المشكلات التي تجد سبيلها إلى ساحات القضاء ليقول كلمته فيها وهو ما يقتضي أن لا يكون للقضاء توجهات سياسية معلنة حتى يظل محتفظاً بهالة الحيدة والاستقلال.


فالمشاركة الفعالة الحقيقية للقضاء في الحياة العامة هي توفير محاكمات منصفة وعادلة فيما يعرض عليه من دعاوى مع الحفاظ على استقلاله ونزاهته وحيدته تجاه جميع أطياف المجتمع.


خامساً : ثقافة مبدأ استقلال القضاء

من جهة يجب التعريف بمبدأ استقلال القضاء ونشره والتأكيد على أهميته بين جموع الشعب لأن التوعية الجماهيرية ومن ثم الدعم الجماهيري لهذا المطلب وانتشار ثقافة سيادة القانون بما تتضمنه من أهمية استقلال القضاء من أهم ضمانات هذا المبدأ، ذلك أنه توجد فجوة كبيرة بين ما هو مطلوب وما يجب أن تكون عليه الأمور وظروف الحال والإمكانيات المتاحة، فضلاً عن أن تغيير الأفكار والتوجهات عادة ما تتطلب وقتاً لـتأتي بأثرها. فالقانون يسعى إلي جعل الضعفاء أقوياء وجعل الأقوياء عادلين وبعبارة أخرى فإن ما يعتبره المجتمع عادلا وسليما ينبغي أن يترجم إلي قانون من خلال السلطة التشريعية المنتخبة من الشعب وأن ينعكس فيه وبذلك يكون القانون أساسه المشروعية ويكون المشروع مطابقا للقانون ومتفقا معه وقابلا للتنفيذ.

نصوص قانون السلطة القضائية والتعليمات العامة للنيابات تؤكد على حظر العمل السياسي على القضاة وأعضاء النيابة العامة لما في طبيعة العمل السياسي من جود مناصرة لآراء واتجاهات في مقابل آراء واتجاهات أخرى وهو ما قد ينزع عن القاضي أو عضو النيابة صفتي التجرد والحيدة اللازمتين له في عمله
فالكثير من القضايا المطروحة علي المحاكم محفوفة بالآثار السياسية ونفس الحكم المتعلق بها يصبح موضعا للجدل ويعلق المحررون والصحفيون عليها وتمارس مجموعات الضغط ضغوطها علي السلطة التشريعية لنقضها، والتوعية الجماهيرية أفضل وسيلة لرد ما سبق وضمان لالتزام مؤسسات الدولة بمبدأ استقلال القضاء وسيادة القانون بكافة مظاهره والتي منها عدم التعليق على الأحكام.


فدائما يكون من الأيسر علي السلطة القضائية  أن تطبق القانون بنزاهة بين مواطن ومواطن، أما عند تطبيق القانون بين مواطن والدولة وكفالة مراعاة حقوق الإنسان وسيادة القانون فتحدث منازعات لا يمكن تجنبها بين السلطة القضائية من جهة والسلطتين التشريعية والتنفيذية من جهة أخرى حيث تحاسب الأولى على أنها مؤسسة غير مسئولة لا يمكن أن يسمح لها بأن تفرض إرادتها أو معرفتها علي الشعب أو ممثليه المنتخبين وهنا أيضاً تظهر أهمية التوعية والفهم الجماهيري لدور القضاء في المجتمع الحديث حيث مبدأ استقلال القضاء يجب أن يفهمه صاحب السلطة النهائية في جميع الحكومات و هو "الشعب" وتعليم حقوق الإنسان ومحو الأمية القانونية هما الأساسان الذي يمكن أن يقوم عليهما بأمان صرح استقلال السلطة القضائية في العالم الحديث. 


وبصرف النظر عما يفعله القضاة أو لا يفعلونه فإن الجدل حول مسألة تدخل السلطة السياسية وغيرها من السلطات في أعمال السلطة القضائية سيستمر دائما لأن القضاء لا يعمل في فراغ ولكن المهم هو إيجاد منظومة من نقاط تماس ووسائل اتصال في إطار قانوني تضمن التنسيق والاحترام المتبادل بينهم جميعاً دون الإخلال بمبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء. 

 

المستشار أحمد ذهني، مستشار بمحكمة الاستئناف العالي.

أقرأ المزيد لـ:  المستشار أحمد ذهني

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم